رهانات السلطة في العراق لطارق الكناني

رهانات السلطة في العراق لطارق الكناني

أسرار العلاقات بين التاريخ والحركات الإسلامية

علي لفته سعيد

في كتابه الذي يحمل عنوان (رهانات السلطة في العراق/ حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي) الصادر عن دار أمل الجديدة في سوريا في عام 2017حاول الكاتب والشاعر طارق الكناني ان يسند التطلعات التي يشهدها العراق مثلما يسند ما يعانيه وفق منهجية حوارية مع أحد المفكرين باعتبار ان تلك التطلعات والمعاناة باتت سريعة منذ سقوط النظام السابق وأن هذه التطورات في شقيها التطلع والمعاناة بات من الصعب التكهن بمخرجاتها ونهاياتها، لان البداية لم تكن واضحة وشابها الكثير من التشويش بدءا من تسمية ما يمكن ان يوصف حال العراق بما حصل من تغييرات بعد 9 نيسان عام 2003 ..ويقول الكناني في مقدمة كتابه انه (لا أحد كان يتوقع أن تنقلب أمريكا على الأنظمة العلمانية وتأتي بأنظمة دينية ثيوقراطية) خاصة وان أمريكا عانت حدثا تاريخيا قلب معادلة العالم أجمع بما حصل لها بما سمي أحداث الحادي عشر من أيلول والتي نفذتها القاعدة وهي جهة دينية او محسوبة على الدين. يأتي كتاب الكناني ليؤكد فشل امريكا في تبويب الذي حصل على انه ديمقراطي بل يشير الى ان أمريكا ( ساعدت بعد احتلالها العراق على بناء نظام إسلامي بعنوان ديموقراطي زائف وتركت الأحزاب السياسية تتصارع لتغليب أحد النموذجين، السعودي أو الإيراني) ولان ما يمر العراق لم يكن بمعزل عن التفكير اللحظوي والمتوسط والبعيد فيما سيكون عليه حال العراق بعد معرفة الاسباب. كتاب الكناني محاورة مع المفكر ماجد الغرباوي وهو مفكر اسلامي ومؤسس ورئيس مؤسسة المثقف وهو من داخل منظومة الاحزاب الاسلامية التي كانت تريد اسقاط النظام ولكنها أي هذه الاحزاب تورطت في تطبيق قراءاتها للواقع العراقي وبالتالي حصل انهيار في المنظومات العراقية سواء منها الفكرية او الانتمائية او العقائدية وحتى المذهبية داخل البيت المذهبي الواحد ويقول الكناني انه وجد في الغرباوي مفكراً بارعا متحرراً من قيود الحزبية والتخندق الطائفي بعيدا عن كل عقد الفوبيا أو عقدة الشعور بالاضطهاد ولذا فان كتابه يأتي من هذا الباب ليدخل معه في حوار بأسئلة مباشرة

الكتاب تضمن 53 سؤالا توزعت على خمسة محاور ..ويذكر في المقدمة ان هناك محورا لم ينشر كونه محورا عقائديا متشعبا يمس جوهر العقيدة الاسلامية ويمثل منطقة حظر وخطا أحمر. خاصة وان الغرباوي كان منتميا في بداية حياته السياسية إلى حزب الدعوة الإسلامية وهي منطقة فكرية مليئة بالأفكار لما كان مفكرو الحزب الاوائل يمنحونه للشباب لأنها افكار (تمنح آفاقاً كبيرة للفكر الإسلامي المتحرر من قيود التبعية الدينية، فهو يناقش شتى مجالات الحياة والسلطة والاقتصاد ويرسم طريقا أكثر ثورية في بناء الدولة الإسلامية التي كانت حلم الكثيرين من الشباب أمثال الغرباوي) ويشير الى انه وجد الغرباوي (يسعى من خلال مشروعه الى ترشيد الوعي بعد تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، عبر قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، كشرط أساس لنهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في اطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب)

