«المزيد من الجنود» .. «المزيد من الأسلحة» ليس علاجاً للتطرف

3260

زمان جديد

هارون يحيى

الإرهاب،‭ ‬النزاع،‭ ‬الاضطراب،‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار؛‭ ‬ربّما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المصطلحات‭ ‬التي‭ ‬تعرّف‭ ‬أفغانستان‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الأمثل‭. ‬لقد‭ ‬تراجعت‭ ‬التوقّعات‭ ‬الإيجابية‭ ‬لمستقبل‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬وبعد‭ ‬عامٍ‭ ‬مليءٍ‭ ‬بالأخبار‭ ‬المأساوية‭ ‬والمقلقة،‭ ‬دخل‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬بمخاوف‭ ‬أعمق؛‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬عدّة‭ ‬من‭ ‬البلد‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬وغذّت‭ ‬الاضطراب‭ ‬أكثر‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬آمن‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الأفغانية‭. ‬ليست‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬خلّفتها‭ ‬الهجمات‭ ‬الدموية‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬الأمنية‭. ‬تستهدف‭ ‬الميليشيات‭ ‬المتطرّفة‭ ‬رجال‭ ‬الحكومة،‭ ‬والدبلوماسيين،‭ ‬والأطفال‭ ‬الأبرياء،‭ ‬والنساء‭ ‬والمدنيين،‭ ‬والعاملين‭ ‬بقطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬والصحافيين،‭ ‬والسنة‭ ‬والشيعة‭. ‬باختصار،‭ ‬الجميع‭. ‬ويستمر‭ ‬الإرهاب‭ ‬والحرب‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬البلاد‭ ‬تجاه‭ ‬الدمار‭ ‬والكارثة‭.‬

العام‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬الأكثر‭ ‬دموية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬منذ‭ ‬2001‭: ‬حصدت‭ ‬الحرب‭ ‬والنزاعات‭ ‬الدائرة‭ ‬أرواح‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الشرطة‭ ‬والمدنيين‭ ‬في‭ ‬2016‭. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬ثلث‭ ‬المدنيين‭ ‬ممن‭ ‬فقدوا‭ ‬حياتهم‭ ‬أطفالاً‭. ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬تعرّضن‭ ‬للعنف‭ ‬والتعذيب،‭ ‬أو‭ ‬قُتلن‭. ‬والبطالة‭ ‬والفساد‭ ‬والمشاكل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتزايدة‭ ‬بسبب‭ ‬الإرهاب‭ ‬جعلت‭ ‬الظروف‭ ‬المعيشية‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفقراء‭. ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬تعمّقت‭ ‬الانقسامات‭ ‬والنزاعات‭ ‬داخل‭ ‬حكومة‭ ‬الوفاق‭ ‬الوطنية‭ ‬لتُصبح‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬صريحة‭.‬

وما‭ ‬زالت‭ ‬ربع‭ ‬الأراضي‭ ‬الأفغانية‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬طالبان،‭ ‬والتي‭ ‬صار‭ ‬اسمها‭ ‬الآن‭ ‬مرتبطًا‭ ‬تقريبًا‭ ‬بأفغانستان‭. ‬تستمر‭ ‬المنظمة‭ ‬المتطرّفة‭ ‬في‭ ‬شنّ‭ ‬هجماتها‭ ‬عازمة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬سيطرتها؛‭ ‬لدرجة‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬توقف‭ ‬هجماتها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭. ‬ليسوا‭ ‬خائفين‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يمثّل‭ ‬الفرع‭ ‬الأفغاني‭ ‬من‭ ‬داعش‭ ‬خطرًا‭ ‬آخر‭: ‬يُذكر‭ ‬اسمها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬متكرر‭ ‬في‭ ‬تحرّكاتها‭ ‬المُميتة،‭ ‬خاصة‭ ‬ضد‭ ‬الشيعة،‭ ‬وجهودها‭ ‬للانتشار‭ ‬في‭ ‬البلد‭.‬

الجميع‭ ‬تقريبًا‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬كاملة‭ ‬بفشل‭ ‬الولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬لكن‭ ‬البعض‭ ‬متردّد‭ ‬حيال‭ ‬التصريح‭ ‬بهذه‭ ‬الحقيقة‭. ‬اعترف‭ ‬أوباما‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬ماكديل‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬فلوريدا،‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭/‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬تسليمه‭ ‬السلطة‭ ‬الرئاسية،‭ ‬بفشله‭ ‬في‭ ‬هزيمة‭ ‬طالبان‭ ‬وحل‭ ‬المشاكل‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مجهوداته،‭ ‬إذ‭ ‬قال‭:‬

‮«‬لا‭ ‬أريد‭ ‬رسم‭ ‬صورة‭ ‬وردية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬صعبًا،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬30‭ ‬عامًا‭. ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬للولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬طالبان‭ ‬أو‭ ‬إنهاء‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‮»‬‭.‬

