إضفاء الصفات الإنسانية على ثلاثية النهر والتل والقرية
وقائع وأسرار وأصوات كانت هناك
وجدان عبدالعزيز
دأب الكاتب نعيم ال مسافر في روايته الاخيرة (اصوات من هناك) على الاغتراف من الفولكور الشعبي والخرافات والاساطير ، كتطعيم لها من حالات الغرابة والسحر ، وما لهذه الامور من تأثير في عوالم التخييل ، وايجاد بؤر ممكن العيش في اجوائها بعيدا عن الواقع ، ونحن نلاحظ سعي الرواية العربية المعاصرة في محاولة تجدد ادواتها التعبيرية باتخاذها الاسطرة كحالة من التغريب والابتعاد عن الواقع ، كي تواكب منجزات الاخر الجمالية ، وكذا التجديد في المضامين مع الاحتفاظ بهويتها الخاصة .. والاسطورة كما يصفها معجم المعاني : تعني خُرافة ، اي حديث ملفَّق لا أصل له ، اي (حكاية غريبة يَغلِب عليها الخَيال، تَجمَع بين التُّراث الشَّعْبيّ والدِّينيّ والتَّاريخيّ، وتَتجلَّى فيها مَقدرة المُخَيِّلة الشَّعبيَّة والأَدبيَّة على تَحويل الوقائع إلى مُبالَغات وخُرافات تُجَسِّد قِوى الطَّبيعة والآلهة.) .. ورغم هذا فلايوجد تعريف علمي ثابت الحدود لها ، فهناك رأي يخالف المعجم يقول : ليس بالضرورة أنها كاذبة. في السياق العلمي ، فكلمة أسطورة تعني “قصة مقدسة” أو “قصة تقليدية” أو “قصة عن الآلهة”، لكنها لا تعني “قصة مكذوبة”. لذا يستخدم العلماء كلمة “أساطير دينية” بدون قصد الإساءة إلى الدين .. والاستخدام العلمي لكلمة أسطورة ، قد يسبب سوء فهم ، بسبب أن الكلمة تعني في الأوساط الشعبية “باطل”. وقد وردت كلمة الأساطير في عدة مواقع في القرآن الكريم ، حيث جاء فيه تعبير “أساطير الأولين” أي قصص الأقدمين. المهم في الرؤية النقدية الحديثة ، هي ان استخدام الاسطرة نوع من انواع التجديد في التعبيرات الروائية ، وكانت رواية ال مسافر اعتمدت على الاسطرة وتعدد الاصوات على خلاف الرواية الكلاسيكية ذات الصوت الواحد ، فارتكزت على كثرة الشخصيات والرواة والسراد والمتقبلين، وتستند إلى تنوع الصيغ والأساليب، واستعمال فضاء العتبة ، فاننا نجد تعدد العنوانات الفرعية ، وكذا توظيف (وحدة الزمان والمكان)، وتشغيل الفضاءات الشعبية ، وان تعدد الاصوات اعطى حرية في ترجمة الاراء واتخاذ المواقف المناسبة .. لذا عمد الكاتب ال مسافر الى انسنة الامكنة والاشياء المحيطة ، واعطاها اصوات لخلق مساحة من التعبير عن الفضاءات المحيطة .. وبما ان الرواية بصورة عامة انسانية ، تثير قبل كل شيء موقف الانسان ازاء ذاته ، وازاء الاخر وما يحيط الكاتب من علاقات اجتماعية ..
انعكاس اجمالي
يقول جاك ميتشيل : (الرواية كشكل من الإنعكاس الجمالي للإنسان في المجتمع، بعلاقتها الحميمة الصميميّة المبنية على الملاحظة، الشموليّة والإيجابيّة بين الذات الكاتب والقارئ، والجانب الاخر بين ماهو الموضوع الذي يمثل الإنسان الموجود في المجتمع القائم ، وهذا تطلب أكثر بكثير مما هو الحال في الأجناس الغنائيّة الشعريّة – درجة عالية جداً من تحقيق الشرعيّة الإنسانيّة من قبل الذات الجماليّة، وأهمية ذلك القطاع في الواقع الإنساني المرئي كموضوع جمالي) 1، من هنا نؤكد رغبة الكاتب الروائي في الانسنة ، باعتبارها (الوسيلة، ولعلها الوعي الذي نتزود به، لتوفير ذلك النوع من التحليل المتناقض أو الطباقي بين فضاء الكلمات وبين أصولها وأنماط انتشارها المختلفة في الحيز الفيزيائي والاجتماعي، ومن النص إلى ميدان الاستحواذ أو المقاومة، إلى البث، إلى القراءة والتأويل، ومن الخاص إلى العام، ومن الصمت إلى الشرح والتعبير).