انتاج الكتاب

ويضع الكناني تبريرا لهذا الحوار وانتاج الكتاب ان المواطن اصطدم بحقائق يصعب معها تفسير نظرية الحاكمية في الفكر الإسلامي وان ( بعض الحوارات التي تجرى مع أعضاء حزب الدعوة أو الدعاة الأوائل في هذه الفترة من الهذر السياسي الذي يتردد وسط أجواء تفتقر إلى الصراحة ونكوص في تطبيق النظريات الاسلامية التي كانت تدعو لها الاحزاب الاسلامية) ولهذا فان الكناني اراد ان يصل الى معرفة اسباب هذا النكوص وان يضع نقطة جدل بعيدة عن التبريرات خاصة وان الغرباوي يواصل مشروعه منذ 33عاما ويريده واعيا وله دور ثقافي يرتبط بالثقافة والحركات الاسلامية وهو يريد بحسب الحوار تحرير الدين من سطوة الفقهاء والتفسيرات الطائفية المتحيزة والفصل بينه وبين السياسة والتوظيفات الآيديولوجية المخلة بهدف الدين ووظيفته الأساسية في الحياة وبالتالي فهو يقدّم فهما آخر للدين، يتقاطع مع فهم الأحزاب والحركات الإسلامية التي تجد في الدين وسيلة ناجحة لبلوغ أهدافها السياسية.كان الهدف من الكتاب الوصول الى نقطة شروع ان الفكر الانساني المتحرر من التبعية الدينية والمذهبية والايديولوجية هي الواجب الاسمى للتخلص من ضجيج الفكر الذي يكرّس الطائفية والاحتراب وان يضع الحقائق التي اريد لها أن تغيب في وهم السلطة ( ممن هم في السلطة عن الفكر الجمعي للمجتمع العراقي محاولين اسدال الستار عن حقبة مفصلية وتجربة حقيقية لطريقة بناء الدولة في فكر الأحزاب الإسلامية بكل انتماءاتها وفشلها في صياغة شكل الدولة الذي تم طرحه وفق النموذج الاسلامي والذي تم التنظير له عبر حقبة زمنية طويلة).

محنة الاقباط

في المحور الاول الذي حمل عنوان (الحركة القومية في الوعي السياسي العربي) كان الحوار يدور حول مصر والاقباط والشعور القومي والاصل العربي والانتماء الديني..وكانت هناك تسعة أسئلة منها عن أسباب وراء انتعاش الحركات الأممية في العراق، على العكس من مصر، وكذلك ما اسماه ( محنة الأقباط ) التي يؤكد فيها الغرباوي (أن معاناة الأقباط دفعت بإتجاه تبنّي القومية العربية، كملاذ للتخلص من الفوراق الدينية والاجتماعية) وكذلك سؤال عن الدين والقومية) ويؤكد الغرباوي (هناك أكثر من سبب وراء تشبث شعوب المنطقة بالقومية العربية في القرون الثلاثة الأخيرة، خاصة في مصر وبلاد الشام، بسبب سياسة الاضطهاد التي كانت تتبعها السلطنة العثمانية ضد غير المسلمين، باعتبارهم وفقا للفقه الإسلامي أهل ذمة فتنطبق عليهم أحكامها) ليصل الغرباوي الى قوله( تبقى حقيقة تاريخية، هناك أكثر من دافع وراء تبني غير المسلمين لواء القومية العربية من خلال جمعياتهم وأحزابهم، خاصة في سوريا ولبنان.. وسؤال نكوص الشعور القومي لدى الاقباط في مصر سكان مصر الأصليين.. فيجيب الغرباوي انه (تمت السيطرة على جميع الاحتكاكات، بفضل الوطنية والشعور المصيري المشترك، والاحتكام للعقل..وكان السؤال الخامس ( الإرث الحضاري) والذي تمحور حول تفسير ضياع الارث القومي للمسيحيين المصريين) ويشير الغرباوي أن هناك ( تداعيات التجاور بين المسلمين وغيرهم في ظل سلطات جائرة،  طبّقوا عليهم سياسة قاسية، إستمدت روحها من أحكام صدرت في زمان الرسول لمعالجة واقع محدد، فكانت أحكاماً تخص ذلك الواقع، ليس لها إطلاق لتشمل فتوحات الخلفاء والسلاطين المسلمين، الذين وظفوا كل شيء لتمدد سلطتهم. من هنا انحسر عدد الأقباط إلى عشرة بالمائة 10 بالمئة  من سكان مصر فقط. فخلفاء المسلمين وسلاطينهم فرضوا عليهم الجزية في مقابل الدفاع عنهم) في حين كان السؤال السادس حول ان كان الشعور القومي في مصر يخص فئة من المصريين؟ ويوضح الغرباوي (هناك أكثر من دافع للتشبث بالقومية وأن التشبث بالقومية العربية كان ردة فعل ضد التغريب الذي تشبث بالقومية المصرية بدلاً من القومية).الكتاب حافل بالأسئلة التي تجاور ما ذهبنا إليه وعناوين اسئلة من مثل ( الصدمة الحضارية ) عن تشبث المصريين بالقومية العربية وكذلك سؤال التحولات الدينية الكبرى) والذي اختص عما إذا كانت مصر غيّرت معتقداتها لأكثر من مرّة فضلا عن سؤال (القومية والتبشير )وسؤال (مصر والتشيّع) والذي اريد به كشف من ان المصريين يمثلون الجانب المعتدل والمسالم لدى الأمة الإسلامية