فيما‭ ‬يخصّ‭ ‬الحرب‭ ‬الأطول‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأمريكي،‭ ‬فقد‭ ‬أثارت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬سيتبناها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬فضولًا‭ ‬عالميًا،‭ ‬سيُقدّم‭ ‬له‭ ‬مستشاروه‭ ‬خطة‭ ‬شاملة‭ ‬للحلّ،‭ ‬وستكون‭ ‬الخطوط‭ ‬العريضة‭ ‬لهذه‭ ‬الخطة‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬‮«‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجنود‮»‬،‭ ‬‮«‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القنابل‮»‬،‭ ‬‮«‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‮»‬،‭ ‬‮«‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأموال‮»‬‭ ‬و»المزيد‭ ‬من‭ ‬الوقت‮»‬‭. ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬لن‭ ‬يُكرر‭ ‬خطأ‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭.‬

إن‭ ‬إصرار‭ ‬الولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬حلّ‭ ‬المشاكل‭ ‬بالقوّة‭ ‬لم‭ ‬يحقّق‭ ‬شيئًا‭ ‬سوى‭ ‬إيصال‭ ‬المشكلة‭ ‬الأفغانية‭ ‬إلى‭ ‬طريقٍ‭ ‬مسدود؛‭ ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحالة‭ ‬الفعلية‭ ‬القائمة‭ ‬للبلد‭ ‬مرارًا‭ ‬وتكرارًا‭ ‬استحالة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حلٍ‭ ‬حاسمٍ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وأنّها‭ ‬لا‭ ‬تجلب‭ ‬سوى‭ ‬الألم‭ ‬والبؤس،‭ ‬وحصدت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أرواح‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬الأبرياء‭. ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬قد‭ ‬أنفقت‭ ‬رقمًا‭ ‬صادمًا‭ ‬يبلغ‭ ‬800‭ ‬مليار‭ ‬دولارٍ‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬فإن‭ ‬المرء‭ ‬يُدرك‭ ‬أنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬الطائلة‭ ‬لا‭ ‬تخرُج‭ ‬بأي‭ ‬نتائج‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭. ‬ولأن‭ ‬16‭ ‬عامًا‭ ‬قد‭ ‬مرّت،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬كذلك،‭ ‬لذا‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬هجر‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬المعيبة‭ ‬المتبّعة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬وقتٍ‭ ‬ممكن،‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تُفضي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭.‬

ما‭ ‬زالت‭ ‬أفغانستان‭ ‬تؤوي‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬كبيرها‭ ‬وصغيرها،‭ ‬بعضُها‭ ‬يقتتل‭ ‬مع‭ ‬البعض‭ ‬الآخر،‭ ‬وبعضها‭ ‬يدعم‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭.‬‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬بينها‭ ‬هو‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬المتطرّفة،‭ ‬والتي‭ ‬يُسيلون‭ ‬لأجلها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدماء‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭. ‬المُشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والأساسية‭ ‬هي‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬المتطرفة‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬الإرهابيين‭ ‬المتطرّفين‭.‬

ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فعله‭ ‬هو‭ ‬تصحيح‭ ‬المعتقدات‭ ‬المغلوطة‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نشر‭ ‬الإسلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التعصب‭ ‬الناشئ‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭. ‬الخُرافات،‭ ‬والأحاديث‭ ‬الزائفة،‭ ‬والمعتقدات‭ ‬المتعصبة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬للإرهاب،‭ ‬والعنف‭ ‬والمعاناة‭ ‬التي‭ ‬حلّت‭ ‬بأفغانستان‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬دينًا،‭ ‬وإنما‭ ‬أيديولوجية‭ ‬متطرّفة‭ ‬ومتعصّبة‭ ‬وشديدة‭ ‬الخطورة‭ ‬متنكرة‭ ‬في‭ ‬ثياب‭ ‬الدين‭.‬

القرآن‭ ‬هو‭ ‬العلاج‭ ‬الوحيد‭ ‬للتطرّف‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الفعلية،‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬اتباعها‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬ضد‭ ‬طالبان‭ – ‬والجماعات‭ ‬المتطرّفة‭ ‬الأخرى‭ – ‬لتحقيق‭ ‬السلام‭ ‬الدائم‭ ‬والاستقرار‭ ‬والرخاء،‭ ‬هي‭ ‬تعليمهم‭ – ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعليمٍ‭ ‬متحرر‭ ‬من‭ ‬الخرافات‭ ‬المُتصاعدة‭ ‬باسم‭ ‬الإسلام،‭ ‬والمعتقدات‭ ‬الخاطئة‭ ‬والوصايا‭ ‬المتعارضة‭ ‬مع‭ ‬الإسلام‭ – ‬تعليمًا‭ ‬يتخّذ‭ ‬القرآن‭ ‬وحده‭ ‬هاديًا‭ ‬ودليلًا‭.‬

 

مشاركة