بنية الكتابة في رواية النفق لمحمود قنديل
ممازجة الحكاية والسرد بين السخرية وإمتياز اللغة
علي لفته سعيد
تبث رواية النفق للأديب المصري محمود قنديل آراءها السياسية بطريقة فنية.. فهي رواية تعالج الواقع وتنتقده مثلما تحمل طاقاتها على انها رواية فيها حكاية وفيها سرد مقنّن وفيها لغة تذهب بعيدا في المتن السردي وتقترب من جعل الحكاية عبارة عن واقع منقول لكنه واقع مزاح من واقع سياسي له اثر ليس على المحيط الداخلي بل حتى الداخلي.. والنفق في المدلول القرائي وليس اللغوية هو المكان المنغلق الذي يكون تحت الأرض يوصل بين نقطتين او مكانين فان الروائي هنا جعل من روايتي تعالج مكانين من نوع آخر المكان السفلي الذي مثلته العجوز والمكان العلوي الذي مثله سالم وأمل وأخته سلمى والنقطة الرابطة بينهما هو سالم ذاته حيث يكون الباحث عن مخرج من النفق ومسطر لما يوجد في النفق الذي يمثل ايضا الوجه السالب للحياة والحيلة المقيتة للسلطة والمنطقة التي تهرب اللوعة من الحرب.. والنفق بداية مثلما هو نهاية وهو هدف مثلما هو غاية وهو استعارة منثلما هو حقيقة وهو مخيلة مثلما هو واقع لان المتن السردي لا يتحدث عن نفق بعينه بل عن انفاق الحياة ومتاعبها واحلامها وآمالها.
الاستهلال وأدوات المعنى
تبدا الرواية باستهلال مفضوح يوازن بين حالتي الشد والجذب وما تمثله الشخصيات من عناوين ملهمة للعمل الروائي.. الاستهلال منطقة الاستلاب مثلما هو منطقة الانطلاق التي تريد الاحتكام بين التضادين العجوز بوجهها المشرق ومنديلها الإرجواني والمقبرة والزمن ليلا أي الظلام وهو استهلال بدء الرحلة الى المجاهيل المعلومة والمعلوم المجهول حيث تكون التأكيدية التي يستخدمها الروائي في الاحتكام الى معالم الشد والجذب الى روية المتن فتتوحد الرؤية بين الشخصية / سالم الموازية لفعل الانتقاد السياسي والنقد للواقع والباحث عن مخرجات تشير الى بقاء الامل وهو يحمل (جواله )/ كيس الجنفاص على كتفه وهو كيس الامل والضوء وايضا كيس الجثمان لأمل الزوجة الشخصية الموازية للفعل الروائي فتنحدر الرؤية التي تمثلها العجوز والرؤيا التي يحملها سالم في حنينية لا تريد أن تخيب (فوضعت الجوال عن كتفي/ حيتني بكلمات طيبة، وضمتني كأم حانية )ص7 وهي هنا لب الاستهلال ومعناه وغايته حيث تقوده كعجوز تمثل البلاد والتاريخ والأرض والخالة حيث يناديها كأم وارض وقارئة لما سيأتي وارتباط بالسماء واللغة المبحرة في تلابيب الايمان فتكون الحركة الاولى المصاحبة للعجوز وسالم هي كيفي الخروج من النفق او معرفة ما يدور داخل النفق الذي يمثل الحياة الجديدة التي جاءت بها السياسة وجعلت الناس تعيش وسط كل المخلوقات المادة للفعل والتي صيرتها الانغلاقات على النفس والحروب التي كادت ان تقتل الناس أو قتلت ناسا وابقت الاخرين أسرى.
اللغة
أول ما يصادفك او ما يميز الرواية ليست فكرتها فحسب وطرق معالجتها وإدارتها بل لغتها أيضا.. اللغة التي تأخذ بالمتن السردي ليكون شعرا وتقود الحكاية لتكون قصة.. وما بين الشعر والسجع تحمل اللغة أكداسها من تعب الواقع لتنوء مع لحظة البحث عن تأويل.. هي لغة بين القص ولسرد الروائي فتنقاد الحكاية عبر بوابة الراوي المتحرك بين طريقتي الأنا والغائب الى اعلى مراحل التماهي مع المضمون فتتداخل المستويات معا في الجملة (تسكت، فأسمع ضحكات مجنونة، ومناجاة مجهولة، وصرخات مشحونة ونداءات محمومة) ص.9
واللغة التي يديرها الروائي تقود العمل برمته وكانه ينسج روايته من خلال اللغة فيوزع نوتاته اللغوية على مستويي طريقة الرد ما بين الأنا المتحدث والغائب الذي ينفخ في روح الأنا فتخبو اللغة مرة لحساب المستوى التصويري ويصيبها الجمر لحساب المستوى القصدي وخاصة في الحوارات التي تدور بين سالم الواقع والعجوز التاريخ والأم والبلد والخوف والقلق والترقب فيكون المعادل الموضوعي مركب بين الشخصيتين بين الامل المفقود والشيخوخة التي ترسم طريق الواقع لإعطاء دوافع دامغة.