احداث واسرار
وفي تبرير للكاتب عن روايته (اصوات من هناك) ، وكيفية كتابتها واخراجها ان هناك احداثا وذكريات واسرارا، جعلت من التل والنهر والقرية ، كما هي الاشخاص تحادثه وتجري معه حوارات ، سببت له ضغطا نفسيا ، كان لامجال للتخلص منه الا اللجوء الى حالة التدوين ، ويقول فجأة خفتت الاصوات ، ولم تعد تلاحقه مثل السابق ، لهذا اعطى كل شيء يحيط به حرية الكلام ، فعمد للانسنة .. وكان الحديث الاول لـ(تل ساسة) ويبدو ان تل ساسة هذا هو محور الرواية وموضوعها الاساس وجغرافية التحرك لكل شخصياتها الحقيقية والافتراضية ، وقد اجد الشخصية الحقيقية الوحيدة ، هي الراوي العليم المهيمن على الاحداث والراصد لها بعين الرؤية الخاصة ، هونفسه الكاتب آل مسافر والذي لم يكشف عن رؤيته حتى نهاية الرواية ، هو باق على سرية الكتمان ، لهذا اعطى لكل من التل وغيره سحر الاسطورة والغرابة ، رغم حديث الاستاذ بدر معلم التاريخ القائل : (جعل الله قرية الجدي وتل ساسة في قلب بقعة ، تعد متحف التاريخ الطبيعي ، واقتضت حكمته في بدء الخليقة ، ان تكون تلك الارض محلا لنزول آدم ابي البشر ، وولادة ابراهيم ابي الانبياء ، تحيط بهما ، مدن اور ، اوما ، لكش ، تلول الهباء ، ما يقارب مئات التلال (اليشن) ، التي قد يعود تاريخ بعضها الى خمسة آلاف سنة مضت) ، اي ان هذا الحديث لم يكشف كاملة قصة تل ساسة ، وبقي الامر محرم الاقتراب من هذا التل ليلا ، الا الساحرات ، وهكذا كل مكان وشخص في رواية آل المسافر يتحدث عن نفسه وما يحيط بها وتأثيرات هذا على شخصيات الرواية الاخرى ، وحينما تحدثت (قرية الجدي) كان الحديث فيه الكثير من تحولات المكان ، ولاشك ان الانسان يعيش بعدين هما : المكان والزمان ، (ورغم أن المكان والزمان عنصران متلازمان لا يفترقان, فإن المكان ثابت على عكس الزمان المتحرك, وهو في ثبوته واحتوائه للأشياء الحسية المستقرة فيه يدرك بالحواس إدراكا مباشرا . ذلك أن المكان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الظاهرة التي تشمل حواسنا الخمس, على عكس الزمان الذي يدركه الإنسان إدراكا غير مباشر من خلال فعله فيه. ووجود الإنسان في المكان أدى إلى تعضيد العلاقة بينهما, تلك العلاقة التي أخذت في التنامي ، حتى أصبح المكان واحدا من القضايا التي يخترقها الإنسان بالبحث بغية التعمق في هذا المحسوس وتمام إدراكه . مما ترتب عليه وجود دراسات كثيرة عنيت بدراسة المكان في مختلف المجالات, بل وجد علم خاص بدراسة المكان وهو علم الطوبولوجيا الذي قام بدراسة(أخص خصائص المكان من حيث هو مكان, أي العلاقات المكانية المختلفة كعلاقة الجزء بالكل, وعلاقات الإندماج والانفصال والاتصال, التي تعطينا الشكل الثابت للمكان, الذي لا يتغير بتغير المسافات والمساحات والأحجام)2، لذا اكتسب المكان في الرواية أهمية كبيرة، لا لأنه أحد عناصرها الفنية، أو لأنه المكان الذى تجرى فيه الحوادث، وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه يتحول فى بعض الأعمال المتميزة إلى فضاء يحتوى كل العناصر الروائية، بما فيها من حوادث وشخصيات، وما بينها من علاقات، ويمنحها المناخ الذى تفعل فيه، وتعبر عن وجهة نظرها، ويكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء الرواية، والحامل لرؤية البطل، والممثل لمنظور المؤلف، اريد القول من كل هذا ، ان رواية الكاتب آل مسافر اعتمدت السرد الذاتي ، رغم تعدد اصواتها ، ورصدت الامكنة من خلال الحكي ، ولم تلتفت لوضوعة معينة بذاتها ، صحيح هناك موضوعات متعددة منبثة فيها ، لكن لاترقى الى موضوعة رئيسية محورية ذات ثقل تتمحور حولها احداث الرواية ، وقد يكون الكاتب عمد ، لان تكون الرواية ذات نهايات مفتوحة تستقبل التأويلات عند الاذواق القرائية المختلفة .. !!!
1 ـ جاك ميتشيل(المشاكل الجماليّة في تطورالرواية الثوريّة البروليتاريّة في بريطانيا) مجلة المعرفة. دمشق. العدد 216 شباط 1980. ت: توفيق الأسدي. ص: 147
2 ـ يمنى طريف الخولي. إشكالية الزمان في الفلسفة والعلم, ؛ألف+ مجلة البلاغة المقارنة, القاهرة, الجامعة الأمريكية, ع9, 1989م, ص13.

























