المبنى السردي يحقق الواقعية
المؤامرة في أصناموفوبيا
يوسف عبود جويعد
من الذي فك حلقة الترابط بين ابناء البلد الذي كان يعيش كتلة واحدة، جسدا واحدا اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ..؟ من الذي قطع حلقات صلة الرحم ونشر العداوة والبغضاء والحقد والكراهية بيننا..؟ من الذي اشعل فتيل الطائفية ، وأشعل نيرانها فتسارعت بين هشيم التخلخل الذي حدث ، وضعف السيطرة وفقدان لغة الحوار وابتعاد المودة والرحمة، لنستيقظ فجأة ، وبين ليلة وضحاها نجد هذا البناء التاريخي العميق يهد وتملأ الضغينة نفوسنا ، ويصبح القتل على الهوية من السمات التي نتصف بها ، هذا سني ، وهذا شيعي ، وهذا مسيحي ، وهذا يزيدي ، وهذا صابئي ، وهذا كردي ، انقلبت موازين الحياة ، وتغيرت معالمها ، وتحولنا الى اعداء نعيش في هذا البلد ، بعد أن كنا اخوة واحبة تجمعنا روابط القربى ، من بين هذا الصراع المقيت ينسج الروائي راسم عبد القادر روايته (اصناموفوبيا)خيوط مبناه السردي ، حيث يضعنا وسط نيرانها واحتدامها ، اذ إن ما حدث من تخريب في البنية التحتية للعلاقة الانسانية بين ابناء البلد الواحد ، كانت بسبب التغيير المفاجئ ، أي بعد عام الفين وثلاثة وسقوط الصنم ، ودخول الامريكان ، وكانت الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها ، اذ نفاجأ ومنذ الخطوة الاولى لدخولنا البنية النصية ونسير مع عملية الحركة السردية في مسيرتها المتصاعدة وحمو وطيس نيرانها الملتهبة ، فنكون مع عائلتين ، عائلة عبد الواحد وزوجته وابنه سرمد وعائلة العتابي واولاده زهير وحيدر وحسن وامهم التي هي اخت عبد الواحد الذي ينتمي للطائفة السنية ، بينما كانت العائلة الثانية تنتمي للطائفة الشيعية ، الا أن وشائج صلة القرابة بينهما متينة وقوية ، يسودها الوئام والمحبة والمودة ، وبعد رحلة سردية لواقع الانقلاب المفاجئ للحياة في البلد ورؤية مشاهد القتل من الجانبين ، وانقسام المناطق حسب انتمائها ومنع دخول هذا الطرف لذاك ، وانتشار عمليات الخطف ، والجثث الملقاة على الارصفة ، وقارعات الطرق ، وحاويات النفايات ، وانتشار تلك الوجوه الملثمة التي همها وغايتها القتل ، وهي مجندة لاطراف مرتبطة بالخارج واحزاب تريد النفوذ والسلطة .
نمط الواقعية
استخدم الروائي في تناوله للمبنى السردي نمط الواقعية الانتقادية في سرد الاحداث ، ولم يكن أي تمهيد هادئ حيث اننا نكون مع احداث صاخبة حدثت فعلاً بين ابناء الشعب ، وما أن نبدأ رحلتنا في اروقة الرواية ومنذ السطور الاولى ، نجد أنفسنا وسط حالة من الفوضى والحرب الداخلية واشتعال نار الفتنة الطائفية والقتل والانفجارات والخطف ، والكره ، والحقد ، والضغينة ، التي زرعت في اعماق النفوس بطرق مدروسة من اجل فك هذا الارتباط التاريخي العميق ، وصلة القربى (لم يكن الانفجار الشديد الذي حصل في حسينية الزهراء بالأمر الهين، فأعمدة الدخان الهائلة المتصاعدة على مساحات واسعة من حي الحسين في مدينة الصدر كانت الجموع تهرب على غير هدى، الرعب خيم على الوجوه والسيارات تحركت بشكل عشوائي وجنوني تحاول ايجاد منفذ لها ، فشبت النيران في العديد منها ، وبعض اهالي الحي يقذفون بأجسادهم داخل هذا الجحيم لعلمهم الاكيد أن احبتهم كانوا داخل الحسينية ، وقد غاب أي مدبر لهذا الأمر ، فمن يعتقد ألا أحد لديه هنا فرّ فزعاً مبتعداً عن المنطقة ) ص 7 . وأمام حماوة الاحداث السردية للنص في بدايتها، ننطلق ووسط هذا الخراب الحزين ، نعيش لحظات نأسف لها ، ونندم لما آلت اليه الحياة في هذا البلد ، وهكذا وبعد اختطاف العتابي والاتصالات المستمرة بين العائلة والخاطفين الذين طلبوا فدية خمسون الف دولار، إضطرت العائلة لبيع البيت