الناقد الموسيقي تحسين عباس : مرة ومرة أغرب أغاني السبعينات

627

الناقد الموسيقي تحسين عباس : مرة ومرة أغرب أغاني السبعينات

حوار: محمد العامري

عندما يكون المثقف العراقي شاملاً لأكثر من موهبةٍ في آنٍ واحد لاسيما اذا ما كان ناجحاً بكلّ موهبةٍ يمتلكها ويعطي لكلِّ مجالٍ حقّه ليأخذ حيزهُ الكامل في فرص النجاح فهذا يدلّ على نمو ونضج التجربة لذلك المثقف خصوصاً عندما يطمح دائماً الى الإبداع وتقديم افضل ما لديه ، ومن هؤلاء المثقفين لفتَ انتباهي شخصٌ رأيت في تقاسيم وجههِ البسمة والأمل بجمالية الحياة وعاصرته عن قرب ولامست من دواخلهِ وتصرفاته الشخصية كل معاني الانسانية وحب الناس ومساعدة الآخر بكل ما يتمكن من دعم وبكل ما يتيسر له من طرق المساعدة وخصوصاً الدعم المعنوي والثقافي ،

 حسب ما يمتلك من الاكتناز المعرفي الشخصي الذي تعلمهُ من خلال الدراسة والقراءة الدائمة والغوص في بُطُون الكتب ليرتقي بواقعهِ العلمي والثقافي في الوقت نفسهِ فهو أحد أعضاء الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الفنانين العراقيين انه الفنان تحسين عباس من مواليد 1972 وكتب الشعر منذ نعومة أظافرهِ وأبدع بشعرهِ ومفرداته الرائعة وتوظيف أروع ما يدور بمخيلته من صور شعرية يرسمها على الورق كالرسام الذي يرسم أجمل لوحاته الفنية وعمل أيضاً في مجال النقد وله عدت مقالات نقدية في الموسيقى نشرت في اغلب الصحف المحلية والعربية والدولية واجتمعت في كتابه الأخير ( الذاكرة الذوقية بين الغناء والموسيقى) فهو مهوس بالنشاط دائماً ولم يمررْ عليه أسبوعٌ واحد دون خلق شيء جديد من الإبداع في كتابة قصيدة أو مقال او أيَّ نشاط أدبي يطرحهُ للذائقة والنخبة وله مجموعتان شعريتان وكتاب نقدي في الموسيقى والغناء ومارس العمل والنشاط الثقافي الأدبي لأكثر من عقدين من الزمن وعاصر كبار المثقفين من أدباء وكتاب محافظة المثنى خصوصاً .

والطريقة التي كتب بها تحسين عباس في النقد هي طريقة تجمع ما بين النقد الأدبي والنقد الموسيقي وتعتبر هذه الطريقة هي الأقرب للنقد الثقافي وان تختلف قليلاً في بعض الأحيان، فبعد أن غابت الكتابة عن الساحة النقدية في الفن الموسيقي وظهور المقالات والتصدي المباشر للأغاني الجديدة، ظهر لنا هذا الاسلوب الجديد في النقد الفني وهذا ما دعانا لأن نجري عدة حوارات تتمحور في نطاق الأغنية العراقية واخترنا في حوارنا هذا أهم الأحداث الفنية في تطور الأغنية العراقية في حقبة السبعينيات لان الاغنية السبعينية تعتبر قمة ذروة الاغاني الجميلة والبديعة التي تحمل في طياتها أجمل الألحان والكلمات الرصينة الرائعة وحفظت الاغنية السبعينية على ظهر قلب ثقافة المجتمعَ العراقي ولا تزال محفورة في الذاكرة وتُرددُ وتغنى ليومنا هذا ولنتعرف اكثر عن تفاصيل هذا الحوار المهم والساخن :

{ ما الفرق بين الأغنية البغدادية والأغنية السبعينية موسيقيا ؟

– الأغنية البغدادية وان تطورت في فترة الستينيات نوعا ما عما كانت عليه في السابق لكنها لا تُقاس او تقارن بالأغنية السبعينية ، فالأغنية البغدادية مثلا في المقدمة الموسيقية تكون ترجمة للغناء (كلي يا حلو منين الله جابك ) كما أنها قصيرة ( كولوله لبو عيون الوسيعة ) عكس ما هو موجود في الأغنية السبعينية في المقدمة الموسيقية من ناحية تنوع انتقالاتها ( مسافرين ) و ( يا طيور الطايره) وطول مدتها الزمنية ( البنفسج) كما أنها لم تنهج نهج الترجمة بل نجد أنها تستوحي روح المعنى النغمي للمذهب الغنائي بحيث تجعل المستمع في حالة ترقب وشد ذهني لما سيبدأ به المطرب من غناء.

