السر لإنبثاق حضارتنا ١

السر لإنبثاق حضارتنا         ١

خبرات هزيلة

لنرجع الى الوراء بتاريخنا ولنستذكر حضارتنا التي كانت ولنرجع اكثر فأكثر حتى نصل الى نقطة البداية وشرارة الانطلاق للصرح الاسلامي العظيم ،اقصد بالتحديد تلك الكلمة الاولى التي بنت تلك الحضارة العظيمة وذلك التاريخ المجيد انني ارنو الى كلمة “أقرأ”

“ليس عليك ان تحرق الكتب لتدمر حضارة ، فقط اجعل الناس تكف عن قراءتها ويتم ذلك ” راي برادبوري

 وسأقول لك سراً بل سراً عظيماً ،ان القراءة ليست هواية يمارسها البعض وأّقرأ ليست كلمة فقط كما يعتقد الاخرون بل هي مفتاح لنهضة جديدة كتلك النهضة التي قام بها الاجداد والحضارة التي شيدوها بأستخدام هذا المفتاح فالقراءة هي المفتاح لـ “فاعلية الانسان” مفتاح ومحرك لا طبيعي للعمل وطاقة تتسرب الى خلايا الحياة ليجعلك تتنور بعقلك وتنضج بفكرك وتتفائل ثم تعمل وتجتهد وتثمر فتصبح فاعلاً بشكل لا متناهي على غير العادة ، واذا كنت تراني أُبالغ في الحديث وتتساءل في نفسك عن حقيقة ما اقوله فأطمئنك بأن ما ذكرته ناتج عن تجربة مع اعماق ومعان هذه الكلمة “إقرأ” ، فسرها ببساطة شديدة يكمن في انها تخاطب اثمن ما يملكه الانسان “العقل” فتثري “الثقافة” وتغذي “القيم” وتشحن “الطاقة” وتزيد “الادراك” وتنير عتمة “الدروب” التي نخوضها في الحياة

“كل ثورة في البشرية يكون خلفها شخص قرأ كتاباً “

 ولأقرب الصورة اكثر لن اسألك سوى لماذا اختار الله هذه الكلمة دوناً عن كلمات الارض بأسرها لتكون اول كلمة تُنزل من السماء علينا ؟ باجابتك عن السؤال ستدرك حجمها وحجم التغيبر الذي تستطيع ان تحدثه ، قال تعالى في كتابه العزيز :

(اقرأ بأسم ربك الذي خلق)

لو تتمعن قليلاً بالآية الكريمة فأنك ستلاحظ انها جاءت بفعل الامر وليس بغيره وهذا دليل على ضرويتها ولازمها وصحيح انها نزلت على الرسول بشخصه ولكنها جاءت للانسانية جمعاء فتوجيهات الاسلام صالحة لجميع الاوطان والازمان وهذه الايات القرآنية هي وسائل لإيصال ما تريده الذات الالهية لنا فهي خارطة طريق للنهوض بالنفس اولا وبعدها بالمجتمع فالامة بأسرها .

“الامة المتفوقة بالمعرفة هي الامة ذاتها المتفوقة بالقوة “

 ان اقرأ” هي كلمة قد تراها مكونة من اربع احرف ولكن حين تتشربها امة ما بغاياتها وتعمل بمعانيها ومقاصدها فستتغير بأسرها وتحولها بشكل كلي كما حولت سكان الجزيرة العربية من امة جاهلة وغير منتجة واتكالية تسود فيها القبلية وعادات الجاهلية الى امة منتجة ،مثقفة ،فاعلة حكمت الدنيا في زمانها ، وان ذكر ذلك التاريخ يدمع العين ويحرق القلب كون امة تأسست على القراءة المتمثلة بالتفكير والمعرفة والعلم والاطلاع والثقافة اصبحت لا تقرأ.

الحقيقة اننا امة لا تطالع الكتب لتغرف من بحر علومها ومعارفها وخلاصة فكر اصحابها وعصارة تجربتهم ولتمتزج افكارها بأفكار مثقفيها وروادها ولتتعرف على ثقافتها وثقافة الامم الاخرى من قبلها او على الاقل لتقرأ عن الامم التي تعاصرها اليوم على الارض لتكون لنا نظرة واعية اتجاهها ،نظرة نكونها نحن من خلال قراءتنا عن ماضيها وحقائقها ليس كما تريدنا ان ننظر لها ، فاليوم امتنا العربية لاتطالع التاريخ لتتعلم الدروس وتتناقل الخبرات وتطلع على ثقافات الدول وطرق تفكيرها وتتعلم وتفهم التجارب دون ان تخوضها وتستمد ذاك الشذا الوضاء من تاريخ وبطولات ومفاخر الاجداد والــــقدماء ولتستمد تلك الطاقة الكامنة في كل كلمة نقرأها والفائدة المستوحاة من فحوى جملها وعباراته.

ثنايا الصفحات

ان هذا واكثر موجود في الكتب ولذا فأننا بتركنا للقراءة تركنا معها كل معالم الثقافة الكامنة بين ثنايا صفحاتها واصبحنا جهلاء الى حد كبير الامر الذي جعل من مجتمعاتنا ارض خصبة لنمو وظهور العقول الطائفية والفئات التكفيرية واجسام حملت عقول الجهل بظلامه الذي اشاح وخيم على جسد هذه الامة بجميع مفاصلها واضحى آفة فتاكة تفتك بها شيئ بعد شيئ ، فأصبحت امة “أقرأ” التي لم تعد تقرأ جاهلة المحتوى والمضمون.

امة اقتصرت معرفتها على ما تتلقاها من كتب المناهج الدراسية الفاشلة الهزيلة الخبرات الضيقة في افقها محدودة الفكر وبذلك اضحينا لا نتعلم الدروس الا بأنفسنا لاننا اصبحنا جهلاء في شتى مجالات الحياة على حد سواء ، اصبحنا مجتمعات غير واعية لا تخطط لبعيد ولا تنظر للمستقبل بل تنفذ ما يُخطط لها من دول اخرى من دون اي ادراك او وعي اي اننا لم نعد لا نقود انفسنا فحسب بل اضحينا نُقاد حتى ولو الى الهلاك وهذا ما ستلاحظه بسهولة عند رؤيتك لما حصل ولازال يحصل في وطننا العربي بنظرة شاملة ،من اجل ذاك كله واكثر مما لا يسع ذكره لابد من الرجوع للقراءة لانها ضرورة وليست هواية .

دعاء احمد – بغداد