الخطاب الإجتماعي في الوجه الآخر

392

الخطاب الإجتماعي في الوجه الآخر

أحداث متماسكة وإنسجام مع السرد

يوسف عبود جويعد

ربما كانت المقدمة التي استهلها الروائي ضرغام علاوي في روايته (الوجه الآخر ) أشعرتني بشيء من عدم الرضا كونها تكشف لي معالم الأحداث السردية لبنية النص، وقد تحرم المتلقي من متعة المفاجأة والمتعة، إلا أن ذلك سرعان ما يتلاشى ويضمحل، وعند الانتهاء من متابعة الأحداث السردية، فإننا سوف نشتاق للعودة لهذه المقدمة ونحسّها جزءا من النص، وبالرغم من أن الرواية كبيرة بعدد صفحاتها التي تصل إلى ثلاثمئة وتسع صفحات، إلا أنه أجاد حبكتها، وتضمينها أحداث محتدمة متواترة متصاعدة مشوقة ممتعة، متصلة مترابطة متماسكة، في مكانها، وزمانها، وشخصياتها، وثيمتها، ورسالتها الإنسانية الكبيرة، وأنساقها الثقافية المضمرة، وخطابها الاجتماعي، وخطابها الأدبي، وعمق وغزارة وقائعها ، وبدت وكأنها قصيرة وأن المتلقي يجد فيها ما يمس حياته، وما هو له صلة بما يحدث في حياتنا المعاصرة، حيث سنكتشف عبر ثناياها عالم ( الانترنيت )، والعالم الأزرق الافتراضي، وما يحدث فيه من عجائب وغرائب، وهي وتحدث بشكل ملفت للنظر، وقد كتبت بنمط الواقعية الانتقادية، كون الروائي يحذرنا عبر حركة العملية السردية في المبنى السردي، مغبة الاستخدام الخاطئ، لصفحات التواصل، وجهل استخدامها بالصيغة التي يجب أن تعود بالفائدة، وليس أداة تخريب وتحطيم ودمار، وبالرغم من أننا ندخل بيت كمال وزوجته ليلى وأولاده الأربعة، ولا نبرح عنه، وليس هنالك أي انتقالات كبيرة، إلا أننا من خلال رصدنا لحياة هذه الأسرة سوف نكتشف الكثير، الذي لم تحقّقه رواية في انتقالاتها الكبيرة ، إذ أن الروائي يجعلنا نعيش حالة وحدثاً منذ نشوئها، والأسباب التي أدّت إلى تفاقم الأحداث وتأزمها داخل الأسرة، فالأم ليلى لم تكن على وفاق مع زوجها، وإنها تزوجته بعد حادثة حب مع ابن خالها محمود انتهت بالفشل، استسلمت تلك المرأة ورضخت للأمر الواقع، وأنجبت من كمال ثلاثة أبناء وبنت، وانحصرت حياتها في خدمتهم، إعداد ثلاث وجبات الطعام يومياً، وغسل الملابس، وتنظيف الشقة، وإعداد الأولاد للدراسة واستقبال الزوج عند عودته، هكذا أحسّت ليلى أنّها لم تكن سوى خادمة لأولادها وزوجها، وإنها مهمشة بالرغم من حب كمال واحترامه لها، إلا أنها تحسّ نفسها في سجن، فوجدت أن المتنفس الوحيد لها هو صفحة التواصل (الفيس بوك)، وقد اشترط زوجها أن تضم صفحتها الإناث فقط، وعليها أن لا تقبل صداقة الذكور، إنّ الروائي يقدم لنا الأحداث خطوة بخطوة ، كما أنه في مقدمة المسيرة السردية، يحيطنا علماً بالأسباب التي دعت ليلى إلى البحث عن متنفس من خلال صفحتها، وبالصدفة تجد طلب صداقة من الذكور تحت اسم مستعار (حروف منكسرة ) وبدافع الفضول تدخل صفحته فتجدها غارقة بالشعر والكلام العذب، فتقرّر أن توافق على صداقته بعد الاستئذان من زوجها، ويكون لها ذلك، بعدها تنتعش نفسية ليلى ويجتاحها المرح وتملأها السعادة، كونها وجدت ضالتها المنشودة، وجدت من يستطيع أن يملأ قلبها بالحب بدلا من الحياة الرتيبة، وقد صدقت مقولة صديقتها إيناس وكاتمة أسرارها ( ألم أقل كان حزنك غير المعروف سببه فراغ عاطفي أخذ يحتل أوصالك الباردة ويصيبها بالانجماد وإنك بحاجة لمن يعيد لروحك الدفء . أو ربما الاشتعال إن