العدالة أم القوة في تطبيق القانون ؟
ليس الغرض من التحدث عن القانون الدخول في محاضرة فلسفية عن القوانين ، ولكننا نقول لابد للقانون ان يكون نابعا من طبيعة المجتمع كما ينبع الماء من مصدر طبيعي ، وان الامم والشعوب تحترم القوانين وتخضع لها طوعا لانها تمثل ارادتها . اما الخضوع والخنوع والقوة فانها لا تعلم الناس احترام القانون ، اما العدالة فان تحقيقها لا يكون عبر تطبيق القانون تطبيقا شكليا كما هو في الكتب التي نتعامل معها وبها ، وانما العدالة اشمل من هذا ، انها اشمل من القانون .
وعلى ضوء هذا المفهوم فان التوسع في القانون في كافة انشطة المجتمع والدولة ، وايجاد السبل الملائمة للوصول إلى العدالة هو الذي يفضي إلى التعامل مع القانون في خدمة الانسان الذي هو الهدف والغاية .
ورب سائل يسأل : لماذا السلطة القوية في ادارة وتطبيق القانون ؟ والجواب هو ان القائد القوي الذي لا يبغي غير الحقيقة والعدل وطريق الصواب ، هو الذي تتآلف تحت مظلته الاهواء المختلفة وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة ، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية ، فقد روي عن النبي (ص) انه قال : (الامام الجائر خير من الفتنة ، وكل لا خير فيه ، وفي بعض الشر خيار) . ثم ان القائد العادل هو الذي تعمر به البلاد ، وتتازر النفوس ، وتقوى العلاقات الاجتماعية . وكثر هم الذين طبقوا العدالة فكان الاستغناء عن العنف والقوة ، وما قول الخليفة العادل عمر (رض) عنا ببعيد حيث قال (عدلت فامنت فنمت) . وليس شيء اسرع في خراب الارض ولا افسد لضمائر الخلق من الجور ، وليس شيء اصلح واحب إلى الناس من الحاكم العادل الذي به ينتفي التباغض ويكثر التواصل وتنتظم احوال الامة جميعها ، واولها الامن والامان “حيث تطمأن اليه النفوس وتنتشر فيه الهمم ويعم الخير ، وقال بعض الحكماء : الامن اهنأ عيش والعدل اقوى جيش” .
القانون هو اداة لحماية الناس وانصافهم ، ولما كان المواطنون سواسية أمام القانون فيحق لهم بالتساوي الوصول إلى جميع المناصب والرتب والوظائف العامة بحسب كفاءاتهم ومؤهلاتهم دون أي تمييز ، وعندما يتداعى وعي الامة حتى يصل إلى حالة اللا وعي بسبب ما يمارس عليها من ضغوط ظالمة واستبداد فانها ستصبح قابلة للانجراف مع أي تيار فكري يواجهها مهما كانت مفاهيمه بعيدة عن عقيدتها التي انتسبت اليها ، وهذه مصيبة .
وعندما تكون السلطة مستغلة لمواقعها بعيدة عن مواطنيها متربعة لفترة اطول على سدة الحكم من اجل بقائها ومتلاعبة بمقدرات الناس يساعدها في ذلك جحافل من المفكرين الماجورين ، عبيد المادة والمناصب ، حينها تحدث المصيبة الأخرى ، لان الامة تفترق عن السلطة وتتغرب عنها لغياب العدل والمساواة وانتشار الظلم والتخذيل . وعلى مدى المسيرة التاريخية وفي أي عصر ثبت فيه وجود مثل هذه الحالة من الاستئثار بالسلطة والاستبداد والتسلط ، فان المواطن يجد نفسه غير ملزم بنظام أو قانون لان البشرية جمعاء ومنذ فجر التاريخ لم تخضع لحكم لا يمثل ارادتها .
ان الموقف المناسب هو الرجوع إلى الضمير للوصول إلى القانون الذي يفضي إلى العدالة . وبما ان الدين هو الذي يصرف النفوس عن شهواتها ويزجر الضمائر ويجعلها رقيبا على النفوس ، فلذلك بالدين المستقيم وحده يكون الضمير اساس تطبيق العدالة التي هي اشمل من القانون ، ومما يؤكد هذه الفكرة في الحكومة العادلة ، هذه الوصية لامام المتقين علي (ع) لعامله على المدينة (سهل بن حنيف الانصاري) : (اما بعد فقد بلغني ان رجالا ممن قبلك يتسللون إلى معاوية ، وانما هم اهل دنيا ، مقبلون عليها ومهطعون اليها ، قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه ، وعلموا ان الناس عندنا في الحق اسوة ، فهربوا إلا الاثرة ، فبعدا لهم وسحقا) ومعنى ذلك انهم اختصموا انفسهم بالمنفعة وتفضيلها على غيرها بالفائدة .
ان التجربة التاريخية التي مر بها وطننا والانظمة الحاكمة المتعاقبة اوضحت لنا ان المسؤولية كانت امتياز وتسلط وانتشار الفساد في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكان ضعف الاهتمام بمؤسسات الدولة التي كانت تقودها نماذج مجردة عن المسؤولية حيث اصبحت وبسرعة مذهلة تمتلك ما لا تستحق امتلاكه من ثروة باطلة في ظروف معاناة الشعب . ومن المؤسف ان نرى تلك الامراض تنتقل إلى الشخصية الجديدة وعندها فمن الصعوبة ان نرتفع إلى مستوى امالنا ونحن نعيش حالة انية تتطلب الطهر والنقاء لكي نبني وطنا جديدا.
ان التاريخ لا يرحم المتهاونين والمفرطين في مصالح شعوبهم وحرياتها فاولئك الذين ابتعدوا عن شعوبهم وانهمكوا في مصالحهم الخاصة نسيهم التاريخ وان شعوبهم المظلومة تصب اللعنات عليهم . لقد ان الاوان للسياسيين والقادة ان يفهموا الدرس التاريخي وان يتعظوا بتجارب التاريخ في كل زمان ومكان وعليهم ان يقهروا انفسهم لصالح شعوبهم ، فقاهر الكون لا يثير فينا الاعجاب بقدر ما يثيره فينا قاهر نفسه .
لفته عباس القره غولي
AZPPPL























