قراءة بنصيات فيّ السّياب

قراءة بنصيات فيّ السّياب

تسلّط القصيدة على البنية العميقة

حيدر الاسدي

يقول جبران خليل جبران ” ليس الشعر رأياً تعبِّرُ الألفاظُ عنهُ ، بل انشودةٌ تتصاعدُ من جرحٍ دام أو فم باسم ” ويقول الجاحظ ” الشعر صياغة وضرب من التصوير”.سؤال جدلي سالمح له اشارياً …ما هو الشعر؟ سؤال جدلي لا يمكن الاجابة عنه الا بالشعر ذاته..باغتتني هذه المقدمة وانا اقرا ما بين يدي من (نصوص) واتعمد هنا واسميها نصوصاً ، اعني هنا (الموتى لا يجيدون الحب ) واقوله هكذا دون تجنيس مسبق ،لانه من حسنات الكتاب انه لم يجنس لا من دار النشر ولا من مؤلفة النصوص.في هذه النصوص تتمرأى لدى المتلقي حفاوة بالغة من قبل المؤلفة بتاثيثات تندرج ضمن انبناءات عوالمها المحيطة..وهذا ما سيمفصل سيرية النصوص،ولكن التجربة الاولى للمؤلفة يغفر لها زلاتها في هذه المجموعة من النصيات والتي ساخوض غمار تفكيك بعض ملامحها ضمن اليات سيكولوجية تارة واخرى ضمن قراءة سوسيولوجية، واعود لاطرح استفهاماً واضحاً..هل وظيفة الشعر توصيلية…جمالية؟ ساترك الاجابة للمتلقي ولكاتبة النصوص، في السياب.البنية السطحية التي سادت النصوص جعلت المجموعة ككتاب مفتوح مشرع للقارئ ولا يحتاج متلقي تلك النصوص اعمالاً للفكر وتحريكاً للذهن لتفكيك بنية تلك النصوص وبالتالي هذا ما افقد صفة الجمالية التي يجب ان يتمتع بها النص الشعري!! واتحفظ هنا على مقولة (الشعري) لان غالبية النصوص افتقدت للشعرية ولم تهزني كقارئ اغلب النصوص التي ضمن المجموعة…هل ابدو قاسياً بعض الشيء؟ ربما…لان التجربة الاولى لكاتبة النصوص تحتاج مصارحة مكشوفة من قبل القراء والنقاد ولا تحتاج مديحاً مزيفاً حتى تعرف باي منطقة تشتغل ادواتها الادبية وربما سأقدم النصح لأول مرة لكاتبة في مقتبل الطريق واقول لها ان اسلوبها في كتابة النصوص يتواءم كثيراً مع الاجناس السردية.. لنعد الى محتوى النصيات..يلاحظ في مجملها بان الايقاع الموسيقي للغة سرق الكاتبة بالكثير من موافق البناء النصي وبخاصة في تكرارياتها في اغلب النصوص وعلى سبيل التنويه نص (خيبة) ص16. وبالنسبة لعتبة النص في (الموتى لا يجيدون الحب) ارى ان العنوان لو كان (الموتى لا يجيدون الحياة) لكان اكثر مقصدية ودلالية. كما ان الكاتبة (في السياب) لم تدخل القارئ بمقتبس تشويقي يومئ برمزية عالية الى متن المجموعة ، بل جاء المقتبس الافتتاحي جامداً ، كما انها في مجمل المجموعة لم تحسن استخدام علامات الترقيم ص9 نموذجا. وكذلك مارست اجترار مفردات من اخرى على طول المجموعة وهو ما ولد التكرار الممل وليس التكرار الذي يولد الايقاع الذي يمارس كسر الملل ص16.وما يحسب للمؤلفة (في السياب) باختيار العناوين لنصياتها . كاتبة النصوص بدت في بعض نصياتها في سرد كلام انشائي اميل الى السرد كما في نص (ابتعاد)

(عبثا حاولت تفنيدك

وعبثا احاول اثباتك

وانت اثبات المسائل المجسمة الاخرى

نسيان الفرضيات  لا يلغي دورها

واحتياجنا اليها

لا يجبرنا نسيانها…على اعتناق فرضية جديدة

او ابتكار نظرية!!) ص9

الى ماذا تفضي هذه الكلمات يا فيّ؟ وهكذا العديد من النصيات على نفس النسق والمنوال تسير في تاثيث فضاءاتها.

