تجليات عصمت الدوسكي بين المعرفة والحلم والحياة

تجليات عصمت الدوسكي بين المعرفة والحلم والحياة

الخيال الرائع في حضور العقل

 هندة العكرمي

بلغ الأستاذ عصمت شاهين الدوسكي مرقى جديدا في الشعر العربي ، أذكى في النفس جذوة تفكير جديدة  وحاجات متجددة ، إلى الجمال وبحثا أعمق عما يؤصل الكيان فتجعل القرائح تتفتح طلبا لآفاق جديدة تظهر أولى معالمها ماثلة في ما تنثره قريحته من مسارات ومسالك لم نجد لها بدا إلا أن نباركه وندعمه راجين له التوفيق فيها بل التفوق والبروز أكثر ، ونظرا لكون مادة الشعر ما هي إلا تواصلا شفويا قويا يؤثر تأثيرا مباشرا بالمتلقي ونفسيته ، فان هذا جعل الشاعر مهيمنا على القضايا الحضارية في اختياره واستناده إلى توجهات واقعية وأجهزة تكاد تكون بيداغوجية لتكون مدعاة للتحليل والاختلاف في المواقف اختلافا يكون في حد ذاته مثيرا للنقاش والثورة على السائد الراكد ، وكل هذا قد جلاه شاعرنا الدوسكي من خلال صيغ لغوية زين فيها كتاباته لتعطي رونقا جذابا وتجعل اللغة العربية بين يديه منطلقا وحصيلة لعل في ثناياها ما يتيح مزيد التمكن من نظام لغتنا العربية وآلياتها النظمية فنجدها بين شفاهه عقلية منطقية  واقعية  مقفاة المعنى فيها كامن في ما ينظمها من أبنية نحوية وصيغ صرفية  بناها شاعرنا بحنكة ودراية  لتبليغ أهداف الكلمة وأهداف المضمون على حد السواء. ولا أدل على ذلك من قوله في قصيدة ” أنا قصيدة منفية “

(( أحمل بحاري العاتية

وحروفي وكلماتي

وجراحاتي القصية

احمل المقتضب والرمل والبسيط مثلما تحمل النساء

ماكياجها في حقيبتها الجلدية ))

أما عن أهداف المادة عند عصمت الدوسكي ، فهي ما يرومه من رهانات جوهرها تأصيل المتلقي في هويته الحضارية باعتباره ناقلا للوقائع التاريخية والواقعية الحديثة وبالتالي الإسهام بطريقة غير مباشرة في نحت شخصية المتلقي نحتا ينبذ التعصب والانغلاق ويؤمن بالانفتاح الخلاق على الآخر  وثقافته  من خلال أهداف الكلمة التي  تدعو إلى الاستفاقة من السبات العميق والتوجه نحو التقدم  والازدهار ودحض الاستعمار بشتى أنواعه وخاصة الثقافي منع وبالتالي يصبح شاعرنا من خلال كلمته داعية إلى التمكن من الأدوات المنهجية والفكرية التي  تجعل القارئ “يتعلم كيف يتعلم ” وإذا بلغ ذلك فسينجح في إنقاذ الواقع المرير من السوء فيقول في قصيدة عام بعد عام .

(( صوت الحب يكبر في العراء

متى تسعفني الحياة

يا وطني ماذا فعل الغرباء؟ ))

أو كقوله في نفس القصيدة

(( يخرج الأحبة

يشتروا هدايا الميلاد للأصدقاء

إلى كل شاعر يحمل رسالة إلى البحر إلى البيداء

إلى كل قلب محب

لا يترك القلوب المعذبة في الفضاء ))

وباعتبار هذا الواقع المرير في قصائد الدوسكي دافعا إلى الإبداع ودافعا إلى الدعوة ودافعا إلى التقصي والتساؤل حول مصير الشعب العراقي في خضم تلك الظروف  فقد كان للعقل السلطان المطلق أو بإمكاننا  تسمية إبداعاته  ” بالأدب العقلي ”  وليس معنى ذلك انه تعوزه المعاني العاطفية والعناصر الفردية بل على العكس لطالما حلل الشاعر الدوسكي في قصائده العواطف تحليلا نفسيا دقيقا  يفوق أحيانا نظيره في العصر الرومنطيقي ، هذا إضافة إلى ما كان  في الشعر الوجداني فيه من فيض الشعور والإحساس ولكن العواطف والمشاعر كانت خاضعة كل الخضوع للعقل الذي  لم يكن ليدع مكانا لجموح العاطفة وجيشانها . فكانت الخواطر في قصائده تتأرجح بين الحب والواقع . في قصيدة حياة عيون مغتربة يقول :

(( بلا د اثر بلاد

صوت آت من تاريخ ـشموع ميلاد

شاي ومفكرة وقلم

قصائد عصمة وأمل وميعاد

غرفة ، سرير، وشلال

أفكار  أضنها رحلت

إذ  تعاد

تلبس ثوب الخشوع ))

