فندق السلام لمحمد سعد جبر الحسناوي 1-2

فندق السلام لمحمد سعد جبر الحسناوي    1-2

تسجيل بارع وسرد شيّق لأحداث أيام دامية

حميد الحريزي

العنــــــــوان :-

فندق  السلام  أم  فندق الآلام؟؟

العنوان  دالة مهمة وإشارة بيانية  إيحائية من قبل الكاتب المرسل الى المتلقي المرسل إليه ، يوقف عنده الكاتب كثيرا  ليكون بمستوى المتن الحكائي وهويته   أولا ، ووسيلة جذب انتباه القارئ لاستيضاح ما يخفى وما يبطن من خلال اندفاع المتلقي لمعرفة ذلك عند قراءته للنص السردي  والشعري  ثانياً وبذلك  يحقق الكاتب هدفه في الكتابة من خلال العنوان اللافت  والمثير للتساؤل…

فعنوان  (( فندق السلام )) ، في الوقت  الذي  يشير الى دلالة  مكانية واقعية  ، فهو  فندق  سياحي قامت  السلطة  بإنشائه في شمال مدينة النجف  على الطريق العام الرابط  بين مدينة النجف ومدينة كربلاء في  مقدمة  احد هذه الأحياء المسمى ((حي السلام)) ، وقد شكل  هذا الفندق دالة وشاخصاً سلطوياً بالنسبة لعامة  النجيين ، وهذه  ظاهرة  عامة في العراق  والدولة المشابهة  فمؤسسات الدولة هي ملك  الحكومة  الاستبدادية  نتيجة  القطيعة  بين السلطة  والمواطن ، نتيجة اغترابه  عن  الحكومة  ، فهي وسيلة قهر واستغلال للمواطن  فهو  شاخص   معاد دائما ،  وهذا  هو احد الأسباب التي أدت الي قيام الجماهير المنتفضة  بحرق ونهب وتهديم اغلب مؤسسات الدولة  بما فيها المدارس ، غير مميزين بين  الدولة والحكومة ،  باعتبار الدولة  ملك  الشعب ووليدته  بينما  الحكومة في  هذه البلدان   وليدة   حزب  أو  طبقة  أو  دولة مستعمرة …

هذا  الفندق اتخذته السلطات الديكتاتورية مقرا لقواتها اأثرا، الفاشية أثناء وبعد  فشل  الانتفاضة الاذارية ، فكان فندقا للآلام وقاتلا للأحلام، احتجز فيه آلاف الرجال من الشباب والشيوخ  وحتى الاطفال  وجرت عملية إعدامات مباشرة في داخله وعلى جوانبه خصوصا بعد ان أخذت تجوب النجف سيارات السلطة تدعو العسكريين للالتحاق الى فندق السلام بعفو من القيادة وبعذر أنَّها ستوفر لهم  وسائل  النقل التي ستقلهم الي وحداتهم  ،  وقد كانت  هذه الدعوة مصيدة ومكيدة حقيرة وقذرة  لإلقاء القبض على الشباب ومن  ثم إعدامهم أو إرسالهم الي معسكرات التعذيب الوحشية في الرضوانية أو  في  آمرية الانضباط العسكري والتي لم يفلت منها حيا الا وهو مصاب بعاهة جسدية أو نفسية خطيرة.بعد انهيار النظام  في  2003  لم  يبقَ  لهذا  الفندق   أثرا ، حاله  حال  العديد  من  المؤسسات  القمعية  في المحافظة.

وبذلك كان عنوان الرواية يحمل معنى التضاد   لو وجدت علامة استفهام  أو تعجب بجانب الاسم، نرى كان الأحرى ان تسمى برواية (( فندق  الآلام )) وليس فندق السلام .

((علي)) الثائر عاشق ال((إيمان)) في  رحاب حي(( الحسين)).