ان الروائي جعل من لغته قائدة لمجموعة الحركات الدالة على الصراع والحكاية .. فهي تتحرك لتحرك المستويات السردية معا ومنها المستوى الإخباري الذي يمد راسه في أول السطر ليتحرك المستوى التصويري معه حين تقوم الوصفية في متابعة اثر الصراع والفعل الدرامي المصاحب لحركة الابطال خارج العجوز في حين يتحرك المستوى القصدي والتأويلي مصاحبا حركة العجوز مع سالم.. ولهذا نجد ان اللغة في توصيف ما يصادف العجوز تترك على محنة التصوير واستخدام المفردات التوصيفية كمضاف ومضاف إليه ليس من الناحية اللغوية والاعرابية بل من ناحية التوصيف لما يصادفه من كل السوداويات.. طيور جارحة واسلاك عارية وافاع ونساء عواقر جذوع أشجار افواه تماسيح ورؤوس ثعابين واشواك تعوم وكل ما له علاقة بالمرارة.. لذا يمكن القول ان اللغة ارتكاز لبنية الكتابة فكانت سريعة تمتلك القوة والدهشة معا ولا يمكن تغافل سيطرة الراوي على المنطقة اللغوية وقصديتها في انبثاق الصراع وتصاعده فتكون اللغم كسيطرة على السرد والفكرة تمتحن المتن وكلها تتجمع في عهدة اللغة المختصرة غير الممطوطة والمراقبة والشاهدة والصامتة والقاسمة نفسيها على شطري السرد والشعر ولها روحان روح القصة وروح الروي او انها لغة القص المدود بحكاية وشخصيات فتطيل القصة في زمنها السردي لتكون رواية من شعر والعكس متناظر.
التمركز ونقد الواقع
الرواية لا تسير على نمطية الرواية المصرية المتعارف عليها والتي يغلب على الكثير منها النمط الارسطوي او النمط الذي اراد التجريب في منهجية التنقل بين الزمن والمكان بل في هذه الرواية استخدم نمطية التنقل في مفهوم اللغة كما اسلفنا وما سنقلوه عن منهجة الحوار وجعله سمة عليا.. الفكرة نقد للواقع والتراوح ما بين الفنطازيا والتغريب والسخرية والتهكم.. الوصف يتحول الى هلع وديناميكية القصد وديمومة التحول من الخوف الى الخوف ومن الرعب الى الدهشة.. الفنطازيا والغرائبية تحكم في حركة الشخصيات وبث ما يريد الروائي من معلومات ونقد وبث افكار بطريقة أخرى تحتاج الى لقارئ يربط الاحداث والمعنى المزاح من المفردة.. لم يكن معنيا بالسرد التصاعدي او المتقافز بل في اختيار طريقته المختصرة التي قد يراها البعض قلة صبر وعدم المطاولة لمكنها لم تكن تحمل زيادة الشخصيات او اضافة تهكمات او إطالة الفنطازيا المتصلة بحركة العجوز او البحث عن الأمل و(أمل ) المحمولة داخل الجوال حيث يمضي معها.. الفنطازيا والتغريب والسخرية جاءت على شكل نقد وانتقاص معا .. فانتهج جملة سريعة ليضع نجمات داخل القسم الواحد ليبدا ليس بزمن أخر بل بالقفز على الزمن ذاته لإراحة المتلقي في منطقة حرة من التفكير والملاحقة حتى أنه يقفز أعواما هو غير معني بهذا الزمن أو السياق ونرى ايضا النقد والانتقاص في ذات الوقت وهو يحمل سوداويته كذلك:
( – مرة رأيت ثعبانا يتسلل الى بيتنا، فهببت جاريا، لكن سلمى اختي أمسكت ببلطة وقطعت راسه/ وقالت: جيل جبان. ولما حكت لعمي اشار نحوي وهو يقول: هؤلاء سيحررون الأرض ويحفظون العرض، ثم هتفت: عاش جيل اليوم.. عاش جيل اليوم. وبكى عمي) ص26
لذا من الممكن القول ان في الحوار مربط الفرس في حكمة الاقوال والتاريخ ومحنة الحاضر واسئلة الواقع وثبات الأسئلة وكينونتها وانصهار المفردات والمصاهرة بين السخرية والسوداوية وبين البحث عن الامل وبين الموت وان فيه النوايا ايضا فتخرج من جيب الحوار مفاعل السرد.. حتى ان الواقع كون سالم صحفيا وكاتبا يطرد من وظيفته لأنه قال كلمة حق في زمن سياسي فيبعث الحوار على بث الواقع بطريقة التهكم منه خاصة وان الصحيفة التي طرد منها اسمها الحقيقة . ص53
وهو أيضا ما نراه بتجميع التأويل في مقطع آخر
(
– النار اشد حرا يا ولدي.
