قراءة نقدية لمجموعة فحم وطباشير للشاعر فلاح الشابندر
الأبعاد التأويلية في تكوين الدلالات النصية
عباس باني المالكي
ما يطرحه الشاعر فلاح الشابندر في مجموعته الشاعر(فحم ..وطباشير ) معاني يصوغها بحرفية في جذب المفردات الدلالية في الكلمات، واستخدامها بشكل تلقائي كي لا تتطور القصيدة إلى محاور فكرية دون توزيع نسيجها بالعاطفة ، حيث نلاحظ أنه يوفي البناء الموجز بالتعبير عن كل الدلالات، التي يريد أن يضغطها داخل النص دون أن يرتبك النص ويسوده الغموض، كما نلاحظ أن كثيرا من نصوصه تميل إلى نص المدبب أو الومضة، والقصيدة لديه ليس من أجل أثارة التصور الذهني ، أنما تلخيص حالة أو موقف أو انطباع، كما أنه يستفاد من البناء الدرامي من أجل الوصول بالنص إلى نص الإيقاع، وكذلك يشحنها بأكبر قدر من المعاني والرموز، كي يكثف لحظة الشعر وعلاقته مع اللغة التي تنتج الصورة والموسيقى والإيجاز الموحي ،وهذا ما نشعره في أغلب نصوصه حيث نلاحظه يحضر الغياب بقدر ما يقتحم الحضور، لأنه في هذا يتحكم بحضور المسميات دون أن يحدث فراغ بينها وبين دلالاتها، التي تشير إلى مدلولها بحكم العلاقة الترابطية ما بين الأشياء ومسمياتها كموجودات الحياة ،وما توحي من رموز تعطي الإشارة على تناظر الحي بين ذاته المنتجة للنص ، والإيحاء الذي يعطي البعد التكويني في نمو النص ضمن تصوره الذاتي الذي يعيد معناها وفق الإدراكي الشعري ، حيث تتحول إلى رموز تصورية في تأطير النص بأفق وإيقاع انفعالي يعطي إلى النصوص تتوهج بأبعاد تراجيدية مؤثرة في حساسية المتلقي ، ويشكل الشاعر النص بإيقاع الومضة الشعرية أو قصائد الصورة الشعرية من رمزية هذه الأشياء التي يكونها من خلال البناء ترميز أحساسات هواجسه التي تعطي الدلالات أبعاد التأويلية وهذا ما يكون بناء إيقاعا ورؤيا
في نصوصه الشعرية ،وهو بهذا أستطاع أن يحافظ على المعنى الدلالي في تكثيف اللحظة المنتجة إلى الصورة الشعرية.
نص (فما معناكَ..)ص 16
(ستون نافذة مشرعة/ لمروياتِ الريحْ/تنادو..،ا/من أقصى المدينةِ المعدومة بانفاسِ أهلها /تنادوا:/لقدْ أظْللتنا..،/فما معناك /في صباح الحديقة..؟ /فرطةُ عصافيرَ تدنو … تدنو … تدنو/لتقطُ /مساقطَ حلواه /يصفعُها بسيف الريح..!/
تتقافزْ..،/تتطايرْ/ /يتطايحُ ضحكاتٍ … طفلُ الحديقة /تتلوها ضحكات تعدم سابقتها
عصيٌّ هو الثاني/في صباحاتِ الحديقةِ/النسيانُ الباردُ الغارقُ
في/ كرسيِّه الهزاْز…! /وحينَ يطقطقُ/بعكازهِ على البلاط..،/يستفزُ القط الغافي /
القط/ غافٍ /مذ هتف العطش في البرية الخضراء /على ضفة الظل /ميل أن ننسى..،/والأجمل : /أن لا نعرف مالقادم الأتي..! /ذلك ضللنا /فما معناك..؟! / ضياعاتٍ متشابهةٍ /في زرقة الليلِّ الثلجي/يرافقني الشارعِ مشياً/ثم مشياً … مشياً …مشياً).
