حيّ على .. العمل
أحببت أن أشاهد إحدى المسرحيات العراقية الشعبية كانت تعرض على قاعة المسرح الوطني وجدت أمامي صديقا من أيام الدراسة الثانوية يقطع تذكرة الدخول. تمتعنا بالمشاهد الرائعة للمسرحية العراقية الأصيلة للعرض الشيق الذي قدمه أشهر الفنانين المبدعين … تبادلنا أطراف الحديث عن الفن والمسرح والسينما وعن مبدعينا وضرورة دعمهم أبتغاء التواصل والعطاء والتطور . وليظهر الأبداع واقفا على قدميه .. قلت لصاحبي : –
-إن فناني العراق : أمثال (يوسف العاني وسليم البصري وناهدة الرماح) قدموا للفن أروع قصص الحياة الواقعية وكانت الروايات أجتماعية من صميم الحياة.. أضاف صاحبي : –
– لقد سعدنا الليلة بالمشاهد التي تتقاذف كهدير العاصفة اختلفت مناظرها وتغير أبطالها لكن موضوعاتها لم تتغير .. وواصل الحديث الفني :
– أو نسيت ( سامي عبد الحميد والملاك وسليم البصري وفوزية عارف) كيف تنساب أعمالهم وديعة ساكنة كنورالقمر
أردفت القول : –
– حقا إن نتائج هذه الأعمال تبشر بالأمل وبعالم تشرق عليه من وراء الأفق البعيد شمس الحياة والحرية والحضارة .
أنتصف الليل . غادرنا المسرح الوطني .. ورغبنا في تنسم هواء الخريف الرطيب في الخارج ومراودة النشاط بالمشي والحركة .. كان الطريق مقفرا .. والجو لطيفا منعشا توجهنا كل منا الى داره .. داري في الكرادة قرب مستشفى (الأمام) وصاحبي قريب منا.
حثثنا الخطى فلما بلغنا منتصف الطريق مضينا نسير الهوينى التماسا لمزيد من الراحة والانتعاش . وحين بلغنا مسافة أكثر لاحت مني التفاتة إلى الجانب الأيمن من الشارع فقلت لصاحبي : –
– ماذا ترى على الرصيف ؟ فأحدق مليا وقال :
– رجلا رث الهيئة في ملابس قذرة مغشيا عليه ..
حركناه فوجدناه على رمق من الحياة .. أو على عتبات الموت فاقداً وعيه وجهه مصفرا مكفهرا .. وكان هزيلا .. حملناه بسيارة أجرة .. أوصلناه الى المستشفى القريب .. أجرى الطبيب الخافر الفحوصات المختبرية والإشعاعية .. كان طبيبا نشطا متابعا لمرضاه .. إنساني النزعة .. دمث الأخلاق تبدو عليه ملامح الإخلاص والجدية في العمل .. طمأننا بالقول : –
-لا تخشون شيئا فليس هناك خطر من هذه الحالة وسيشفى بالتأكيد لكنه يحتاج الى اربع وعشرين ساعة .. سنعطيه خلالها العلاج والغذاء اللازم ليستعيد نشاطه وحيويته : زرت المريض بعد انقضاء الفترة التي حددها الطبيب لمكوثه تحت العناية وفي موعد الزيارات . وجدته منتبها .. حييته :
– صباح الخير .. كيف الحال ؟ رد علي باقتضاب :
– الحمد لله .. طمأنته على تحسن صحته .. وبينت له بأنني من أنقذه من الموت . لكنني لمته : ماذا كنت فاعلا بنفسك ليلة قبل البارحة؟
لم ينبس بكلمة .. ظل صامتا مدة .. فقلت له : –
-هل كنت تريد الموت ؟ أم كنت سكرانا ؟ فرد الرجل بصوت ضعيف دل على الحقد والأستهانة :
-أنا معدم .. لا أملك من حطام الدنيا شيئا :
قلت له : –
-لا أصدق إن إنسانا يموت من الجوع في هذا البلد : –
فقال : – لك الحق في ما تقول لأنك لم تذق لوعة الجوع :
استفسرت منه عن أسمه وامور أخرى :
– هل كنت تعمل في مكان ما ؟ هل لك عائلة ؟ كيف تدير شؤونها ؟
فأجاب وفي نفسه قدر من الألم والمرارة:
– أسمي ( هاشم ) أعمل في مصنع (الحاج رؤوف) أبو ( معاذ ) لتصليح المضخات والآلات الكبيرة .
لقد هزني جوابه بعنف لأن صاحب المصنع والدي .. ضجرت للحالة . قلت له : – ولم تركت العمل ؟ وانقلب الحال الى هذا المصير .
-لم أترك العمل بل طردني صاحب المصنع .
-ولماذا ؟ قال بمرارة : –
-أما ترى ذراعي ؟ لقد هوت علي الآلة الجبارة وأنا منشغل عنها بما في يدي من عمل
فأطاحت القسم النافع الذي أكسب فيه قوتي .. فجعلتني في لحظة شيئا تافها عن الحاجة ..
واستطرد يقول : –
– لما شفيت مضيت الى صاحب المصنع منكسر الفؤاد .. والكآبة تكتنفني لمزاولة عملي فأبدى أسفه .. وعزا الحادث جراء أهمالي وأصر على الأسف .. ومنحني مبلغا زهيدا .. فقلت له : –
– إنني وأسرتي سنموت جوعا فوعدني بأن يعطيني ثلاثة دنانير شهريا .
