عازف الكمان الفنان زيد هشام: مدين لأبي بكل ما حققته من نجاحات
حاورته: نجوى عبد الله
هل كان قدرا على هذا البلد أن يرحل علماؤه ومثقفوه وفنانوه الى أصقاع العالم ؟ هل الحتمية التاريخية جعلت هؤلاء يدركون أن لامناص من الهجرة كي ينجو بأرواحهم أولا وبما حملوه في عقولهم من إبداع ثانيا . الفنان زيد هشام الاول على دفعته في معهد الفنون الجميلة والاول على دفعته في كلية الفنون الجميلة في الموصل ، إختار الغربة ملاذا بعد أن ضاق به الوطن . هو عضو في نقابة الفنانين العراقيين وعضو في اتحاد الموسيقيين العراقيين وكانت له إسهامات بارزة داخل العراق وخارجه .
{ ماهي قصتك مع الموسيقى ومتى بدأت ولماذا آلة الكمان بالتحديد؟
– مذ كنت طفلا صغيرا كان بيتنا في ذلك الوقت ملتقى للأدباء والفنانين بحكم عمل ابي الشاعر الدكتور هشام عبد الكريم ومن الضيوف الذين كانوا يترددون علينا كثيرا الفنان جميل بشير الذي يعزف على آلة العود وانا أصغي مستمتعا ومتعجبا بحلاوة ماتصدره هذه الأوتار ..ومن هنا أحببت الموسيقى وبدأت أصغي الى العازفين على شاشة التلفاز ..ومن الطرائف أنه عندما ينتهي من العزف يضع العود في سيارته وكنت أتسلل بهدوء وأفتح الكيس الذي يضع فيه العود وأجلس في داخل السيارة بخلسة وأضرب على أوتار العود بلهفة وأقوم بشد مفاتيح الأوتار مقلدا ماكان يفعله وأهرب بعدها مسرعا خشية أن يراني أحد ..بعدها بدأت أسأل امي وابي كيف لي أن أصبح عازفا على هذه الالات، قالوا لي تستطيع عندما تكمل دراستك الابتدائية ثم المتوسطة ثم الاتحاق بمعهد الفنون ومن هنا بدأ الحلم في دخول معهد الفنون عندما أكبر . ودخلت المعهد فعلا قسم الموسيقى فرع /آلة العود، عزفت عود لمدة سنتين المرحلة الاولى والثانية وطيلة هذه السنتين كانت عيناي لا تفارقان عازفي الكمان زملائي. في المعهد حينها استحوذت هذه الالة ومن دون إستئذان على قلبي فأحببتها كثيرا بعدها حولت اختصاصي الى فرع / آلة الكمان و في البداية كان البعض من الأساتذه معترضين على تحويل اختصاصي بالقول إنك عازف عود جيد خسارة أن تترك آلة العود وهناك شيء قد لا تعرفه إن آلة الكمان من أصعب الالات الموسيقية ننصحك لا تضيع وقتك .. كل هذا الكلام زادني إصرارا وتحديا وحبا لهذه الآلة التي لطالما حلمت بها وبعدها انتقلت لفرع آلة الكمان .