مشهدية الحياة
الشاعر يبني نصه من مشهدية الحياة التي تتداعى في ذهنية الصورة لديه وفق تغيرات الزمن المحيط به، أي يعطي للمشهد دفقا حضوريا عاليا الترميز التكويني ضمن رؤاه التي يتحسسها من خلال التمازج أو التحسس الشعوري لكل الصور التي تنعكس على ذاته ، والتي تحفز الطاقة الشعورية على تكوين دلالات بصرية في سيميائية فكرته عن كل الأشياء ، من أجل يعيد استعارتها من الواقع ويعيد موضعتها ضمن تصوره التأملي ، ليكون الصورة المركبة والمتداخلة مع بعضها ليشكل منها ، رموزا منسجمة تعمق ظاهرية الدلالة إلى جوهرية المعنى التأويلي لنصه ، وفق تركيب صورته الشعرية
وبنياتها التي تتسع لكل طاقة الخيال لدية ، ويقاربها لتصوره الإدراكي
حيث يكون الرمز بشتى صوره المجازية والبلاغية والإيحائية وهذا ما يعمق المعنى الشعري، لأنه وظف الرمز بشكل جمالي منسجم، وحسب اتساق فكره الدقيق والمقنع، وما يعطي الارتقاء بشعرية القصيدة ويعمق دلالاتها ، فبقدر ما ينوع هذه الدلالات لكنه يبقى محتفظا بانسيابية التركيز المعنوي في البؤرة النصية ، ونجده يحدد مسارات النص في مشهدية الحياة لكي يركب جملته الشهرية و حسب انفراج المعنى داخل هذه المشهدية من خلال تداعي الصوري المدرك لكل حركات الأشياء ضمنها ،والذي يميز المشهدية التي يصوغها الشاعر، أنه لا يتحكم بها بقدر ما يترك الزمن هو الذي يحكمها، وهذا ما يجعل الأحداث تنمو وحسب زمنها الذي يعطي التغييرات التي تجري عليها ، يبقى هو يراقبها لكي يحدد التغيير الزمني الذي يحدث فيها ،بعدها يعيد تغيير المعنى المتغير وفق أنساق الزمنية داخل هذه المشاهد ،فما بين ستين نافذة مشرقة والتي تمثل ما مر عليه من سنين ، لهذا مثل ما مر به من صور نقلها إلى الرموز ، لكي لا تختلط عليه الصور وتتداخل مع بعضها ويضيع التوجه ،الذي يريد أن يحافظ على المعنى للنص ، وقد أستخدم الريح كمرور الحياة حولها بطريقة أمتزاجية ، وكيف يرى كيف مرت حياته بسرعة كأنه يرى طفولته تتقافز أمامه وتتطاير بضحكتها وقد كانت العصافير تؤثر عليه ويبني انتباهه عليها ، وأخذت الحياة تتسابق به ، حتى أوصلته إلى ما هو عليه اليوم وقد صار شخص ثانيا، حيث تحول كل شيء حوله باردا حتى في نسيان وقد أدى كل هذا أدى به إلى الجلوس على كرسي الهزاز بعد أن كان يتطايح بالضحكات (ستون نافذة مشرعة/ لمروياتِ الريحْ/تنادو..،ا/من أقصى المدينةِ المعدومة بانفاسِ أهلها /تنادوا:/لقدْ أظْللتنا..،/فما معناك /في صباح الحديقة..؟ /فرطةُ عصافيرَ تدنو … تدنو … تدنو/لتقطُ /مساقطَ حلواه /يصفعُها بسيف الريح..!/ تتقافزْ..