صح التعبير ) ص 41، وهكذا فإنّ ليلى وجدت في ( حروف منكسرة ) ما يعوضها ويقتل الرتابة في حياتها وينعش قلبها، وتنشأ تلك العلاقة بين الاثنين وتترعرع وتكبر، فتفقد ليلى توازنها وسيطرتها واهتمامها بأسرتها وتهملهم وتتفرغ لعلاقة الحب الكبيرة التي نشأت، ويستعرض لنا الروائي التفاصيل الدقيقة والواقعية والفوضى والإهمال الذي أصاب الأسرة بسبب انشغال ليلى مع حبيبها وتركها الأسرة دون اهتمام، ولأننا لم نبرح مكاننا وبقينا مع الأسرة نرصد هذه الحالة الجديدة التي ألمت بهم ونتبع بشوق سير احاديث التي تتخلتها مفاجآت كبيرة، منها اكتشاف ابنتها سارة لتلك العلاقة، وسفر كمال في مهمة من دائرته، وحالة التخبط الذي أصاب ليلى إذ أنها فشلت في القيام بمهامها على الوجه الأكمل بعد أن سهرت مع حبيبها إلى ساعة متأخرة من الليل مما اضطرها أن تنام إلى الساعة الثانية عشرة ظهراً ونسيت أولادها الذين استيقظوا وذهبوا إلى مدارسهم دون إفطار ولم يوقظوها، وتبقى ليلى تعيش حالة الوجد والهيام وهي تستقبل القصائد الشعرية من حبيبها حتى غدت هي تكتب له قصائد، وقد وفق الروائي في جعل تلك القصائد من ضمن المبنى السردي وجزءا منه وحالة مكملة لتأجيج وتفعيل تلك العلاقة، كما إن الأحداث التي ضمّتها تلك الرواية جزء من حياتنا المعاصرة، كون التقنيات الحديثة دخلت في كلّ مجالات حياتنا، وصارت ملتصقة بنا ووجودها حالة ضرورية في كل بيت، وإن ما يدور في هذه الأسرة هو نموذج لحالات كثيرة حدثت بسبب الاستخدام السيئ لهذه التقنيات الحديثة، كما أنه أي الروائي استطاع أن يستخدم أدواته السردية وفق السياق الفني الذي تتطلبه صناعة الرواية، حيث تحريكها دفعة واحدة دون تخلف إحداهن عن الأخرى، الزمان، المكان، الشخوص، الأحداث، في الحركة الصحيحة، حيث التعريف، الحبكة، التأزم، الذروة، الانفراج، وفي المواجهة التي تمّت بين الأم ليلى وابنتها سارة بعد اكتشاف الأم أن لها علاقة مع شاب اسمه نسيم وتلك العلاقة نشأت عبر صفحة التواصل (الفيس بوك) ( كانت عينا ليلى تتسعان من هول المفاجأة، لدرجة أنهما أصبحتا مرعبتين، أخذت الهاتف وأخفته، وهي تلعن كمال وتربيته لتلك البنت، وإنّه هو من أعطاها المرونة حتى انفلت عقدها. وكيف لفتاة بهذا العمر أن تعشق وتهوى. بل إنها سمحت لذلك الحقير أن يقبّلها وتلامس شفتيه شفتاها. وليتها على الشفة. فربما راح الموضوع أبعد من ذلك . فهو يقول أحضنك، يعني الموضوع أكبر من قبلة. آه أيتها الحقيرة ) ص 238، وبعد أن يتكاشفا فيخيب ظنّ الأم، إذ أن اسم نسيم لبنت وليس لولد، وتنهار سارة وتكشف لأبيها علاقة أمها بــ ( حروف منكسرة )، فيتحقّق كمال من صحة أقوال ابنته، وتبدأ أعمدة الأسرة تتهاوى، وتنفكّ تلك الروابط الأسرية العميقة، وتترك ليلى البيت غاضبة، لترحل إلى أهلها، وهناك مفاجآت كبيرة داخل متن النص اتركه للمتلقي، لكي لا أفسد عليه متعة المتابعة والتشويق.

إنّ رحلتنا في فضاء رواية ( الوجه الآخر ) للروائي ضرغام علاوي،والذي يقدّم لنا من خلالها أحداثاً سردية متماسكة لحياتنا المعاصرة وما يحدث فيها، عبر الواقعية الانتقادية بلغة سردية انسجمت والسياق الفني لمبنى النص. وبأسلوب حداثوي ، مستخدما التقنيات الحديثة في صياغة المفردة السردية

{ من اصدارات دار الجواهري للطباعة والنشر والتوزيع بغداد شارع المتنبي عام 2016

مشاركة