الحوار الأمريكي ــ الإيراني ـ ريفا بهالا ـ ترجمة ــ سناء عبد الله
في الوقت الذي بدأ يتكشف فيه شكل الفريق المعني بالسياسة الخارجية للدورة الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، تبقى المسألة الايرانية غير محسومة لدى الادارة الأمريكية. وكانت المصاعب الدبلوماسية المحيطة بهذه المسألة قد أخذت كثيرا من وقت واشنطن وطهران خلال السنوات العشر الأخيرة. وعلى الرغم من قيام كل من الولايات المتحدة وايران باستطلاع نوايا بعضهما بعضاً بشأن عقد جولة مفاوضات جديدة، تبقى التوقعات بحصول انفراج ضئيلة جدا وذلك لأسباب واضحة. لكن الأجواء شهدت خلال الاسبوع الماضي الكثير من الحراك مما يستدعي القاء نظرة على هذا المأزق الدبلوماسي القديم.
وكان نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن قد ذكر خلال مؤتمر أمن ميونيخ الذي عقد في الفترة ما بين 1ــ3 شباط»فبراير 2013 بأن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لاجراء محادثات مباشرة مع ايران وفق شروط مناسبة. وقد رد وزير الخارجية الايراني على أكبر صالحي بشكل ايجابي على المبادرة لكنه حذر من أن ايران لن تلتزم ما لم تبدِ واشنطن نوايا منصفة وحقيقية لحل المسائل التي تفرق بين البلدين.
سجل غير مستقر للدبلوماسية الأمريكية ــ الإيرانية
لقد شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وايران حالات غزل دبلوماسي عدة مرات خلال السنوات القليلة الماضية. وشأنها شأن المرات الماضية، كانت مبادرات اجراء محادثات علنية قد سبقتها حملات تكذيب لوجود أية مفاوضات سرية تسبق تلك العلنية. وقد نفى على أكبر ولايتي، هذه المرة، وهو مرشح للرئاسة ومستشار رفيع المستوى للمرشد الأعلى آية الله خامنئي، أنه اجتمع مع ممثل الولايات المتحدة في عُمان . وفي هذه الأثناء، وعلى المسار الثنائي الأمريكي ــ الايراني الأكثر أهمية، اعلنت ايران بأنها ستعقد مفاوضات بشأن المسألة النووية كجزء من اتفاق واسع. وكاجراء جيد، وازنت ايران هذه التحركات الدبلوماسية من خلال اعلانها عن رفعها لمستوى أجهزة الطرد المركزي في موقع نانانتز للتخصيب. وبالرغم من أن هذا الاجراء سيثير غضب اسرائيل، فان مجرد الشعور بأن ايران تُسرع في وتيرة برنامجها النووي قد يضيف قدرا مناسبا من الشعور الملح لتحريك المفاوضات.
ان تحديد هدف مشترك يعد الخطوة الأولى التي تسبق أية مفاوضات. وبالنسبة للولايات المتحدة وايران، فان هذه المصالح تطورت خلال العقد الأخير. ففي سنة 2003، اشترك الطرفان في مصلحة واحدة تجسدت في اسقاط الرئيس صدام حسين وتحييد الخطر الجهادي السني. وبحلول سنة 2007، تمثلت المصلحة المشتركة بين البلدين في تخفيف العبء العسكري من على كاهل القوات الأميركية في العراق. وفي سنة 2011، كانت المصلحة المشتركة تكمن في تجنب حرب في مضيق هرمز. أما في سنة 2013، وبينما تشهد المنطقة تفتتا خارج نطاق ارادة الطرفين، فان واشنطن وطهران تتطلعان الى تجنب السقوط في المستنقع المقبل الذي سيقود الى تقويض مواقف بلديهما في الشرق الأوسط.