الذي يسكنون فيه بعد ان عجزوا من الحصول على المبلغ ، وعلى الرغم من أن ابنهم دفع هذا المبلغ للخاطفين ، الا أنهم وجدوه مذبوحاً وملقى في حاوية للنفايات ، وبين الاعوام الثلاثة التي مرت بعد التغيير تزداد وتشتد وتيرة الطائفية ، وبعد ان يلتحق الابناء الى المليشيات المتقاتلة وكل حسب طائفيته ، ونيران الحقد تزرع في نفوسهم بخطة علمية من اجل تفريق جمع الشمل بينهم ، نتفاجأ باعتقال سرمد واعترافه بأختطاف وقتل العتابي الذي هو زوج عمته ، ومعرفة عائلة العتابي بهذا الأمر الذي حوّل علاقتهم الى عداء والمطالبة باخذ الثأر، أن الروائي يضع لنا ماحدث بأدق التفاصيل ، كما أنه يشير بين ثناياها الى الاسباب التي أججت هذه الفتنة، وينقل لنا عبر هذا النسيج المتماسك من السرد الصورة الواقعية لحقيقة ماحدث بكامل تفاصيلها وادقها وعبر نمط الواقعية الانتقادية التي تنسجم وهذا المبنى السردي ، لم تكن تلك العائلتان وشخوصهم ضمن ثنايا احداث المبنى السردي للنص ، الا جزءا من احداث كبيرة المت في البلد واستطاع الروائي أن يقدم تلك الفتنة في صورتها العامة في ارجاء مناطق البلد ، واستعرض احداثا كبيرة منها الانفجارات لثمانية سيارات مفخخة في بغداد التي حدثت في وقت واحد ، وكذلك المواجهة التاريخية التي حدثت في مدينة حديثة بين ابنائها والامريكان، وكذلك الاجتماعات السرية التي تمت بين القائد الامريكي وعبد الواحد وهو احد القادة العسكريين البارزين في البلد ، ومحاولة القائد الامريكي وأد الطائفية واطفاء نيرانها الا أن ذلك لم يكن الحقيقة وانما تزييفها ، كون الامريكان هم السبب في كل ماحصل ولا يزال يحصل ، وتستمر احداث الرواية في مسيرتها السردية ، ونعيش مع انتقام اولاد العتابي لخالهم ، حيث داهمو منزله في لباس عسكري ، واخذوا المسوغات الذهبية ومبلغ المال المدّخر، الا انهم لم يقتلوه لكون الجذور باقية والعلاقة مدفونة وسط هذا الخراب ، وستعود الى حالها يوماً ، ويؤكد لنا الروائي حقيقة هذه الفتنة ، ويكشف لنا اسبابها في نهاية الرواية (- حزينة عليك يا عبد الواحد ماذا ستعمل هناك؟ هل ستقرأ وتكتب كما عهدتك؟
– كل ما لدي من كتب وبحوث ، وكل ما كتبته وما كتبناه وقرأناه ؟ قضينا عمرنا نعمل ونقرأ ونكتب من اجل هذا الوطن ، ولكن الامور تسوء يوماً بعد يوم ، لم يعد هناك امل ، وكما يقولون لا ضوء في نهاية النفق .
– هناك خلوة جميلة تحت بيتنا العتيق ، على الشاطئ ، وامامك الجزر الجميلة ، هناك ستقرأ وستكتب الكثير وتعوض ما فاتك .
– لمن اقرأ ولمن أكتب ..؟ لا أحد يقرأ الآن يا أختي !
– لن اقبل هذا منك يا أخي ! لا تكن متشائماً الى هذا الحد، أنا أرى كل ما حصل لنا سببه الامريكان ، ماذا تقول انت ؟
– نعم ياأختي ، هم وراء صراع أية سمكتين في محيط البحر، ولكن هناك علة فينا ايضاً ) ص 179
رواية (أصنا موفوبيا ) للروائي راسم عبد القادر، تنقلنا بكامل حواسنا الى حقبة زمنية مقيتة عصفت بابناء الوطن الواحد، لا زلنا نعيش آثارها ونحاول اطفاء فتيل شعلتها ، انها رسالة انسانية كبيرة تدعو الى المحبة والخير والسلام ، وقد استطاع الروائي المحافظة على واقعيتها من خلال ابراز الزمان والمكان الصادق ، ورسم ملامح الشخوص بشكل متقن ، واختار ثيمة تنقل واقع الحياة في تلك الحقبة ، وقد بانت من خلف السطور الانساق الثقافية المضمرة ، واستخدم لغة تنسجم والسياق الفني المتبع لها ، كما أن الروائي عمد الى جعل الفصل الواحد يضم اكثر من انتقالة وليس انتقالة واحدة ، كما عهدنا ذلك في السياق الفني لصناعة ، وذلك بسبب زخم الاحداث وسعتها وكبر مساحتها ، ولغرض اختزالها وتكثيفها والسيطرة عليها بأقل ما يمكن من الفصول المرقمة .
