{ وما الفرق بينهما شعرياً؟

– الاغنية البغدادية مكونها الشعري بسيط اعتمد على المفردة المباشرة عكس ما اتسمت به الاغنية السبعينية من شعرية فائقة ( جانن ثيابي عليّ غربة ومستاحش من عيوني – البنفسج – ) و (جفنك جنح فراشة غض و احجاره جفني و ما غمض يل تمشي بيه اويه النبض – حن وانه حن- ) كما انها كانت عميقة في معناها العاطفي ( يا لي جرة سما بعينك ، اخاف افززها من اكلك انه احبك – البنفسج- ) و ( حاسبينك مثل رمش عيونه بعشرتك لينه )

{ ما الفرق بينها أدائياً؟

– الأداء غالبا ما يتناسب طرديا مع اللحن فالبناء الموسيقي للأغنية السبعينية هو اعلى مستوى وصلت اليه الاغنية العراقية من ناحية تعدد الانتقالات النغمية في الأغنية وحداثة الصياغة للجملة الموسيقية بمصاحبة الإيقاعات الثقيلة والمتوسطة مع طول المدة الزمنية التي لا يصمد معها الا ذو الحنجرة المتمكنة من اداء هذه الأشياء مجتمعة.

{ برأيك ما أسباب ظهور الأغنية السبعينية؟

– الأسباب التي دعت إلى ظهور الأغنية السبعينية بهذا الشكل هو لمواكبة الحداثة والتدرج نحو الأفضل الذي صاحب الأغنية العراقية ، فالأغنية السبعينية هي الصورة المتطورة للأغنية البغدادية والسيتينية .

{ ما تاثير التيار اليساري على الأغنية السبعينية؟؟

– التيار اليساري هو احد التيارات العلمانية والصفة الغالبة على هذه التيارات انها لا يتواجد عندها (التابو ) وبما أن المثقف بشكل عام والفنان بشكل خاص هو في كينونته متمرد على واقعه ليُخرج ما غاب عن الظاهر، فمن الطبيعي ان يكون التيار اليساري هو المحفز الأساسي لاكتشاف المبدعين وتصديرهم اعلامياً …. كالفنان قحطان العطار وفؤاد سالم وصباح السهل

{ ما هي أهم خصائص نصوص الأغنية السبعينية؟

– نص الأغنية السبعينية كان عميق المضامين ، متعدد المعاني ، مغمسا بمفردات وتراكيب لغوية ناضجة فكرياً تحمل وعياً اجتماعياً استطاع أن يؤسس مجتمعاً واعياً ومستعداً لتقبلِ ثقافات الآخر. النص السبعيني امتلك مواصفات فنية وفكرية متميزة جعلت منه ذا اثر دائم البقاء في وجدان المتلقي بعد أن نفذ إلى أدق زوايا عواطفه وصوّر كل ما دار في ذاته من أفكار وما انتابها من خلجات وإرهاصات وما كمن بها من هموم لم تسمح لها قوى القمع الاجتماعية والسياسية بالخروج ، ولو من اجل التنفيس ليس الا.