كما ان اغلب النصوص ان لم تكن كلها سيطر عليها (اخر:مغيب) في النص مارست معه الكاتبة اسلوب التجريب في اخفاء الشخصية وبنائها ولكن في المجمل يمكن جمع شتات الاخر في كل النصوص لنرسم لهذه الشخصية ،شخصية واحدة (هو الاخر المعني في المناجاة والمناداة) في النصوص المكتوبة بكافة تمفصلاته ومنغصاته وايجابياته وسلبياته.

كما غابت عن النصوص الصورة الشعرية(الفنية) بكافة تمفصلاتها ، بل وردت صوراً جامدة منطقية وكما يقال لا تهز متلقيها ، كما في نص(انفاسك من دخاني)

ورد في النص (وموت وولادة وجسد يتجسد

موشومة رئتاه باسمي)

يا في السياب انت سليلة بيت شعري كبير يتمثل في الشاعر الكبير بدر شاكر السياب ….كان عليك ان تقرأي الشعر العربي بروية وتسلسل واعتناء قبل ان تكتبِي نصوصك .

علامات الترقيم

وبخصوص استخدام علامات الترقيم ساورد للكاتبة وللمتلقي مثالاً بسيطاً لم افهم لما قوست فيه الكاتبة المفردات في نص (انصهار بالتفصيل) ص17

ورد (يشار الي بـ”نجمة” او” خط تحت السطر”!)

وبنفس النص(والدواة المنسكبة على اوراق العمر!) وكذا الاقواس التي وردت في نص(عاشق احمق)ص127 وغيرها من الامثلة التي لا يسع المقال للتحدث عنها .

كما ان اشتقاقات في غير الصائبة هي من طفت على النصوص كما في نص (انصهار بالتفصيل على سبيل التنويه)

(ما حياتنا الا تفاصيل مفصولة باحتراف)ص17

الم يكن على الكاتبة استخدام مفردات اكثر بلاغة وجمالية من هذه التشابه في الاشتقاق والذي يبدو في كتابته مبهراً للكاتبة….!

والحق يقال فقد ابدعت الشاعرة في نص ( اختيار) في المفردة والدلالة وموضوع النص لذا تستحق الاشادة على هذا النص.ولكن هل انتهت محاكمتنا؟؟هل انتهى مشرطنا النقدي من تشريح كتاب ( الموتى لا يجيدون الحب)..لا لم ينته بعد..برز لدى الكاتبة كتابة الخواطر بصورة كبيرة بل ان المجموعة هي كما قلت عبارة عن خواطر والدليل نص(عشق الخطيئة)ص22 و(انفصال)43 و(غربة القرار)ص44.

وبالعودة للحديث عن غياب الصورة الشعرية ، وغياب الرسم المنطقي للتخييل في بناء الصورة والتشبيهات هو حاضر كذلك في نصوص في منا في (صرخات الحرف) اذ تقول:

(ليتنصل الضباب من اعالي السفوح

وينحدر الندى من اوراق الصنوبر) ما جدوى هذا يا في؟

كما يبدو ان للكاتبة علاقة وطيدة مع (لندن) او يبدوا ان هذه المدينة ملهمة لها لانها وردت باكثر من نص في المجموعة كما في نص(لندن)ص105

يبقى ان اقول ان الكاتبة اختارت عناوين نصوصها بعناية تستحق الاشادة عليها كما ان هذه المجموعة هي تجربتها الاولى فلابد من ان تكون مملوءة بالنواقص من الناحية الفنية وهذا ديدن كل الشعراء والادباء الذين يصدرون منتجهم الادبي الاول في مقتبل العمر ، هي رؤية مبنية على التجربة في القراءة والنقد والتحليل اضعها امام (في السياب) علها تكون ملاحظات مفيدة في كتابتها للنصوص المقبلة.بقي ان احي فيها شجاعتها على دخولها هذا المضمار العميق في ظل وجود شعراء كبار في بصرة السياب ومحمود البريكان واحمد مطر وسعدي يوسف واخرين.