،/تتطايرْ/ /يتطايحُ ضحكاتٍ … طفلُ الحديقة /تتلوها ضحكات تعدم سابقتها عصيٌّ هو الثاني/في صباحاتِ الحديقةِ/النسيانُ الباردُ الغارقُ في/ كرسيِّه الهزاْز…!) وقد أصبح الآن يعيش ويطقق بعكازه على البلاط ، لهذا يحاول أن لا يعرف ما سوف يأتي ، أي أن الحياة تحمل تحولات كثيرة فبعد ما كان يتلو الضحكات تحول إلى جالس على الهزاز ، وقد حدث تغير كبير في حياته ، لهذا لا يريد أن ينظر إلى الأتي لأنه لا يعرف كيف يكون فيه (وحينَ يطقطقُ/بعكازهِ على البلاط..،/يستفزُ القط الغافي /القط/ غافٍ /مذ هتف العطش في البرية الخضراء /على ضفة الظل /ميل أن ننسى..،/والأجمل : /أن لا نعرف مالقادم الأتي..! /ذلك ضللنا /فما معناك..؟! / ضياعاتٍ متشابهةٍ /في زرقة الليلِّ الثلجي/يرافقني الشارعِ مشياً/ثم مشياً … مشياً …مشيا )ً قد ضاع الكثير من حياته وتشابهت عنده الأيام ، لكنه مع هذا يبقى يمشى إلى أخر الحياة وكأنه ليس الذي يمشي بل هو واقف والشارع الذي يمشي ، ليبين دلالته أن حياته قد توقفت داخله ومرت الحياة هي مرت عليه بسرعة ، مع هذا لابد منه أن يستمر فيها ، لأنها هي مستمرة ولا تتوقف وأن كان لم يعد يراها كما كان سابقا.. ..
نص( ثرثرة في درابين) ص 50
(برهة تلهو/نلهو/نلهو /نتوجس /ظلا. يستمعنا /بادىء الفجر بدا اسيرا.. بأرق اختفى /الافق متاح للانفلات وقطف المؤجلات /كان سببا ان يسبل جفنيه /بين /قرط وجيد..! /التقينا /والتقينا بدروب سرقت اسمائها منا /العطر…، /مساقط كلام…! /نمل السمع والشرفات، /كان يعلمُف /اذا ما ضمت النهر /ان ما عبر مرة…. فلقد ضاعْ / يشاورها همسا تغيّمي بالشال الوردي /وتدنَيّ …تدنَيّ… لي تدنَيّ..! /ما علينا ان نحييه /والتي كنا/ برهة تشتهي………..!)
يستمر الشاعر ببناء المشهدية المكانية وحسب حركة الزمن فيها، وما تحدثه فيها من تغيرات ، حيث يبنيها وفق الدلالة الصورية ، وهذا ما يعطيها عمقا صوريا جماليا ويعطي الفكرة المكونة لهذا النص بعدا فكريا تأمليا ، و يجعل نصوصه نصوصا تأملية في ذهنية تداعي الحدث الزمني وضمن أفقها المكاني المتغير حسب تغيراته المليئة بالرموز والإشارات والإيماءات التي يكشف مدلولاتها، من خلال صورها المتشابكة المترابطة مع بعضها ، ودون أن يتشابك المعنى داخل مكنونها ، لأنها تنمو وفق تداعي الحدث في أنساق فكرة النص ، وتبقى تمتد ضمن بؤرتها التأويلية ، كما أن اللغة التي يبني الشاعر نصه من خلالها ، متقربة في الترادف المعنوي الإيقاعي وهذا ما يجعل نصوصه تتصاعد في هرمونها النسقي وفق هذا الإيقاع ، وتحقق منولوجها الداخلي ويكون لهذه النصوص صدى إيقاعي للمعنى المتكون داخلها ،و يأتي هذا من خلال تصاعد الانفعال الباطني للفكرة التي يريد أن يكشف عنها ويعطيها بعد شعري تخيلي، حيث يبني نصوصه على التداعي الذهني في تكوين الجملة الشعرية ووفق منطق المشهد الذي يحدده بالاختيارات الزمنية ، ويعطي للنص التوقف لكي يكشف تحرك الزمن ضمن المشهد ( برهة ) وبعدها يستدل على هذه الحركة المعنوية (تلهو، نلهو) لكي يبين التوجس حول كل الأشياء المحيطة حوله، حيث يحدد