وحمل الكتاب محورا ثانيا بعنوان (أيديولوجيا التوظيف السياسي/أسئلة المعارضة والسلطة في العراق والذي تضمن 14 سؤالا تطرقت الى (الكفاءة والسلطة ) والذي تركز عن صلاحية كفاءة الاشخاص الذين يتعرضون للاضطهاد السياسي سواء كان الاعتقال والتعذيب أو النفي أو التخويف والإرهاب لتسلّم مقاليد الحكم في البلاد بعد نجاح حركاتهم أو انقلاباتهم؟. وكذلك سؤال (ثقافة العنف ) حول عقدة الشعور بالاضطهاد وامراض الفوبيا لمن يستلم الحكم وسؤال (الصمت الدولي ) حول تشريع عالمي في حجب هؤلاء عن تسنم السلطة وتكريمهم بشكل يليق بهم دون أن يتم تسليطهم على رقاب الناس وسؤال (الموقف الأمريكي ) وقيام امريكا بجمع كل المعارضين وسلمتهم العراق على طبق من ذهب وكذلك سؤال (منطق التبرير) وكان حول النظرة الحزبية الضيّقة هي من منعت الانتباه إلى تصرفات رفاق النضال ….و أن منطق التبرير مازال قائماً عند الكتل السياسية مثلما هناك سؤال (الخيانة العظمى ) حول ما اسماه مباردة المناضل باستعداء دول أجنبية وتحريضها على احتلال بلاده حتى يتسنى له هو أن يستلم مقاليد السلطة وما كان هذا التصرف ينضوي تحت عنوان الخيانة العظمى؟ أم الوطنية؟.. أما سؤال (الرصيد الشعبي ) حول أذا الشعب تخلى عن المعارضة كلياً سواء كان خوفاً أو تملقاً أو تأييداً للسلطة وإن المعارضة فقدت عمقها الشعبي والوطني وماذا فعلت المعارضة بحيث خدشت ضمير الشعب واضطرته للتخلي عنها؟.

في المحور الثالث من الكتاب (المواقف السياسية وتداعياتها ) تركزت الاسئلة عن (خيانة الشعب) وفسح المجال لحزب البعث من التسلط وكذلك (الدبلوماسية الفاشلة ) وتطرقت الاسئلة في هذا المحور الى (سوريا والرعب السياسي ) وكذلك (الفتوى الدينية ) عما غذا كان هناك (الشعور الوطني ) وسؤال (براءة الدماء ) مما قدمت الاحزاب من شهداء

المحور الرابع  حمل عنوان (الانهيار وتداعيات الفساد ) وبدأ بسؤال (الانهيار الداخلي ) وكذلك (الفتوى والفساد ) فضلا عن سؤال (رجل الدين والفساد ) وما اسمتاه كذلك في سؤاله(الولاء الجريح ) و(منطق الثأر ) فيما كانت اسئلة المحور الخامس الذي حمل عنوان (الدولة في الفكر الإسلامي ) قد تركز على (إدارة الدولة) وسؤال (صدقية النظام الإسلامي ) سؤال (وحدة المرجعيات الفكرية) وكذلك (نظريات الحكم ).ان الاسئلة الكثيرة في هذه المحاور كانت محاولة للإجابة عن ما الذي حصل في العراق وهل فشلت الاحزاب التي عارضت صدام في ترتيب البيت العراقي وان هناك ازدواجية في شخصيات السياسيين وان هناك إخفاقا في النضال الحركي وعن موقع إيران  من منطق الدولة وكذلك النديّة وتهافت القوى في المصالح؟ إن إجابات الغرباوي تحتاج الى وقفة وتأمل في جانبيها النظري والتحليل فضلا عن المنهجية التي اتبعها في إجابته وقد برع الكناني في تبويب الاسئلة التي وزعها على محاوره الخمس والتي حاول من خلال البحث عن اجابة على سؤال التاريخ والحاضر والربط بين السياسة والدين والهوية والانتماء وكذلك الواقع والمذهبية.