الشخصية المحورية في الرواية هو الشاب الثائر  الذي حمل  القيم الايمانية ((علي)) وهنا علي هذا الاسم الذي  يتماهى وعظمة وقدسية وهيبة وعظمة رمز الشجاعة وحامل القيم الايمانية وناصر الضعفاء والفقراء ،  حامل سيف الحق  والعدل ، المقتول غدرا  من قبل  اهل  الضلالة ((الإمام علي  بن  أبي طالب  عليه السلام ))، فكان علي في الرواية الشاب الذي يغلي حماسا وثورة ضد الظلم والقهر المسلط على أبناء شعبه ووطنه، يتصف  بالمبدئية والجرأة والإقدام على الفعل  والقول ،  ويتصف  بالفطنة والقدرة على القيادة والتوجيه وتشخيص  مواطن الضعف والقوة لدى الخصم ،  يتصف  بالفراسة في  تقييم وتشخيص  إمكانيات  وقابليات ومميزات من  يحيطه من الشباب، كذلك فهو يحظى بحب واحترام الثوار من الشباب ، ويثير خفيضة وحذر وخوف العملاء والمندسين والخونة  الى درجة التخطيط  لاغتياله في خضم معارك المواجهة مع  قوات السلطة.

ولكي  يضع الكاتب ((عليا)) في  بيئته ، فكان هو عاشق ال ((إيمان)) تلك الفتاة البريئة النقية الذكية  الطاهرة المخلصة لـ (( علي)) حلمها وأملها رافع  راية الإيمان  وحامل  مشعل المبادئ فهو  لباس  لها وهي  لباس  له  لا يليق  احدهما   الا  للآخر ،كل هذا العشق  يدور في  رحاب  حي ((الحسين )) أمام الثورة ورافع لواء الإصلاح،  ووريث ((علي)) وخليفته من بعده، هذا العشق  النقي  لدى  ((علي)) لـ ((إيمان)) في حيز  ورحاب ((الحسين)) الفواح بعطر قداح الثورة على الظلم المضمخ بعطر الحب والصدق  والوفاء ، وهنا كل  شيء محاط  بالقدسية والنبل  والرفعة والسمو ..وهو ما يرمي إليه الكاتب .

كلمة الحوزة

ان عليا ثائر ، عاشق، عليا سامع كلمة الحوزة ومنفذ ومجند نفسه وباذلا  حياته على طريقها ، علي صلة الوصل بين علية القوم في  مدينة النجف ، الخوئي والسبزواري والصدر ، وبيت شمسه  وفخر الدين  وسعد راضي والبو غنيم   والخرسان ، وبين فقراء وكادحي النجف  من فقراء وكادحين من عمال وكسبة وحوذيين  أمثال (( سلمان الحافي)) وعباس وخضير وعبد الزهرة  وغيرهم الكثير ،  يبدو لي ان  هناك رابطا  واعيا بين الـ((الإيمان)) في حي الحسين وبين العلم في ((حي  المهندسين))، فالعلم  والإيمان كلاهما   يطلب العدل  والحرية  والسلام ، كذلك  العلاقة  بين حي الأنصار والجديدات والحي العسكري ودوارنهما حول  قطب مرجعيتهم حول  الضريح المقدس مقر الحوزة الدينية   التي  ساندت  الثورة …

وبذلك  أرى ان الكاتب كان واعيا لما يريد قوله مشبعا بروح القيم الدينية  مستلهما دروس التضحية من رموزها الكبرى عليا وأولاده وذريته التي  توارثت  الثورة ضد  الظلم والطغيان  رغم جسامة التضحيات  من قتل  وتشريد  وسجون   ومضايقة …

كذلك  كان واعيا في اختياره لأسماء العملاء والخونة محاولا إبعادها عن دلالات الأئمة والأولياء وأوصياء كـ ((مصعب))  مجيد ، وسرمد، وعردوش ،وفاخر … رغم ان  هذا التوصيف انحيازا  واضحا لا يمكن  تعميمه وإلا لكان  علي  كيماوي وحسين كامل  وغيرهم من الأتقياء الانقياء .

كذلك  هناك محاولة لإلصاق تهمة الخيانة والاشتغال في جهاز الأمن  والمخابرات لناس  من خارج  النجف كإلصاق لقب  البصري  بمصعب  ولقب  السماوي  بشراد في حين  الوقائع والحقائق تشير الى بطلان  هذا الادعاء حيث  وضع  العديد  من أدعياء النجفية  والمشهدية  الأصيلة أنفسهم في خدمة الأنظمة في السابق واللاحق ، سواء  للأتراك أو للفرس  أو للانكليز  أو  لصدام   وما بعده  أو للأمريكان  في زمننا الحاضر ،  فالعمالة استعداد   ودونية ذاتية  وإفرازات  مجتمعية ونفسية لا علاقة   لها  بالمدينة  الا ماندر ، فهم أشخاص  موجودون  في  المدن  وفي كل  الفترات والحكومات  والأنظمة …

ثوار النجف

ولاشك ان  ثوار النجف  في  مختلف الأوقات هم الأعلم بهذه  الحقيقة أكثر من غيرهم .

