عندما يكون الصمت حكمة

عندما يكون الصمت حكمة
عرف القدماء الصمت بانه لغة وفن وهذه اللغة لا يتقنها الا من عرف فوائدها وتجنب مساوئها ففي كثير من الحالات يكون الصمت فيها قوة وحكمة لا يدركها الا العقلاء واصحاب النفوس القوية الذين يستطيعون التحكم والسيطرة على انفسهم
ففي حياة البشر تمر كثير من المواقف يتوجب فيها ان نلزم الصمت لكي لا نقع في الاخطاء واقصد هنا الصمت الذي ليس بوصفه ضعفا او قهرا انما الصمت الذي يكون حكمة وتعقل وكبرياء فغالبا مايحتاج المرء الى لحظات هدوء وتامل لتقييم ما فعله وما سيفعله ،في محاولة لتصحيح ، اخطاءه وتجنب الوقوع في الزلل وبالتالي لا ينفع الندم — فهناك فرق بين صمت يفرضه العقل والحكمة وبين صمت تفرضه حالة من الخوف والضعف فشتان ما بين الحالتين فالاولى تمنح صاحبها مهابة وكبرياء والثانية تعطيه ضعفا وانكسارا. اذن متى علينا ان نصمت ومتى علينا ان نتكلم – هذا هو المهم – وهل نسال العقل قبل اللسان فالمعادلة ليست صعبة لان العقل هو ميزان التحكم بسلوك الانسان ولابد ان نرجع اليه في كل الامور كي لا نخسر الكثير من هيبتنا ووقارنا، والصمت ايضا في وقته صفة حميدة تعكس سلوك المتكلم اما الثرثرة فهي هذيان لا تجلب لصاحبها غير الندامة والخسران
قال الله تعالى في محكم كتابه:
(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم”. فمن علم ذلك لا يسعه إلا تقوى الله فلا يتكلم إلابخير او يسكت
وقال عليه الصلاة والسلام : “خَصلتان ما إن تجمَّل الخلائقُ بمثلهما حسنُ الخلق وطول
السكوت
وفي هذا المجال –قال الإمام الغزاليّ: إنّ اللّسان نعمة من نعم اللّه ، ، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلّا بشهادة اللّسان، وهما غاية الطّاعة والعصيان ، فمن أطلق اللّسان، وأهمله مرخيّ العنان سلك به الشّيطان في كلّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار،. ولا نجاة من خطراللّسان إلّا بالصّمت..
قال صلى الله عليه وسلم:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)
اما الماورديّ: فقال أنّ الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضّمائر، ويخبر بمكنونات السّرائر، ، فعلى العاقل أن يحترز من زلاته بالإمساك عنه، أو بالإقلال منه.و للسان افات كثيرة ٌ، منها: الكذبٍ.. والغيبة .. والنميمةٍٍ.. والنِفاقٍ..وغيرها من الفواحش .. ومع كل هذا نجد بان النفس البشرية تميل اليه وتهواه لأنها سبَّاقةٌ إلى اللسان، . وعلى العاقل في هذه المواقف أن يلزم الصمت ، فما أكثر من ندم إذا جعل لسانه يسبقه وأقل من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق،
قال الامام الشافعي وجدت سكوتي متجرا فلزمته ، اذا لم اجد ربحا فلست بخاسر وما الصمت الا في الرجال متاجر، وتاجره يعلو على كل تاجر..
وقال شاعر اخر:
لا خير في حشو الكلام اذا اهتدت الى عيوبه
والصمت اجمل في الفتى من منطق في غير حينه
وعلى الفتى لطباعه سمة تلوح على جبينه
وقال لقمان الحكيم ..
الصمت زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مهذارا
ما إن ندمت على سكوتي مرّة لكن ندمت على السكوت مرارا
وعن مالك بن دينار عن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب( يا أحنف، مَنْ كثر كلامه كثر سَقَطه،ومن كثر سقطه قَلَّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قل ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه )
اما ابو الحسن البصري فقد قال في هذا المجال ( لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلَّم فكَّر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه ) فالكلمة هنا لها اهمية خاصة في حياة الإنسان كما ان لها تاثيرها على سلوكه وتصرفاته لانها تكتسب معناها من قائلها فالذي ينطق بعد تفكير عميق ، يسلم بالتاكيد من الوقوع في الخطأ ؛ لأن لسانه يكون وراء عقله . أما من يتكلم بدون تفكير فيقع في الاخطاء كثيرا ؛ قال الرسول الاعظم لعمه العباس : يعجبني جمالك ، قال: وما جمال الرجل يا رسول الله ؟ قال : لسانه ، ، ولهذا كان الصحابة ، يعدون كلام المرء برهان أصله ، وترجمان عقله ،
والصمت له فوائد عدة حتى اصبح لغة كباقي اللغات لها تعابيرها الخاصة بها فوصف -وليم هنريت- الصمت بانه فَنٌ عظيم من فنون الكلام دراية وأتقان وهو أبلغ من الكلام أحياناً وهو من العلوم الصعبة .!و الصمت لغة تعبر كثيرا عندما يعجز الكلام عن التعبير قال لقمان الحكيم لولده وهو يوصيه .! يابنيَّ أذا أفتخر الناس بحُسنِ كلامهم فافتخر أنتَ بِحُسنِ صمتك.!ومن فوائده ايضا أنه يكسب محبة الاخرين واحترامهم وثقتهم وهذه نعمة كبيرة لايحضى بها الا ذو حظ عظيم ومن فوائده ايضا حُسنَ الأستماعِ والقدرة على التركيز والتفكيركما يولد شعورا عند الاخرين بالغيظ وغالبا ما يكون الصمت هو الحل الأفضل لكثير من المشاكل الحياتية فمن هنا كان لسان العاقل تابعاً لقلبه وكان قلب الأحمق تابعا للسانه وتوجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالنصح إلي معاذ فقال له : يا معاذ أنت سالم ما سكتّ ، فإذا تكلمت فعليك أو لك لذا يرى الكثير أن الصمت ضرورة أخلاقية، واجتماعية ، اذن لابد ان نعرف متى يجب أن نتكلم؟، ومتى يجب أن نصمت؟فليس كثرة الكلام وارتفاع الصوت هو دليل القدرة وقوة الشخصية كما انه ليس دفاعا عن النفس لان الخالق عز وجل منحنا لسانا نتكلم به واذنيين نسمع بهما وما علينا الا ان نستخدم اللسان في قول الخير
كما ان الكلام في مكانه وموقعه وقار وهيبة وكبح لجماح اللسان لكي لا يتفوه بعبارات جارحة ربما لا تتحملها النفس البشرية ، فالإنسان يخسر كثيرا إن سبق لسانه عقله، فالبصمت تصنع المواقف الكبيرة التي تجعلنا كبارا في نظر الاخرين ،
قال الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لاحد من الصحابة
ألا أدلك على أيسر العبادة وأهونها على البدن؟
عليك بالصمت وحسن الخلق فإنك لن تعمل مثلها قال وماهي يارسول الله قال لذلك اقترن الصمت بحسن الخلق لعلو شأنه.
انتصار عبد الجبار- بغداد
AZPPPL