بيد أن المحادثات بين البلدين تعثرت مرات عديدة بسبب مسائل تتعلق بالتوقيت، أو بسوء قراءة النوايا، أو بسبب غياب الانسجام السياسي أو لأسباب نافذة أخرى. وكأساس لما تقدم، يعد التوقيت كل وأهم شيء. في هذا الصدد، ينبغي على الجانبين خلق جو سياسي مؤات في الداخل لمواصلة المفاوضات المثيرة للجدل في الخارج. ان ما يعقد الأمور هو أن للطرفين أهدافا متضاربة للتفاوض من موقع قوة. الى ذلك، كان بوسع ايران سنة 2007 جعل آلاف الجنود الأمريكيين أن يقعوا رهينة هجمات المليشيات الشيعية التي تعمل لصالح ايران في العراق. وفي سنة 2011، هددت الانتفاضة الشيعية في البحرين زعزعة ميزان القوى في الخليج العربي لصالح ايران، فيما كان بوسع ايران أن تضعضع أسواق الطاقة من خلال المناورات العسكرية في مضيق هرمز.
غير أن ايران لم تتمكن من الاستمرار باتخاذ مثل تلك المواقف لمدة طويلة. ومع مرور الوقت، انكشفت قدرات طهران المحدودة في الجانب الشرقي من شبه الجزيرة العربية. وفي تلك الاثناء أيضاً، قامت الولايات المتحدة ببناء وجودها العسكري في الخليج العربي. ومع الانتشار المركز لكاسحات الألغام في المنطقة، يتعين على ايران اليوم أن تفكر ملياً قبل أن تقدم على أي عمل استفزازي في المضيق الأمر الذي بوسعه أن يُشعل، عن طريق الخطأ، فتيل تدخل عسكري.
وقبل أن تتمكن ايران من استرداد أنفاسها، انقلب المناخ الاقليمي ضدها. ففي سنة 2012، اكتسب التمرد السني في سوريا زخما كبيرا، وامتد لمساحات واسعة بسبب تصاعد المطالب الاقليمية بحرمان ايران من موطئ قدم لها على مياه البحر الأبيض المتوسط في بلاد الشام. وبينما بدأ موقف ايران في سوريا ولبنان بالافلات من يديها، امتد الزخم السني، كما هو متوقع، الى العراق، حيث تتواصل الاحتجاجات السنية الشعبية الهائلة ضد الحكومة الشيعية في بغداد.
ولم تعد ايران تشكل في الوقت الحاضر خطرا استراتيجيا على المصالح الأمريكية على النحو الذي كانت عليه قبل عدة سنوات، كما تبددت الآمال التي راودت ايران لتعزيز قوس تأثير يمتد من غرب افغانستان الى البحر الأبيض المتوسط. وتعد ايران اليوم في موقف دفاعي، تحاول مساعدة حلفائها للبقاء على قيد الحياة في سوريا ولبنان فيما باتت مجبرة في الوقت نفسه على تكريس المزيد من الموارد للحفاظ على موقعها في العراق. وفي الوقت الذي تزداد فيه النفقات الخارجية الايرانية في الخارج، يشهد دخلها تقلصا متواصلا تحت وطأة العقوبات الاقتصادية. ولقد تحولت تدريجيا العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة والدول الأوربية خلال السنتين الماضيتين من سياسة العقوبات الموجهة نحو الافراد والشركات الى حظر اقتصادي شبه شامل، مما دفع ببعض المسؤولين الايرانيين الى الاعتراف صراحة بأن عوائد النفط الايرانية انخفضت لأكثر من 40 بالمئة.