ثم تمر في مجال التفكير لتصفي وتهذب حتى تخرج منطقية هادئة غير مشبوبة ، فليس لعصمت شاهين الدوسكي أن يطلق العنان لإحساسه ومشاعره لأنها في جوهرها فردية محضة  ، بل نراه يسجل منها ما هو عام مشترك بين الناس ، كما يقتضيه المنطق والفكر في ارتباط مباشر بالواقع . فتجد القارئ يرى فيها أفكاره حتى ليعتقد انه كان يستطيع تأليفها . وهنا نمجد الأستاذ الدوسكي حق تمجيد حيث أن الأفكار المشتركة  كالإحساسات المشتركة هي أرقى وأروع وأجمل ما يستطيع الكاتب أو الأديب الشاعر أن يجلوه للناس . ذلك أن الكلمة الأولى للعقل الذي كان يسيطر على خيال الشاعر وأحلامه فيزيح الغطاء عن الحب بخيال شاسع مرتبط بعقلانية واقعية مريرة  وتصعب على غيره التوفيق بين هذه المعادلة الصعبة ، الحب في واقع مرير والخيال الرائع في حضور العقل في قصيدة نور شان .

(( حنين يستغيث من غربة الروح

وشجن من تاريخ الولادة يرنو للامان

الحب نور شان

ليس تفرد في الذات

ولا ومضة من حسان

الحب وطنك وطني

الحب قلبك قلبي

بلا قانون انس وجان

بالحب نبقى للأبد أحرارا

بضمير إنسان ))

فالشعر عند الدوسكي ليس نشوة بقدر ملأ حاجة ، يعني ليس قلبا ملعب ونفس مسحورة بقدر ما هو ، فما بالظمأ ويدا فارغة مبسوطة ، هو ابتسامة طفل ودمعة ثكلى ،هو تورد وجنة العذراء وتجعد وجه الشيخ ، هو جمال البقاء وبقاء الجمال ، هو قوة حيوية ، قوة مبدعة ، قوة مندفعة دائما إلى الأمام ، لا تخاف العراقيل وكل قصائده تؤكد أن الشعر سيبقى حاجة من حاجات الإنسان الروحية باعتباره  وحده يجسم الأحلام عن الجمال والعدل والحق والخير. وفيه يرسم الشاعر الحياة التي تعشقها روحه  ولا تراها عيناه ولا تسمعها أذناه بين أقدار العالم وواقعه اليومي وهمومه الصغيرة ومشاكله الكبيرة ، في قصيـــــــــدة ثورة الإحساس يقول :

(( لقد أيقظت ثورة الإحساس

وألهبت مشاعري سيدتي

وأشعلت النيران

في كومة حرماني

وطردت اليأس

وأنا يتيم في هذه الحياة

في مدينة مقفولة أبوابها

وقد صدق الكاتب الكبير ميخائيل نعيمة حين قال : ” لا يسعني ولا يسع سواي الإحاطة بجملة المقاييس لأي اثر أدبي أو أديب ” ولكني سأذكر ما هو في اعتقادي أهمها عند أستاذنا الفاضل عصمت شاهين الدوسكي ، حيث أن الشعر عنده حاجة ماسة إلى الإفصاح عن كل ما ينتابه من العوامل النفسية بسبب محيطه من رجاء ويأس وفوز وإخفاق وإيمان وشك وحب وكره ولذة وألم  وحزن وفرح وخوف وطمأنينة وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها  من الانفعالات والتأثرات ، بل نجد كلماته نور نهتدي فيها في الحياة ، وليس من نور نهتدي فيه غير نور الحقيقة ، حقيقة ما في أنفسنا وحقيقة ما في الواقع والعالم من حولنا ، بل هي دعوة إلى الجمال بما في  النفس من عطش لا ينطفئ إلى الجمال وكل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال بما للجمال من معنى خالص للوفاء والسعادة والسلم والسلام والطمأنينة  والحب الصادق للغير وللوطن ، وان تضاربت أذواقنا في ما نحسبه جميلا وما نحسبه قبيحا لا يمكننا التعامي عن أن  في حياة الشاعر جمالا مطلقا خلاقا يراه بعينيه ولا يختلف فيه مع احد لأنه يؤدي دور رسول الكشف عن الحقائق  ومزيح الأغطية السوداء ،عن الضوء وهو صرخة الحرية التي لا يمكن لأحد إخمادها .

(( يا حلما مغتربا

 بين شعلة النار والكراسي يتأثر

رغم فقري وقلة حيلتي

أبقى على الأرض

وأنت تبقين في السماء قمر

نساء أثينا أمامك كقشة في بحر

حسناوات اسبانيا كخريف اصفر

باب مطعمك الغربي

كأبواب الريح المغتربة ))

وقد تميز شاعرنا الفذ بعودته إلى النصوص الدينية والأثرية والتاريخية لتوظيفها رموزا ضمنها أدبه وقد سما هذا التوظيف بآثاره الشعرية منها أو النثرية فأكسبها روحيا تناغم خارق مع رغبته في التسامي إلى عوالم المطلق والمثال لذلك نجد جل منتجاته تعج بالمناجاة كصيغة تعبيرية تكشف إحساسه بالضيق من العالم ودنيا الناس التي ملأتها المطامع  والأحقاد ، يخص التوظيف الديني في  قصيدة نور شان .

