الدلالة المعرفية في الشيخ والبحر

بساطة عميقة في إطار رمزي

الدلالة المعرفية في الشيخ والبحر

 علي حسن

 رواية الشيخ والبحر1 للكاتب الامريكي ارنست هيمنغواي  من الاعمال الابداعية التي نالت شهرة كبيرة من بين الاعمال الروائية في العالم وقد كتبها بعد روايته ( عبر النهر , وبين الأشجار) التي لم تنل قبولا من قبل النقاد حيث أعلنوا  بعدها موته الأدبي لكن  هيمنغواي  سرعان ما رد قيمته الأدبية لنفسه  بعد أن كتب روايته القصيرة الشيخ والبحر ونشرها في العام 1952م  حيث  لاقت قبولا  حسنا من القراء ومن النقاد معا  حصل بعدها على جائزة بولتزر الادبية  في العام  نفسه . ورغم ان الجانب الرمزي الذي أضفاه هيمنغواي على روايته هذه إلا ان الرمز لم  يطغ عليها كثيرا لأنها حوت على معان ودلالات  وأفكار عديدة  فلم تقتصر على الرمز فقط  بل كانت كما قال هو من انه حاول أن يجعل منها رواية حقيقية يعيشها رجل حقيقي  وأسماك قرش حقيقية وقارب حقيقي .. وولد حقيقي2 أي انه اراد منها أن تمثل عالما حقيقيا هو عالم الصيد بكل أسراره وخفاياه  وما يكتنفه من عقبات او مشكلات بأسلوب درامي يبرز ما وراء الحالات الكثيرة التي عكست المعرفة التجريبية             لعالم البحر والصيد . ففي قارب حقيقي يخرج الرجل العجوز الى البحر وحده  آملا  أن يصطاد سمكة كبيرة . أما لماذا سمكة كبيرة ؟ فلأنه أراد ان  يباهي بها الصيادين في قريته الساحلية الفقيرة  من ناحية ومن ثم يقوم  ببيعها بسعر عال  من ناحية اخرى . هكذا كان يفكر . لكنه لأكثر من أربعة وثمانين يوما  قضاها في البحر لم يصطد شيئا (كان رجلا عجوزا يصطاد السمك وحيدا في زورق صغير في تيار الخليج وقد أمضى أربعة وثمانين يوما حتى الآن دون أن ينال سمكة –  ص14  فلم يصبه  هذا  بقلق ما  كما  لم  يحز في نفسه  كثيرا فقد كان  صبورا  جلدا  وعلى دراية تامة  من أنه  سيحصل على سمكته الضخمة  في يوم ما إن لم يكن اليوم فغدا إن كان محظوظا (لم يحالفني الحظ فقط . لكن , من يعرف ؟ ربما اليوم . كل يوم هو يوم جديد . يحسن أن تكون محظوظا – ص39  وفي  قاربه كان  ينظر ويراقب خيوط صنارات الصيد  لعل واحدا منها يهتز بين  يديه لكنه  رأى بغتة  طائرا  بحريا يحوم فوق بقعة من ماء البحر . كان الطائر يغوص فيها  ثم  يرتفع عنها الى أعلى . فأدرك ان هناك شيئا ما يجذب الطائر اليه  وإلا فلماذا يحوم  فوق بقعة الماء  تلك إن لم يجد شيئا . وماذا في البحر غير السمك ؟ وكان  إدراكه  مما رأى صحيحا   فسرعان ما خرجت من بطن البحر أسماك طائرة  تندفع  منه   الى أعلى لتبحر يائسة فوق سطحه  (ارتفع الطائر الى أعلى في الجو ثم غاص فجأة , ورأى الرجل العجوز أسماكا طائرة تندفع خارجة من الماء وتبحر بيأس فوق سطح الماء – ص40 . إن هذا الإدراك النابع من المعرفة هو الذي مكن الرجل العجوز من ان يستدل على وجود السمك تحت قاربه سواء كان في الأعماق ام قرب سطح الماء فاعتمد الاستدلال وصولا الى المعرفة ولولاها لما امكنه ان يجلي سر ما كان يرى .  وفي الرواية  كثير من هذا حيث وظفه  الرجل العجوز لصالحه كلما خرج الى الصيد في البحر فمما أبان عن دلالاته المعرفية ما جاء في الصفحة 46  حينما شعر الرجل الصياد بتوتر خيط احدى الصنارات بين يديه  (هذه المرة كان جذبا مترددا ليس قويا ولا ثقيلا . عرف بالضبط ماذا كان) . وحينما كانت صناراته التي القاها في البحر على عمق مئة قامة  في شهر تكثر فيه الأسماك الضخمة قال في الصفحة 73 (سمكة على هذا البعد لابد ان تكون ضخمة في هذا الشهر) . لكنه حينما رفع عينيه الى السماء ورآها قد تلبدت بالغيوم واختفت منها النجوم أيقن بأنه  (سيحل طقس سيئ خلال ثلاثة او اربعة ايام لكن ليس الليلة ولا غدا – ص 78   وما  أوردته  انما كان للتمثيل لا للحصر فلا يمكن عده اخر ما جاء في الرواية .  وحينما حل اليوم الخامس والثمانون كان لايزال هو في مكانه في البحر . وهناك تهيأ له  الحظ  فاصطاد سمكته العظيمة التي كان يأمل أن يصطادها  لكن مسيل الدم الداكن منها أخافه  وأوقظ فيه  وجسه  مما  سيكون بعدها (وعرف الرجل العجوز ان وقتا سيئا جدا سيحل به – ص 99 أما لماذا ؟ فلأنه يعرف معرفة اكيدة ان اسماك القرش الفتاكة سوف تهاجمه حتما خاصة وان بقعة الدم الداكن قد تغلغلت في الاعماق مما سيجعل القرش ينتبه لما اصطاد بعد ان يكون قد شم رائحة دمها التي  يقطر منها . إنها ستأتي حتما . هكذا بنى تصوره على مجيئ القرش الى قاربه (لم يكن القرش صدفة . صعد من عمق الماء في الأسفل حينما استقرت سحابة الدم الداكنة وانتشرت في البحر بعمق ميل –  ص94  وكان تصورا صادقا .  فالدم هو ما أنبأ عن السمكة المثبتة بقارب الصياد العجوز     ولولاه  لما عرف القرش شيئا عنها  ولأمكن للصياد أن يفلت بصيده منها . لكنه لم يفلت إذ سرعان ما اندفع القرش اليها  ودار عراك قاس بينه وبين الرجل لم يلبث الأخير أن غرز حربونه في رأسه  في موضع الدماغ منه  بعد أن رفع القرش رأسه الى أعلى . انقلب القرش مرة ومرة  ثم هبط ببطء شديد الى أسفل …  حين دفع الحربون في رأس القرش في نقطة يتقاطع فيها الخط بين عينيه مع الخط الذي يجري مرتدا مباشرة من أنفه . ذلك كان موضع الدماغ ص 96   ولم يكن مقتل القرش عفوا أو دون معرفة من الرجل العجوز لا . بل كان على دراية تامة بما يفعل ولذلك حسم الصراع مع القرش حين غرز حربونه في دماغه .