– سلمى تعشق الصيف.
– وأمل؟
أمكنت تعرفينها؟
………
كان الربيع عشقها
الربيع مات.
لكن “أمل” لم تمت) ص60
وهنا ثيمات نقدية يمكن الاخذ بها الى الربيع العربي ومنها الى الربيع الداخلي وكذلك ما يتصل بالعقم وتليف الرحم والانجاب.. لذا اراد الروائي بحركة راويه ان يقول ان أمل هي الامل ومعاناته في الواقع والمجتمع.. الأمل الذي يصارع المرض وينزف دوما حتى عاد لا ينفع معه العلاج لان الواقع مريض كسرته وآذته ودمرته الوحوش التي تريد قتل كل شيء يرتبط بالإنسان.
الحوار
الحوار له ميزة خاصة هنا.. فهو كما قلنا ثمة لغة متسارعة تجنح الى القصة في اغلب المفاصل لكنها قصة دخلت السرد الروائي مثلما دخلت البنائية ما بين المتن القصصي والسرد الروائي فانتج المنتج حوارا يحمل بين تلابيبه صيد الفكرة واختصار الزمن واعلاء شأن التأويل ومنح التحليل سمة القبول من قبل المتلقي.. الحوار ينقسم ايضا الى قسمين.. الحوار الذي يجري بصورة طبيعية بين سالم والعائلة سواء اخته او زوجته او الطبيب أو اية شخصية أخرى في اقسام التي يكون فيها استخدام طريقة الغائب نهجا لتبييض الفكرة وأيضا الحوار الفلسفي والقصدي الذي يكون بين العجوز وسالم والذي تكمن في روحه مفاتيح غارقة في اعماق القصد الذي يجب على المتلقي فتح مغاليقه فكان حوارا يحمل فلسيفة ينطلق من فم العجوز التي تمثل كل ما له علاقة بالواقع من تأزيم يبحث عن ضوء.. ورجل هو سالم يبحث عن ذاته مثلما يبحث عن قدرة ومقدرة الإجابة على السؤال الذي يقود الى المخرج والبحث عن أهمية الحمل ال1ذي ينوء به ليكون في آخر المطاف هو الضوء وأن كان الامل ميتا من خلال امل الزوجة التي تعاني من نزف في الرحم والولادة التي حصلت بعد تعب والخوف من فشل العملية التي تمثل استئصال الواقع رغم انها طبيبة كما يقول لها زوجها سالم .. لكنه اي الحوار يأخذ مجرى الشعر لانه يريد اي الراوي ان يختصر المسافات في وضع الدليل امام المتلقي لكي يتماهى معه ويستدرك القصد مرة واللعبة السردية مرة أخرى بمعنى ان المهارة التي تقود العمل الروائي جعلت الحوار يكون أحد أعمدة المتن وليس تكميليا لان الحوار لم يكن نابعا من حركة مشهدية او انه استكمال لوقائع الشخصيات بل روح اخرى استخدم فيها الشاعر تلك التضادات والتشابهات في المعنى واللفظ
(- مال النهاية يا خالة ؟
– النهاية بداية يا سالم.
– النهاية حلم.
– البداية حقيقة.
– الحقيقة وهم.
– الوهم خيال.
الخيال واقع) ص27
( – متى اصل؟
الحساب في معية حسيب.
وكيف نعلمه؟
العلم عند معلم عليم.
أريد أن أعود لابنتي.
العود عائد يا ولدي
متى؟ أقول متى؟
ليكن صبرك صابر ) 36
ومن هنا نرى ان الحوار يكمون مبنيا على اساس ان المستوى القصدي سيكون حاكما ومحكومات ليسارع المتلقي الى الاعتماد على المستوى التحليلي الذي يمنحه الحوار ايضا ليطرح سؤاله الموازي لفنطازية الاستهلال واقسام حركة العجوز التي تمثل الولوج الى النفق مثلما تمثل مرحلة الخروج منه.,
حتى ان الحوار يمنح توضيحا للمعنى السياسي المرتبط بهكذا واقع ليس على الجانب الشخصي بل حتى على محيط الشخصيات
(- ما اخبار الحرب يا سالم؟
– بيننا من يساعد عدونا على ضرب شقيقنا.