ما يحدث من تغيير من المسيرة من الفجر والوصول إلى الأفق الذي يراه وكأنه المحدد لمصير المسميات التي حوله ، وأنه يسرد الحلم وفق تداعي المعاني التي يريد كشفها ، من أجل أن يبين حجم المعاناة التي يعيشها من الداخل لأنه يريد أن ينفلت من هذا الأفق ، يحقق الأمنيات المؤجلات ولكن لا يصل إليها بسبب التيه التي حوله ، لأن كل شيء فقد المعنى وهذا المعنى هو من يحدده فالدروب سرقت أسماءها منه ولن يعود لها معنى خارج المعنى الذي يريده ، وهو يتحدث عن أزمة الإنسان حين يكون فاقد لكل الأشياء حوله ويحاول أن يؤجل الوصول لها ، فلم يعد للكلام من معنى في الأشياء التي تحيطه ، وهي عبارة عن تراكم التأجيل ، وهذا ما سبب الازدحام والضياع الذي يشعر به (برهة تلهو/نلهو/نلهو /نتوجس /ظلا. يستمعنا /بادئ الفجر بدا أسيرا.. بأرق اختفى /الأفق متاح للانفلات وقطف المؤجلات /كان سببا أن يسبل جفنيه /بين /قرط وجيد..! /التقينا /والتقينا بدروب سرقت أسماءها منا /العطر…، /مساقط كلام…! /نمل السمع والشرفات،).
قارب المعنى
ويحاول أن يكشف ما يعيش من الداخل من خلال القارب المعني الداخلي للنص وهذا ما يجعل الرمز بعد تدويني للفكرة التي تنشأ وفق هواجس ذاتيه التراكبية مع أحساسة التعضيدي الذي يرسم الصورة الشعرية المشحونة بأزمة الذات اتجاه الوجودي الفردي كحالة إنسانية ، يريد أن يرى الحياة كما يجب أن يعيشها ، وقد حدد التقرب (تدني) كحالة من الانفراج أو الكشف عن كوامن ذاته المتشظية ببرهة التشهي ، ونشعر أن الشاعر يصوغ النص كأنه في حالة حلم ، لكي يرسم حدود الأشياء خارج منطقها الوجودي ،هذا ما يجعله يراقب ذاته من خلال اللغة التي تحمل قدرة التلامس بين هذه الذات والمعنى الذي يريد أن يصله، لهذا يحدد الضياع بعبور النهر، يريد أن يتجاوز كل شيء يسبب له كل إحباط (كان يعلمُف /اذا ما ضمت النهر /ان ما عبر مرة…. فلقد ضاعْ / يشاورها همسا تغيّمي بالشال الوردي /وتدنَيّ …تدنَيّ… لي تدنَيّ..! /ما علينا ان نحييه /والتي كنا/ برهة تشتهي………..!)
والشاعر فلاح أستخدم الرموز الفنية العميقة التي شكلها أو أبتكرها ووظفها لتجسيد حالة ذهنية التصورية بانسجام وواقعية وحسب ما مداركه الشعورية التي أستطاع أن يكونها في تراكيب قصيدته ، وأستطاع أن يبني التداعي للزمن ضمن حيز المكان المتغير وحسب أفق التغيير الزمني الذي ينمو الحدث ، ونشعر أنه يبني الانسجام التام داخل ذاته قبل أن يؤشرها كفعل لكتابة النص ، لهذا نشعر بعمق نصوصه الشعرية ، وكأنها قادمة من أعماق ذاته الواعية كتأشير إلى اللاوعي وهذا ما يحدد الرموز التي يعطيها إلى الاستعارة المدركة لمعنى الأشياء التي حوله ، وهذا يعطيها علاقات ترابطية و يجعلها تنمو بأفق شعري يشمل كل إحساساته الشعورية المكونة لرؤاه في تكوين النص الشعري .
