{ لماذا لم تلتحق بجامعة بغداد لإكمال دراستك الموسيقية ؟ – لي فيها قصة طويلة سأقصها لك سيدتي .. عندما تخرجت من معهد الفنون2003كانت هي سنة تغير النظام ودخول القوات الأمريكية الى العراق في وقتها انقطعت جميع الاتصالات والمواصلات بين المحافظات بعد أيام بدأ التقديم الى الكليات وانا محاصر في مدينتي الموصل لا أستطيع الذهاب الى العاصمة بغداد قدمت الى كلية الفنون جامعة الموصل وانا مستاء لما حصل واخترت المسرح أحسسته قريبا الى جميع الفنون وخصوصا الموسيقى وبعد ثلاثة أشهر تقريبا عادت الحياة الى البلاد وفتح التنقل بين المحافظات وفي السنة الدراسية الثانية عقدت العزم للذهاب الى بغداد لتحقيق حلمي وهو إكمال دراستي في قسم الموسيقى جامعة بغداد وفعلا ذهبت وقدمت وكانت لجنة الإختبار سعيدة بما قدمته لهم من عزف شرقي وغربي وأنا في قمة سعادتي لردود فعل اللجنة التي كان يترأسها الفنان الكبير الدكتور طارق حسون فريد وعندما خرجت من الإختبار وأردت التأكد من مستوى أدائي بطريقة غير مباشرة و الدرجة التي وضعوها لي في الاختبار رد علي دكتور طارق قائلا إذهب لاتخف يا(مصلاوي ) أنت من الأوائل في الاختبار خرجت من الاختبار كانت الدنيا لا تسعني من الفرحة وشعور لا يوصف وانا أقترب من تحقيق حلمي و هدفي في الحياة وبعد أيام عندما علقوا اسماء المقبولين على لوحة الاعلانات في الكلية تفاجأت بأن اسمي غير موجود من ضمن المقبولين ذهبت مسرعآ الى اللجنة وقلبي يرتجف خوفا أخبرتهم بما حصل خرجوا جميعهم معي إلى لوحة الاعلانات وهم غير مصدقين وقالوا لي أكيد سقط سهوا انت تسلسلك رقم 3 في تقييم اللجنة من بين 73 متنافسا من كل محافظات العراق وبعدها ذهب الدكتور طارق رئيس اللجنة الى عمادة الكلية وهو منفعل من أجلي للتحري عن سبب هذا الاهمال واتضح من الموظفة بعد مخاطبتها للوزارة بأن هذا الاسم لديه مقعد في جامعة الموصل قسم المسرح وفي هذه الحالة سقط حقه في التقديم وحجز مقعد آخر هذا هو القرار لهذه السنة . بعدها أدركت يقينا ( بأن ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن )
{ ماذا أضافت دراستك للمسرح على مشوارك الموسيقي؟ – طبعا، كل مرحلة من مراحل حياة الفنان تعد إضافة له سواء كان يدري أم لا يدري فما بالك بأن تكون هذه المرحلة هي دراسة المسرح هذا الفن الراقي الذي تجتمع فيه جميع أنواع الفنون في إطار واحد من شعر وموسيقى و رسم وجسد بالتأكيد كان للمسرح إضافة لي وكما نعلم الموسيقى إيقاع وللمسرح إيقاع نجده من خلال النص المسرحي و من خلال أداء الممثل وهو أحد أهم ركائزه.. ومن خلال وضع الموسيقى للعديد من المسرحيات أحسست أن المسرح يزيدني تفاعلا على تأليف جمل موسيقية من خلال قراءتي للنص المسرحي ومن خلال أداء الممثل أمامي أثناء التمارين الذي يجذبني إليه تارة وأجذبه إلي تارة اخرى.
{ سمعناك تعزف الموسيقى الغربية و الشرقية وكنت رائعا في كليهما السؤال أيهما أفضل لك ؟
– الموسيقى بجميع أشكالها وأساليبها المتنوعة جميلة وأعشقها حتى من عازف الربابة البدائي ولكل موسيقى في أي بلد كان مميزات تختلف عن الأخرى فالموسيقى الغربية تمتاز بتكنيك عالي المستوى ورشاقة في حركات القوس و الفنكر قد لا توجد في الموسيقى الشرقية وفي المقابل الموسيقى الشرقية تمتاز في الربع تون غير الموجود في الغربي الذي ميزها بروحية أيضا غير موجودة في الموسيقى الغربية وبين التكنيك وبين الروحية أحببت الاثنين ولكن وبصراحة تبقى أصول العازف عندما يعزف موسيقاه الأم يعزف من غير تكلف و راحة وإحساس أجمل .