الكاتب  لم يغفل إدانة سلوكية بعض جهلاء مدينة النجف ممن يسمون أنفسهم (( بالنجفيين الاقحاح)) ،  وليس هناك اعتراض الى نسبهم ألنجفي  أو اعتزازهم  بنجفتيهم الأصيلة  ولكن الإدانة لنظرتهم القاصرة والدونية لأبناء الريف اللذين استوطنوا  مدينة الإمام علي وتسميتهم  بـ((المعدان))  دلالة التخلف والهمجية والبلادة  حتى وان كان  جده أو جد  جده   أتى من الريف   للمدينة ، وهذه  نظرة وسلوكية تدل على الجهل وضيق الأفق يقع  في شباكها أحيانا حتى من يدعي الثقافة  والتحضر  والانفتاح… ولا نرى  هذا السلوك الا  ردة فعل  غير واعية من قبل  سكنة  المدينة من القوميات غير العربية من الفرس أو الأتراك  أو الأفغان  على الممارسات اللا إنسانية  ضدهم من قبل  الحكومات  القومانية  أو الرجعية  المؤتمرة بأمر السيد  لها في  الخارج لإثارة النعرات  وبث  التفرقة بين المواطنين  العراقيين  تحت مختلف الأعذار ، الم يقسموا  النجف  الي  زكرت  وشمرت  وأربعة أطراف  متحاربة  ومتعادية ؟؟؟

فهذه  السلوكيات   تعاكس طبيعة النجف  كمدينة سياحية   وتجارية  وصناعية جاذبة  وليست طاردة   ويتوجب ان  يمتاز  سكانها  بالتسامح  والمحبة وسعة الصدر لكل  وافد  وقادم  الى  رحابها  رحاب  الإمام  علي  عليه  السلام صاحب القول الرصين (( أحبب لأخيك ماتحب  لنفسك  ..))  و (( لا فرق بين عربي وأعجمي  الا بالتقوى )) وهناك الكثير مما يقال  في هذا المجال …

كذلك  يمكن  لقارئ  الرواية  وأحداث  الانتفاضة  ولمن عاش إحداثها والتي  لازالت هناك أراء غير متفقة بين عفويتها وأصالتها العراقية ، وبين كونها انتفاضة مخطط لها  سواء في الداخل  أو الخارج ومابينهما…