حتى الآن، يوجد لدى الولايات المتحدة خياران، اذ قد تسمح بالقوى الاقليمية أن تمضي في مسارها وأن تقوض قوة ايران مع مرور الوقت. أو أن تستغل الظروف الحالية وتحاول التفاوض مع ايران من موقع قوة في وقت لازالت تحتفظ فيه بالقدرة العسكرية اللازمة لتهديد ايران. وقد تكون ايران تمر في حالة ضعف، لكنها ما برحت تحظى ببعض أدوات التأثير على الولايات المتحدة. فالاستعدادات جارية على قدم ساق لتحويل نشاطات القوات العلوية في سوريا الى تمرد بدعم من ايران. وفي أفغانستان، تمتلك ايران خيارات عسكرية لتعقيد استراتيجية خروج أمريكية من البلاد تعاني أساسا من الضعف. وحتى الآن، أبدت الولايات المتحدة الكثير من ضبط النفس في سوريا، فهي لا ترغب أن تجد نفسها على حين غرة مُورّطة في منطقة نزاع أخرى في العالم الاسلامي حيث بوسع ايران تلعب دور مفسد محتمل لدورها.
يبدو أن الولايات المتحدة تنتهج استراتيجية منح المتفاوضين فرصة أخرى، متوقعةً بأن تمتد هذه المفاوضات لتشمل مجالات تتجاوز المسألة النووية. وقد شكت ايران مرارا من أن ليس في وسعها أن تثق بالولايات المتحدة اذا لم تتمكن واشنطن من التحدث بصوت واحد. على سبيل المثال، بينما واصلت الولايات المتحدة الحوار في الماضي، فقد شدد الكونغرس الأمريكي العقوبات الاقتصادية وحاول ادخال نصوص تمنع التراجع عن العقوبات الاقتصادية. وقد ساعدت الضغوط الاقتصادية، التي نتجت عن العقوبات، الولايات المتحدة في تعزيز موقفها التفاوضي، لكن الادارة الأمريكية حاولت الاحتفاظ بعدد من الخيارات من خلال ابقائها على قائمة من العقوبات الاقتصادية والتي بوسعها أن تتراجع عنها على مراحل في حالة أثمرت محادثاتها مع ايران عن نتائج طيبة.
المرونة في تطبيق العقوبات
من الممكن لواشنطن أن تتطلع الى أوربا للحصول على مزيد من المرونة تلبية لمتطلبات مفاوضاتها المرتقبة مع ايران. وفي حدث غفلت عنه مؤخرا وسائل الاعلام الرئيسية، أبطلت المحكمة الرئيسية التابعة للاتحاد الأوربي بتاريخ 29 كانون الثاني»يناير العقوبات المفروضة ضد بنك ميلَّت، وهو واحد من أكبر المصارف التجارية في ايران متورط في تمويل قطاع الطاقة الايراني الحيوي. ويذكر أن العقوبات كانت قد فرضت على بنك ميلَّت سنة 2012 استنادا الى مزاعم بأنه مصرف مملوك من الدولة ومتورط بنشاطات تتعلق بانتشار الأسلحة النووية. بيدّ أن محكمة الاتحاد الأوربي قررت الآن عدم توفر ما يكفي من الأدلة لربط البنك بالبرنامج النووي الايراني. وحتى بهذه الحالة، وعلى الرغم من أن ايران تزعم بأن ملكية البنك كانت قد انتقلت بالكامل الى القطاع الخاص منذ سنة 2010، من الصعب الاعتقاد بأنه لا يمتلك صلات هامة مع النظام في طهران. على أية حال، تتردد شائعات بأن التطورات الحالية قد تشهد مزيدا من قرارات ازالة العقوبات الاقتصادية.