{ ما هي أهم الفرق التي عملت معها وما هي أهم العروض و المهرجانات التي شاركت بها داخل وخارج القطر؟
– مثلت العراق في العديد من المهرجانات و المحافل الدولية داخل وخارج القطر كعازف على آلة الكمان وأذكر أهمها (مهرجان الملا عثمان الموصلي الاول) 2006 الذي أقيم في أربيل، شاركت به العديد من الفرق الموسيقية من جميع محافظات العراق ، ومهرجان (زرياب الدولي للموسيقى) قدمت فيه العديد من الفرق أذكر منها الايرانية و الدنماركية والتركية ، مهرجان (لعراق السلام ننشد المقام)2009 الذي أقيم في بغداد أيضا كان من المهرجانات المتميزة، مهرجان (فيلادليفا الثامن للمسرح الجامعي العربي ) 2008 عمان عن وضع موسيقى تصويرية، كان لدينا عرض متميز مع فرقة ( التراث الموصلي) في تركيا استنبول. شاركت في مسابقة الفنون الابداعية في جامعة الموصل وحصلت بها على المركز الاول عن الموسيقى والكثير من النشاطات داخل المحافظة أما من ناحية الفرق الموسيقة عملت مع العديد من الفرق منها: فرقة بيت المقام العراقي .فرقة نينوى للموسيقى الكلاسيكية . فرقة التراث الموصلي . فرقة ملا عثمان الموصلي . فرقة نقابة الفنانين العراقيي
{ وانت تحلق بعيدا عن أرض الوطن هل تشعر بالقلق على مستقبلك الفني؟
– على الرغم من قساوة الظروف التي يعيشها الفنان العراقي المغترب.. بالنسبة لي أرى أن ليس للابداع مكان أو زمان وكما نعلم أن الموسيقى هي لغة العالم، وطموح أي فنان هو إيصال فنه للعالمية ونحن اليوم حتمت علينا الظروف التنقل من بلد إلى آخر و كل بلد يعيش فيه الفنان باحتكاكه مع فناني هذا البلد فيكتسب به ثقافة فنية مختلفة تضاف له، وفي النهاية إن لم تكن النتيجة إيجابية فإنها ليست سلبية.
{ دائما ترتيبك الأول في معهد الفنون وكلية الفنون وبعض المسابقات الفنية، ياترى من وراء هذا النجاح والإصرار على التفوق الدراسي؟
– أبي هو الداعم الحقيقي لموهبتي منذ الصغر وهو يدعمني معنويا وماديآ موفراً لي كل المستلزمات التي أحتاجها .. عندما أحتاجه أباً يغمرني بحنان الأبوة وعندما أحتاجه صديقا يتصرف معي كصديق لا يوصف يمزح معي وأمزح معه، وعندما أحتاجه زميلا يكون لي زميل يناقشني بأمور فنية يتفق معي في بعضها ويختلف معي ببعضها يسمع لي ما أقوم بإنتاجه من أعمال موسيقية لحظة بلحظة مبديا آرائه ونصائحه لي، استفدت منه الكثير وأنا مدين له بكل ما حققته من نجاحات وتفوق إلى يوم القيامة.
{ أصبحت لك أسرة وأطفال وانت في بداية مشوارك الفني، هل وجدت أن الاستقرار العاطفي والاجتماعي كان سببا في منحك الصفاء الذهني كفنان ؟
– بالنسبة لي أرى أن زواجي واستقراري لم يؤثرا عليّ لا سيما وأن شريكة حياتي متفهمة لوضعي كفنان بل داعمة لي. أما الأطفال فابني (فجر) يحب الفن ويغني باللغة التركية وهذا الأمر جعلني في غاية السرور. إن الاستقرار الأسري يهييء الذهنية الصافية للفنان ويجعل حياته أكثر ترتيبا وهدوءا. فالموسيقى من أكثر الفنون التي تحتاج إلى التأمل وصفاء الذهن وعمرها ما كانت مع الفوضى وحياة اللا إستقرار.
{ هل استوحيت من إقامتك المؤقتة في اسطنبول عملا فنيا ما ؟
– بالتأكيد هناك أعمال فنية منها ما اكتمل ومنها في مرحلة التدوين على الورق وأنتظر أقرب فرصة لتسجيلها ومن أهمها مقطوعة موسيقية بعنوان (النبي يونس ) .
{ ما المنغصات التي تقف أمام الفنان العراقي في البلد؟
يعد العراق من أقدم دول العالم التي انطلقت على أرضها الفنون بأشكالها المتنوعة ولنا شواهد في ذلك كالقيثارة السومرية وفنون الخط والرسم والمسرح فأسماء مثل الواسطي والملا عثمان الموصلي وزرياب ونجيب الريحاني وغيرهم، مازالت لها بصماتها على الأجيال اللاحقة. لكن الذي يؤسف له هو عدم إهتمام الدولة الجاد بهذه الفنون، حزنت كثيرا عندما سمعت بتهديم بناية معهد الدراسات النغمية. بل حتى مكافأة الأدباء والفنانين السنوية تم إلغاؤها.
إن الدول تقاس قيمها من خلال أدبائها وفنانيها. ولكن للأسف لا توجد دولة تنتبه لذلك وهذا بدوره سيدفع بالكثير من الأدباء والفنانين الى الهجرة.
