ان القيادة  أقحمت  إقحاما  على المرجعيات الدينية  التي كانت  تأخذ بمبدأ التقية ودور الوعظ  والإرشاد والتلميح  دون التصريح ، بدلا من الحث  على التمرد والثورية ، الا ما تعلق بالخط الصدري الأول  والثاني فيما بعد ، فالجماهير الثائرة والمتمردة وخصوصا طلائع الجنود المكسورين  والمهزومين  من جبهات القتال   كان  لهم دور في إشعال  فتيل الانتفاضة في المدن العراقية،  ولكن  في النجف  كانت  الانتفاضة مخطط لها  من  قبل  نخبة من الشباب ،  في ظل  فراغ  امني كبير تركته  الحرب على  الداخل العراقي ، وبذلك فقد وضعت  هذه الجماهير الثائرة رموز الحوزة الدينية في  خيار صعب الا وهو الانحياز  الى جانب  الثوار ومباركتهم ، خصوصا  وان  هوية الثوار  وطابعهم الفكري  ديني  جعفري في شعاراتها ومطالبها  وتوجهاتها (( لاشرقية ولاغربية جمهورية اسلامية )) وكنا  نسمع  من مكبرات  الصوت  في  الصحن الحيدري  صوتاً  يصدح   بـ((نعم نحن  خمينيون )) وغيرها  من الشعارات … فالعامة من الناس  ((العمايدية)) كما يسمونهم هم  من أشعل فتيل الانتفاضة وهم الذين دفعوا القسط  الأكبر من الدماء والشقاء وكان  لهم اكبر الحصص في  المقابر الجماعية  ولم تزل  جثث  الكثيرين  منهم مجهولة المكان ، فكانوا  ولا زالوا  هم  الأكثر عطاءا  والأقل  مكسبا  في الماضي والحاضر ، كانت قيادة الانتفاضة سجالا بين  ((العمامة )) و ((العامة)) ، فقد كانت  انتفاضة شعبية  بامتياز ، ركب  البعض  موجتها  فأساءوا  إليها أكثر مما  نفعوها ،ولم تكن  قيادتها  بمستوى  حماس  الجماهير  واستعدادها  للتضحية، وقد  كان  هذا  احد  أسباب  فشل   الانتفاضة  الذي   يعزوه  البعض الى الدور السلبي لقوات  التحالف وخصوصا  الأمريكية  في دعم الانتفاضة ، فكيف   تساند أمريكا  وحلفاؤها  ثورة شيعية ((خمينية))، تعتبرها عدوا  استراتيجيا  لها  في المنطقة والعالم ، فقد كانت هناك  أخطاء  إستراتيجية  وتكتيكية  ليس  ضمن مجال  بحثنا  هي  التي  أدت  الى فشل  الانتفاضة ، ناهيك عن كون  الأمريكان صرحوا  علانية بأنهم لا يريدون سقوط النظام في العراق على  يد أبنائه  في ثورة  شعبية ،  بل  أرادوا  سقوطه  على  أيديهم  في 2003  بعد ان  أنهكوا  الشعب  العراقي   في حصار ظالم ،مكنهم  ومكن  الديكتاتور من أحكام قبضته  على الشعب وتصفية  قواه  الوطنية  من مختلف  المشار والتيارات  السياسية ، فتمكن تحت  عصا  التخويف والتجويع  والتشريد  من تجريف   القيم الايجابية  المختزنة في  ذاكرة وسلوكية  الجماهير  خلال  عشرات  السنين من الكفاح ضد  القهر  والحرمان ، وبذلك  مهد الطرفان  الطريق للدبابة الأمريكية  بتدنيس ارض العراق  تحت ذريعة تحرير شعبه.

خطورة الاحتلال

كان علي واعيا   لخطورة الاحتلال ورافضا   ان  يكون الخلاص  على يد  المحتلين   الأمريكان  وكأنه  متناغمٌ  مع  شعار (( لا ديكتاتورية ولا  احتلال )) الذي كان مرفوعا من قبل بعض  القوى اليسارية العراقية ،  وكل أحرار العراق .

سوف  لن  ادخل  في  تفاصيل  المعارك البطولية   التي  خاضها الثوار  في مختلف مناطق النجف  والتي  تمكن الكاتب  من  تسجيلها بدقة الحاضر المشارك  والسارد المبدع ، وهي مادة غنية  توثيقية لفلم  تسجيلي  ننتظر ان  ينجزه  احدهم .

دور المرأة في  الانتفاضة

اظهر  الكاتب  الدور الهام والمؤثر  للمرأة  النجفية في  مساندة  الانتفاضة الاذارية سواء  من حيث الدعم المعنوي والمشجع للثوار في  مقاومة الظلم والتعسف أو في المساهمة المباشرة في القتال في الميدان ومشاركة أخيها  الرجل في التصدي لقوات القمع في ساحات الكفاح …فإنَّ (( إيمان )) وأمها  أم  ((زهير)) مدرسة التاريخ  المتقاعدة ، وأم ثويني ، وأم جهاد، ونساء وعائلة السيد الخوئي والكثير من عوائل  ونساء ((العامة))  المجهولات مثالا  للشجاعة والجرأة في مقاومة الظلم  من اجل غد  أفضل  ومثالا للصمود في  الزنازين والسجن  والمعتقلات ومواجهة موجات التعذيب والقهر من قبل أجهزة السلطة ،   وهذا الدور مشهود للمرأة  العراقية والنجفية  خلال  ثورة 1918 و1920 وانتفاضات  وتظاهرات  النجف ضد السلطات   العميلة والتابعة  في  الثلاثينات  والأربعينيات  والخمسينيات من  القرن العشرين  سواء في  تياراتها  اليسارية   أو  القومية أو الدينية ،  وقد كانت  (( زينب)) و ((ليلى )) مثالا للمساهمة المباشرة في القتال البطولي حد  الاستشهاد ص )) 183)).