ولولا ذلك  لظل يعاركه دون أن ينال منه ولهده التعب ولفقد سمكته بعدها وهذا ما جعل الولد مانولين  على مواصلة  معه  ليأخذ منه  ما يثري معرفته   يظل ملازما له كي يحصل منه على ما يثري معرفته حينما يخرج الى الصيد وحده في قابل الايام أو السنين فقال له:

( – وأفضل صياد سمك هو أنت .

– لا . أنا أعرف آخرين أفضل مني .

قال الولد – هراء .يوجد كثير من الصيادين الجيدين وبعض الصيادين العظام . لكنك توجد أنت فقط  –  ص31 ) وهو ما دفع به اليه لأنه كان على يقين انه لن يجد افضل من الرجل العجوز صيادا يمكنه ان يتعلم منه اسرار الصيد حين يخرج معه الى البحر  فعزم على البقاء معه هو لاسيما وان امامه شيئا كثيرا خافيا عنه ولا يعرفه وعليه ان يتعلمه حين يخرج معه الى البحر ولهذا بادره :

 – الآن سنصيد معا مرة اخرى .

– لا انا لست محظوظا أبدا .

قال الولد – الى الجحيم بالحظ . سأجلب الحظ معي .

– ماذا ستقول عائلتك ؟

– أنا لا أهتم . اصطدت اثنتين أمس . لكننا سنصيد معا الآن فلا يزال أمامي الكثير لأتعلمه – ص114 .  ولم يقتصر هذا على الولد بل تعداه الى الرجل العجوز ايضا الذي رأى انه يتعلم مما يفعل . والفعل هو الذي يضيف الى معرفته التي حصل عليها من قبل معرفة اخرى .انه اكتناز المعرفة     ( أنا اتعلم كيف أفعل هذا – ص73) وفي الصفحة 49 ( ماذا سأفعل إن قررت أن تهبط الى اسفل ؟ لا أعرف ماذا سأفعل لو غاصت عميقا وماتت هناك . لا أعرف )  وأراد الرجل العجوز بهذا ان يتخطى ما لا يعرف الى ما يعرف  وهذا أمر لا يمكن  أن يحصل عليه الا إذا فعل فعلا حقيقيا لا فعلا تجريديا  ..  فعلا  يعطي للفعل القائم  على  الممارسة قيمتها  حقا  إذ  بدونها يمسي  الفعل  سلبيا  ازاء ما يتعرض له  الصياد  حينما  يصطاد  في البحر  ولهذا أقر بعدم امكانية الفعل لو غدت سمكته التي اصطادها  تبتعد بعيدا عنه وهي  تنزل  الى  اعماق  البحر . وهذه اشارة ذات حيوية فائقة اراد بها هيمنجواي أن يثير انتباه القارئ   لما  قاله الرجل الصياد لكن دون أن يفصح عنه وترك أمره للقارئ  ليتدبره ويفهم ما وراء . ويمكن الاستدلال على ما يماثله بين ثنايا الرواية .

 إشارتان

(1)    ترجمت رواية الرجل العجوز والبحر لمرتين في اللغة العربية . كانت الاولى في النصف الثاني من القرن الماضي  ترجمها منير البعلبكي . وهي ترجمة جيدة  لم تشبها شائبة ما وقد وسمها بالشيخ والبحر . وكانت الثانية في اوائل هذا القرن ترجمها سمير عزت نصار . ووسمها بالرجل العجوز والبحر . وعليها اعتمدت في ما كتبت . لا لشيء محدد بل لأن ترجمة البعلبكي ليـــست بين يدي.

( (2 قال انه حاول ان يقدم ( رجلا عجوزا حقيقيا , وولدا حقيقيا , وبحرا حقيقيا وسمكة حقيقية وسمك قرش حقيقي . لكنني جعلتها كلها جيدة وحقيقية تماما حتى تعني امورا كثيرة . من مقدمة رواية الرجل العجوز والبحر – ص11. وهي ترجمة – سمير عزت للشيخ والبحر – تشوش القارئ كثيرا لكنها متقنة من الناحية اللغوية تماما وان شابها شيء من القلق . لذا فان القارئ يحتاج معها الى التأني في ما يقرأ. والا انفلتت الخيوط من بين يديه . ولغدا في حالة قد لا تسر .