نور شان لا تحزني من شدة الأحزان

فقد قرأنا عن الطوفان

وعاد وثمود

وعمالقة البنيان

ومعجزة النمل والهدهد

وصروح سبأ والدخان

وناقة صالح والمسيح ومحمد خاتم الأديان ))

وقد تكاثف هذا النوع من الكتابات في أدب عصمت شاهين دوسكي  نثرا كان أو شعرا والتبس في الكثير من الأحيان بفن الخاطرة ليكون مشحونا بطاقة شعرية لم تمنع جمال العبارة من تبليغ جليل المواقف الرافضة الثائرة التي عبر من خلالها عصمت شاهين الدوسكي عن توقه إلى عالم بديل عن الموجود المرفوض في قصيدة قدر يمضي قدر آت .

(( آه يا عراق

متى تكون مثل حبيبتي ” دهوك ” عاشقة الحياة ؟

متى نشم مسك الأرض

بعد نزول المطر على الواحات؟

متى يعتريك الخوف على الآباء والأمهات ؟

متى يصبح ربيعك مثل ” آشاوا وسرسنك “

صور من الجنات ؟

متى نرى وجهك باسما

مشرقا كإطلالة الحسناوات ؟

آه يا عراق لا ضر أن تتذكر

فتولد فيك مرة أخرى شعلة الحضارات  ))

إن عصمت شاهين الدوسكي ثورة ، والثورة ليست بنت ساعتها بل هي مجموع عوامل متعددة تخزنها الأيام في صدر الحياة حتى إذا ما جاش جأشها ضاق فيها ذلك الصدر فتفجرت قذائف وعواصف ، وعصمت ليس ابن يومه بل  هو مجموع عواطف وميول أمة بأسرها قضت على نفسها أو قضت عليها الأقدار ، أن تعيش أجيالا تنطق بلسانها ، أما قلبها فصامت منكمش وان تسير قانعة ضائعة في طريق مفروشة بالشوك محجوبة عن عين الشمس ، أما روحها فتحلم بسبيل نير على جانبيه ورود ورياحين ، ننتقل قبل الخاتمة في نقطة أخيرة يمكننا إثارتها في الحديث عن منتجات وتجليات الشاعر الدوسكي ألا وهي دور اللغة في أشعاره بمختلف أنماطها  وتقنياتها مثل الاستعارة والتشبيه والإيحاء والتخيل الخ … وغير ذلك مما يدخل في عالم المعاني والمجاز والبلاغة والانزياح بما في ذلك من توليد للمعاني وتنويع على المعنى حتى يطال رؤية الشاعر المختلفة لعالمنا الواحد ، بل هو تعبير عن العادي بطريقة غير العادي .

من هنا يأتي  الاختلاف المرتبط بالنظر إلى العالم. أي أن بوعي ما ينهض في هذا الفضاء اللغوي الذي هو فضاء العلامات ، فضاء الكون المنزاح ، وعليه فان معيار الحكم في الشعر الشاهيني لا يعد  معيار الكذب والصدق ولا معيار توليد المعاني بل القدرة على قول برؤية مختلفة ، فالشعر عند أديبنا هو زاوية ، رؤية مختلفة للغة لكن تقال شعرا ، قصيدة الإمبراطورية المفقودة

(( تمشي كمشي الحمام آدابا واحتراما

حواجبها من أساطير نائية

تحتار لا تشبه أي  حساما

عيناها بحران فيروز الشواطئ

تبحر تعشق فيهما لجوءا وإقاما

رموشا ضلال كلما رمشت

يتخيل إليك النظر حلالا ليس حراما

انفها كبرياء بلا غرور

لا تغتر بعشيرة أو قانون أو نظاما

خداها كتفاح شهية

سبحان الله ليست ريشة رساما))ونحن نقول في ختام قولنا المذكور عن الشاهيني سبحان الله الذي خلق من عباده أناس يدركون ما لا يدركه غيرهم ويوصلون ما يصعب على غيرهم ويبلغون رسائل الحب والإيحاء والأمن والأمان والأمنيات البسيطة الراقية  بأدب ومعنى وخلق وأخلاق فهم رسل في زمن  التعصب وشاعرنا على رأس قائمة هؤلاء المبدعين  ويبقى الموضوع مفتوحا على مقال آخر نتفحص فيه الاستقصاء والتساؤل في قصائد الدوسكي

الخاتمة:: وفي نهاية هذا كله ليس بوسعي سوى القول أن أدب  عصمت شاهين الدوسكي  سمو سماوي حقا لما فيه من شوق إلى سماء المثل وما فيه من توق إلى المعرفة والحلم والحياة والسمو لتاريخ إنساني.