ونظرا لاستحالة منع حصول أية ثغرة قانونية، تلعب مسألة القدرة على فهم الأوضاع دورا حيويا في دعم أي نظام جزائي. وفي خلال السنوات العشر الماضية، أبلغت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع الاتحاد الأوربي الأكثر تشددا، رجال الأعمال، والمصارف، وشركات التأمين، عبر العالم بأن كلفة اقامة علاقات تجارية مع ايران لا تستحق تعريض فرص نشاطاتهم التجارية في الأسواق الغربية الى الخطر. وقد نجحت هذه المساعي في زرع الخوف في قلوب ما يكفي من رجال الاعمال لثنيهم أو على الأقل لخفض مستوى تبادلاتهم التجارية مع ايران ومع الشركات الواجهية الايرانية المعروفة مما تسبب في خفض هام لموارد ايران. ولكن مع كميات الأموال الكبيرة المسددة في السوق في ظل نظام العقوبات الاقتصادية، سيكون من الصعوبة بمكان الى حد كبير من الناحية السياسية الحفاظ على هذا القدر من الضغط الاقتصادي لفترة طويلة من الزمن. يضاف الى ذلك أنه كلما بدت العقوبات الاقتصادية وكأنها حظر تجاري، كلما حصلت ايران على مزيد من الذخيرة لذراعها الدعائي للزعم بأن العقوبات تلحق الأذى بالمدنيين. ويذكر في هذا الصدد أن آفاق ابطال مزيد من العقوبات في المحكمة خلال الأشهر المقبلة قد تفرغ الحملة الاقتصادية الغربية ضد ايران من محتواها وأن تمنح النشاطات التجارية المزيد من الثقة في قدرتها على كسر العقوبات. لكن، ان كان القصد من العقوبات الاقتصادية هو فرض شروط المفاوضات في المقام الأول، فان ذلك قد يكون مخاطرة يتعين على الادارة الأمريكية أن تقبل بها.
ولا توجد صلة واضحة بين الدعوة الأخيرة لاجراء المحادثات ورفع الحظر عن بنك ميلَّت ، لكن ان كانت الولايات المتحدة جادة بشأن استخدام وضعها القوى نسبيا للوصول الى اتفاق مع ايران، فبوسعنا أن نتوقع رؤية فرصة لتخفيف بعض ضغوط العقوبات الاقتصادية. وان ذلك من المتوقع أن يحدث في أوربا، حيث ستكون هناك مساحة أكبر للمرونة في مجال التشريعات ذات الصلة بالعقوبات الاقتصادية مقارنة بما هو قائم في الكونغرس الامريكي. وربما ليس من قبيل المصادفة أن تكون المانيا، أكبر شريك تجاري أوروبي لايران، أشد الداعمين لهذه المحاولة الأخيرة لعقد محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وايران. كما تجدر الملاحظة أيضا بأن اختيار الرئيس الأمريكي باراك اوباما لطاقمه الوزاري الثاني يشمل السناتورين تشاك هاغل وجون كيري، اللذين يناديان علنا بالحوار مع ايران.
وتعد ايران أهم اللاعبين الذين ينبغي مراقبتهم. فموقف ايران يواجه ضعفا متواصلا في المنطقة في وقت تواجه فيه البلاد العديد من المعوقات في الداخل، لكن على الرغم من ذلك، فان نظام الملالي لا يستقتل للوصول الى اتفاق مع واشنطن. ان التوصل الى تفاهم مع الولايات المتحدة قد يخفف من تراجع القوات العلوية في سوريا وردة الفعل السنية التي من المتوقع أن تواجهها ايران في العراق، لكنها لن توقفها بالضرورة. وفي الوقت الذي من المقرر أن تجري فيه الانتخابات العامة في ايران خلال شهر حزيران»يونيو المقبل، فأن الاجواء السياسية في البلاد لن تكون مهيأة للاخذ والعطاء اللازمين للمضي قدما في المفاوضات، على المدى القريب، على أقل تقريب.
ستفضل الولايات المتحدة خفض معدل المفاجآت في منطقة تزداد اضطرابا من خلال التوصل الى تفاهم مع ايران. لكن المفارقة تكمن بأنه حتى من دون ذلك التفاهم، فان موقف ايران في المنطقة سيستمر في الضعف. وحتى ان كانت واشنطن ليست بأمس الحاجة الى هذه المفاوضات مثل ايران، فإن الوقت الآن مناسب لأي رئيس يدخل في دورته الرئاسية الثانية لكي يحاول اعطاء الحوار فرصة أخرى.
باحثة أمريكية، نائبة رئيس مركز شؤون عالمية
AZP07
