{ ما أهم مواضيع الأغنية السبعينية؟

– كان موضوع الأغنية السبعينية هو إشاعة الحب بين الناس والتسامح ( تعال لحبك انه اشتاك والشوفتك اتمنى- ياس خضر ) وانتقاد العرف الاجتماعي عندما يفرق بين الأحبة ( كوه كوه – قحطان العطار) كذلك انتقاد بعض التقاليد التعسفية ضد المرأة ( ألف دينار حاضرها وخمس ميه – حسين السعدي) كما انها تناولت حب الوطن والحنين اليه ( دكيت بابك ياوطن – فؤاد سالم)

{ ما أهمية المقدمة الموسيقية في الأغنية السبعينية؟

– المقدمة الموسيقية في الأغنية السبعينية هي دليل وعي للملحنين فلكل عمل يجب أن تكون مقدمة وهذه المقدمة هي سبيل تعريف بالمحتوى الفني أو الأدبي ، فهي تعطي للمستمع فكرة العمل الفني كما أنها تستجلب انتباههُ لما سيتلقاه مما يأتيه في الغناء لاحقاً.

{ ما تأثير الغناء الريفي على الأغنية السبعينية ؟

– هناك تأثير للغناء الريفي على الأغنية السبعينية بحيث أننا نجد في أغلب الأغاني الموّال والبوذية وهذه جاءت أما من المطربين الجنوبيين الذين أقاموا في بغداد او أن الغناء آنذاك استساغ وجود الموّال بهذه الطريقة ، كما للأغنية الريفية تأثير في الأداء فظهور العُرب الصوتية في أداء المطربين للأغنية السبعينية دليل على التأثر . فحسين نعمة وحميد منصور وياس خضر وحتى قحطان العطار في ( اني من يسأل عليّ)

{ ما أهمية الكاسيت في الأغنية السبعينية؟

– الكاست كان في السبعينيات هو المتنفس الوحيد للاستماع الى الأغاني من قبل كافة الطبقات حيث ان الشعب آنذاك لم يكن لديه القدرة على شراء جهاز التلفاز ومع ذلك كانت طرق ايصال البث الى جنوب ووسط العراق متواضعة ، فالكاسيت كان الواسطة الوحيدة التي يمكن توفرها لاتصال المطرب بجمهوره ….

{ كيف تطورت الأغنية السبعينية موسيقياً وشعرياً وأدائياً ؟

– تطورت الأغنية السبعينية في جميع أركانها الثلاث ( الموسيقى والشعر والأداء) بسبب حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي اثّر ايجاباً على انتعاش الحركة الثقافية بشكل عام في البلد في كثرة المهرجانات الذي أدّى الى تلاقح الثقافات بين العالم كما أن تأسيس المسارح آنذاك ادى دوراً مهماً ( المسرح الريفي – مسرح الفن الحديث – المسرح العمالي ) عطفاً على تأسيس الفرق الموسيقية والمسرحية لــ نقابة العمال واتحاد النساء وغيرها من المنظمات الجماهيرية .

{ اغلب رموز الأغنية السبعينية من شعراء وملحنين ومطربين هم من خارج بغداد؟ هل أثر ذلك على الشكل المدني للأغنية العراقية آنذاك؟

– الشكل المدني للأغنية العراقية كان قبل فترة السبعينات بعيداً عن واقع الأغلبية العراقية فوجود رموز الأغنية السبعينية من شعراء وملحنين ومطربين من الجنوب أظهر الهوية العراقية بشكل أوضح للعراقيين والعرب فقد أوصل الوجع والحزن الجنوبي بشكل مهذب عن طريق انتقاء المفردة المفهومة والجملة المنغمة بحداثة وبأداء اتسم باستخدام العُرب الصوتية للمطربين.

{ رغم ظهور الأغنية السبعينية في ظل ظروف سياسية واجتماعية متفائلة إلا أنها ربما تعد الأغنية الأكثر حزنا؟ لماذا؟

– الأغنية السبعينية التي توشحت بالحزن العميق رغم أنها ولدت في ظل ظروف سياسية واجتماعية مترفة …. بسبب أن العمود الفقري للموسيقى كان أغلبيته من الجنوب والبيئة الجنوبية سواء كانت في ظل ظروف مترفة أو غير ذلك فهي بيئة مازالت مظلومة من ناحية الإنصاف والعدالة السياسية والاجتماعية داخل البلد .. فبالتالي كل هذه المعاناة ستنعكس في ظهور اللحن والنص الحزين.