فأدركت أن حياتي دمرت تدميرا .. وإني وأمي وزوجتي وأطفالي الستة ألقي بنا الى أحضان الفاقة والفقر .. واستمر في حديثه الموجع : –
– رأيت الحياة قاسية لا رحمة فيها .. ولحيائي وإنفتي خجلت من أن أستجدي وأطلب رحمة السابلة متلهفا على الدنانير أو قطعة الخبز .. فبعت الضروري من أثاثنا بثمن بخس .. تمزقت ثيابنا وتعرى أطفالنا وتهالكنا من الجوع ولم أستطع أن أسمع صراخ الأطفال وشكواهم .. كرهت الدنيا .. وسيطر على قلبي الحقد والمقت همت على وجهي في الطرقات .. حاولت الأنتحار فلم أجد الوسيلة .. فلا أملك سقفا أصعد عليه فأرمي نفسي منه لجأت الى الرصيف فهو أعلى ما أملك بانتظار سيارة تدهسني ..
رد عليه ( معاذ ) : – لم هذا كله ؟ ..
-أما ترى يا أستاذ ؟ هو الفقر هو الجوع.. فأجابه ( معاذ ) بلهجة ايجابية ملؤها الخبرة والمعرفة والتفاؤل :
– الأنتحار جبن .. هروب من الواقع .. ويحرمه الله .. وليس من ثقافة الأسلام .. إنما ثقافة أجنبية .. الشجاع هو من يواجه الصعاب كما هي .. الواقع مهما يكن وكما هو … الفقر ليس جريمة .. والجريمة هي الأنهزامية من الحياة ومن النضال في سبيل العيش الرغيد .. وواصل (معاذ) حديثه للعامل (هاشم):
– أمور الحياة كلها متناقضة على هذا النحو فيها الخير والشر فيها النعيم والبؤس .. الفقر والشقاء .. عنها تصدر السعادة والتعاسة … ثم قال له : -سأنتظرك الساعة الرابعة عصرا في المصنع .
أخرجه من المستشفى وحمله بسيارته لأيصاله الى داره في الحي العشوائي المسمى ( حي التنك ) وتبضع له مواد غذائية متنوعة تسد حاجة العائلة لفترة من الزمن .. فرأى حالتهم البائسة .. التي لولا أن تداركنهم رحمة الله بهذا القبو الذي أشفقت عليهم صاحبته الأرملة فسمحت لهم بأن يأووا إليه دون مقابل .
خرج الأطفال وأمهم مذهولين بعودة الأب بعد طول غياب .. دفع ( معاذ ) للعائلة مبلغا من المال يمكنهم العيش فيه حتى نهاية الشهر .. وتوجه على الفور الى والده في المصنع . كان المكتب مكتظا بالضيوف من الشخصيات البارزة الثرية .. أصحاب المؤسسات الكبيرة . أستأذن والده في الجلوس معهم . فحياهم وأستمع الى أحاديثهم التي لم تتعد الأموال والأستثمار والدور والربح والخسارة .. طلب منهم المشاركة في الموضوع : فأدلى بدلوه متحمسا لرأيه .
– إنه لمن المضحك ان يتحدث الناس في حديث النعمة من الأموال والطعام والأبنية وهناك عوائل يفتك بها الحرمان تتلهف الى اللقمة تسد جوعتها والى الخرقة تستر عورتها . وتتحدثون عن اضطراب أسعار الذهب مخافة الخسارة وعوائل يصاب أبناؤها بالأمراض الفتاكة .. ولا يملكون ثمن العلاج وهم في أحياء بائسة من أطراف مدينتكم : فرد عليه بعضهم إن هذه المهمة تقع على عاتق المجالس البلدية وقال آخر : الدولة مسؤولة عن بناء دور للعمال وذوي الدخل المحدود وهي سائرة بهذا الأتجاه – كما علمنا –
تثاءب القوم .. وسكت حديث الذهب والأبنية وانصرفوا الواحد تلو الآخر . فاستراح سمعه من هذا اللغو الثقيل .
إنفرد (معاذ) مع والده وبأدب تحاور معه:
-لقد تولدت في صدري كتلات من القهر واللوعة على حال البؤساء الذين شاهدتهم قبل مجيئي الى المصنع عندما أوصلت العامل (هاشم) الذي قطعت ذراعه جراء العمل .. ويدعي بأنك طردته بسبب اهماله ..
أفليس عجزه وبتر ذراعه بسبب عمله وراء الآلة وهي في مصنعنا ؟
فأين حقوق العمال التي كفلتها القوانين ؟ فأجابني بحدة واستغراب :
-ما هذه الأفكار يا ولدي ؟ إنه لا يصلح .. ومهمل .. وهذا جزاء المهملين .
قلت : سيدي الوالد :
– ألا تعلم أن العامل هو اليد المنتجة للبلد وبساعده تدور مكائن الحياة .. هو الذي يبني .. ونتاجه يريده الجميع – إنه يريد الجمال للحياة – يزرع الزهور يعبد الطرق .. صمت هنيهة . قال ماذا تقترح ؟
ناديت العامل (هاشم) الذي كان في مدخل المصنع:
– تعال يا ( هاشم ) وأبدأ عملك الذي خصصه لك الوالد منسقا بين أقسام المصنع .. وأجرنا لك دارا لائقة في منطقة (السباع) على مقربة من المعمل .
فغردت حنجرته ومن أعماق ضميره عاليا (حي على العمل).
محمد السيد ياسين الهاشمي – العمارة
AZPPPL






