– هذه خيانة
– يسمونها سياسية
– السياسة لعبة قذرة.
– والحفاظ على كرسي الحكم بأي ثمن لعبة قذرة ) ص31
الزمن
في لعبة الروي يكون الزمن عاملا في تثوير الصراع وتصعيد الفعل الدرامي ولان المكان هنا ليس بملامح محددة غذا ما استثنينا اماكن الواقع كال البيت والمستشفى وغيرهما فان المكان الآخر يرتبط بالنفق من حيث الدلالة والعنوان والمدلول والتأويل وجمع قصديات الفكرة ولملمة آليات التكوين لأسئلة المستوى الفلسفي الهائم تحت أجنحة ما هو مبثوث من مفردات وجمل وحوارات.. لكن الزمن يتحاور مع السرد ينتقل من فترة زمنية الى اخرى كما هي صيغة الروي الانا الماضية الباحثة عن قدر مجهول والانا الحاضرة التي تبحث عن أمل آخر غير أمل الميتة الموضوعة كجثة مرموزة في ( جوال ) الزمن يمشي بتساوق جميل حتى كأن الماضي هو الحاضر والحاضر هو الماضي ربما انفلات من اللعبة السردية وتلك الطريقة التي انبنت عليها البنية الكتابية لكنه انفلات محمود وربما مقصود ان لا يكون الزمن متشظيا يعود الى الماضي ويرجع الى الحاضر يذهب الى الحاضر ويمشي معه.. الزمن قراءة القران والزمن الدخول مع العجوز في مناطق مخيفة كنفق الحياة والعودة الى امل والحب والاخت سلمى التي صارت هي الام بعد ان ماتت خلال ولادة اخوها وموت زوجها وابنته امال وابن سلمى بذات الاسم وحتى ان الجوال صار مشخصنا بزمنه حيث يحمله في الزمنين زمن وجود أمل معه وزمن حاملها على كتفيه ليبقي الامل مفتوحا كما حصل في النهاية حيث تتوضح الدلالة ويجتمع الزمن في زمن واحد.
الخلاصة
أن بنية الكتابة في تعتمد في جانبها الآخر على حالتي سرد متناغمتين ومتضادتين.. الأولى المتعلقة بما تتحرك على مساحته العجوز التي تتكئ على المستوى القصدي والتأويلي والسخرية والفنطازيا واللغة المتسارعة المبنية مرة على الشعر والأخرى على المتن الحكائي وهي هنا مملوءة بمسامات التفكير وإطلاق الأسئلة التي تتمحور بين حالتي النقد والايمان والخلاص. وإذا ما جمعنا البناء نجده يعتمد على ضربة الفكرة بأجمعها اقحام زمن مرتكز على تصاعديته حتى ل:ان الحكاية لا تبدو مسرودة ولا هي داخل متن حكائي لان الروائي ينغلق لينفتح وينفتح لتقلص ويختصر .. يمضي فينقطع يقف لنتقد ويبني من جديد.. وما بين روحية هذا الجمع الكلي يريد معالجة رؤيوية لذلك انهارت لديه ثوابت السرد فانتج تأويلا ورواية قصيرة وتمكن من معالجة الحكاية من خلال 21 مقطعا يتقاسم فيها الراوي المتكلم والغائب لكن لا يتساوى فيها السرد ولا تستقيم معها الحكاية لكن المتلقي يرى ما يراد منه أن يراه من خلال ترك مقطع رقم 22 الزوجي ليستكمله ويضع لغته التي تناسب ما توصل إليه من قصدية أو جمعه من معرفة التفاصيل.. ورغم انه جعل النهاية يلتقي فيها الطرفان عند بوابة النفق ليستكمل سالم حمله للجوال وهو كيس العمر والحياة والبلاد وأملها
(- مكتوب أن أعود.
حين اجتزت النفق وجدت سلمى وابنها سالم ، وآمال ابنتي وكأنهم في انتظاري.
اين أمي يا أبي؟
ضممت الجوال، ونظرت الى مقبرة كنت قد شيدتها:
لقد عادت من سفرها، وستكون معنا.
وراعتني صورة كبيرة في يد سلمى.
صورة من هذه يا سلمى؟
لا أعرف، لقد رايتها موضوعة أمام هذا النفق.
كانت الصورة للعجوز التي كانت معي، وأسفلها كتب تاريخ وفاتها. ص88.
