{ ما رأيك بالتجارب المتفائلة والفرحة القليلة في الأغنية السبعينية كتجربة سيتا هاكوبيان التي جاءت معبرة عن تلك الفترة؟

– نعم ان تجربة سيتا هاكوبيان هي من ضمن حقبة السبعينيات وبالرغم من جمالية الفن التي كانت تحمله من اشاعةٍ للأمل والتفاؤل لكنها كانت تمثل تطلعات الجمهور المترف والمستقر نفسياً وهذا الجمهور يمثل شريحة قليلة من العراقيين.

{ ما تأثير الأغنية المصرية على الأغنية السبعينية ؟

– تأثير الأغنية المصرية على الأغنية السبعينية هو تأثير في الأسلوب فقط … في بناء المقدمة الموسيقية وبناء الجمل النغمية في الغناء فقد كانت الأغاني المصرية تتسم بتعدد الانتقالات في المقدمة الموسيقية والبناء اللحني للأغنية .. فحتى الأغنية المصرية هي بدورها قد تأثرت بالأسلوب الغربي للتأليف الموسيقي من ناحية تركيبها غير البسيط للجمل الموسيقية وتعدد الانتقالات من نغم لآخر فبالتالي تكون الأغنية السبعينية العراقية هي محصـــــــلة تلاقح غربي – عربي .

فنجد مثلا أغنية( فكروني )التي هي من الحان محمد عبد الوهاب تبتدئ بنغم النهاوند ثم الرست في المقدمة لكن الغناء ينتهي في الخاتمة على نغم الرست ولم ينتهِ بما ابتدأ على النهاوند ، فنجد ان محمد عبد المحسن في أغنية (مسافرين) ابتدأ مقدمته الموسيقية بالرست وانتقالات قصيرة اخرى ليبتدأ مذهب الغناء من نغم البيات وكذلك ختم على البيات وليس على الرست كما ان هذه الأغنية قريبة من ناحية موسيقى الكوبليهات من أغنية ( صالحني وسلم بيدك ) للموسيقار فريد الأطرش. فأغنية ( مسافرين ) هي عصارة ما بين المتأثر بالفن الغربي – محمد عبد الوهاب- والممثل لشرقية الموسيقى العربية – فريد الأطرش-

{  ما أهم الأعمال الغنائية في العقد السبعيني ؟

– أهم الأعمال التي قدمت في تلك الفترة هي الأغاني التي لامست العمق الوجداني عند المستمع …. أذكر منها

  • مغربين و دوريتك ويا حسافة لياس خضر
  • يا طيور الطايرة وعيني عيني – سعدون جابر
  • جاوبني تدري الوكت – حسين نعمة
  • سهلة عندك و شكول عليك – قحطان العطار
  • ردتك تمر ضيف و مشكورة – فؤاد سالم
  • حاسبينك وعليك أسأل – فاضل عواد

{ ما هي أغرب الأعمال الفنية للأغنية السبعينية ؟

– من أغرب الأعمال الفنية للأغنية السبعينية أجد أغنية (مرة وحدة ) التي هي من الحان طالب القرغلي وأداء ياس خضر فأول غرابة لمستها أنها بنيت على مقام السيكاه بلدي وهو مقام لم يعهد الملحنون العراقيون استخدامه من قبل، كما أن بناء هذه الأغنية ابتدأ من مقام السيكاه بلدي وختم على مقام السوزناك كما أن هذه الأغنية ضمت في لحنها الغنائي أكثر من سبعة مقامات .الأغنية الثانية التي أعدها غريبة أيضاً هي أغنية ( يا طيور الطايرة) التي من الحان كوكب حمزة فقد ابتدأ المذهب من مقام الرست او السوزناك وانتهى بمقام السيكاه .الأغنية الثالثة هي (يا حريمة) التي من الحان محمد جواد اموري ايضا ابتدأ مذهبها من مقام اللامي وانتهى بمقام العجم .

الفنان تحسين عباس شكراً لك على هذا الحوار الممتع والجميل واتمنى لك التألق الدائم والتوفيق والسداد في مشوراك الفني..

تحياتي لكم وشكراً لاهتمامكم بالواقع الثقافي والشكر موصول الى ادارة جريدة الزمان وتحياتي لكل العاملين فيها واتمنى لكم الرقي والابداع دوماً وابداً.

مشاركة