حميد سعيد بسنين عمان
الزمن المعكوس في رؤى الإستقامة
زيد الحلي
كتاب ، حرتُ في توصيفه ، فهو يأخذ من السيرة والذكريات جانباً، ومن الشعر والنقد ، جانباً ومن التحقيق الصحفي الثقافي ، جانباً ومن الرأي في الحياة وصداها وتقلباتها جانبا آخر … كتاب ينفرد بطرازه ، ويستقل بامتيازه ، فإن قيل عنه إنه حوار، وجدناه يتجاوز ما هو معروف عن الحوار وطبيعته ، وإن قيل فيه إنه سيره، وجدناه يتجاوز السيرة بما عرفناه عنها من سرد يروي فيه الراوي قصة حياة الرجل بقلمه، أو بقلم كاتب آخر. وإن قيل فيه إنه مجموعة مختارة من المقالات، وجدناه يتجاوز هذا الوصف، كونه يتعدى أن يكون مجموعة مختارة من المقالات التي جرى استخراجها من الصحف والمجلات أو من وقائع الندوات والمؤتمرات، وهو- في الحقيقة- مزيجٌ من هذا كله، لذا لا نبالغ إذا قلنا فيه: إنه كتاب فريد في بابه، أنيق في إهابه، جم الفائدة، لا يترك من أمور الشاعر واردة أو شاردة… كتاب يجمع كل الاضداد الثقافية والشعرية والانسانية ، يسحبك لقراءته ، والتمتع بآراء السائل وآراء المجيب .. كلها تصب في وعاء الذائقة الثقافية العربية .. كتاب جديد ، حمل اسم ( سنين عمّان .. مع الشاعر حميد سعيد ) للكاتب سليم النجار .
الحلة.. المعشوقة الأحلى !
تساؤلات كثيرة يطرحها الكتاب عن حياة الشاعر الغريد حميد سعيد ، لاسيما في فترة اقامته الحالية في الاردن ، التي شكلت المدة الأطول في بعاده ، وبعده القسري عن مدينته البابلية ( الحلة ) التي عشقها ، ولا زال حد الوله ، وبغداد التي يتنفسها ، والعراق الذي يعيشه في كل اللحظات .. والكتاب ، نوع من القراءة التحليلية وهي درجة متقدمة من القراءة ، وغالباً ما يمارسها الباحثون، وأهل الاختصاص، سواء كان من أجل نقد أفكار الكتاب، أو من أجل دراسة بحثية حول موضوع ما، والوصول إلى هذا النوع من القراءة ، يتطلب إتقان مهارات النقد، والتقويم، والتحليل، والاستنتاج، وطرح الأسئلة على أفكار الكتاب، ومدى جدية معالجتها.. وبالنسبة لي ، اقول انني من قراء (حميد سعيد ) منذ ان وعيت ، ومع ذلك وجدتُ في كتاب سليم النجار نافذة وإضاءة جديدة في المسكوت عنه في وجدان (ابوبادية) الانسان ، المثقف ، الشاعر المعجون بالنبل والكبرياء والوطنية .
300 صفحة من القطع المتوسط ، توزعت عليها وفيها ، تساؤلات الكاتب النجار ورؤى الشاعر حميد سعيد ، وجعلتنا نتجول في ربوع من وجهات النظر والمعلومات الحياتية لسنين الشاعر في عمّان ، وظروف وصوله اليها ومصادفات الزمن في معرفة معادن الصداقات ورجالاتها .. وايضا دلتنا صفحاته على ابرز ما كتبه من آراء في الصحف الاردنية ، وصدى ذلك في الاوساط الثقافية ، وجلساته اليومية في مقهاه الاثير ( فوانيس ) في شارع ( الغاردنز ) بعمان ..
في الكتاب ، يستشعر القارئ ، حرص حميد سعيد في حوار النجار معه ، أن يوصل للقارئ أي فكرة أو تجربة تمر بأقصى درجة من الصدق والوضوح ، ليس فقط سيرته الذاتية بل وكل كتاباته ومساهماته الفكرية والثقافية والإبداعية، فأطلعه عن بدايات أقامته في عمان: ( كان حميد سعيد عازماً على أن لا تطول إقامته في عمان من أجل العودة إلى بغداد لذا استأجر شقة قريبة من سوق السلطان بعمان لمدة شهر واحد، أقام فيها مع ابنته بادية. وخلال هذا الشهر لم يتصل بأي من معارفه وأصدقائه ولم يحضر إلاّ دعوة عشاء في بيت احد معارفه .
يقول النجار في مقدمته عن الكتاب ( تركت قلمي يتحرك بحرية عن الانطباعات من دون ان الزم نفسي بتسلسل زمني او محدد منهجي ، وحاولت قدر الامكان عن التعليق ، لأن الكثير مما ورد في صفحات الكتاب ، كان من ثمار حوارات ثقافية وإنسانية متواصلة ) .. وفعلا كان النجار ، صادقا في ما قاله ، فأخذنا واياه الى عالم حميد سعيد الاثير ، المليء بالإثارة والشجون … ويتوقف في عمّان محل إقامة حميد الدائمة، فيسرد القصة التالية: (هاتفه يوماً الكاتب الأردني فخري قعوار، وقال له إن وزير الداخلية المهندس سمير حباشنة يريد أن يراك فهل أنت على استعداد لذلك؟ فأجابه ضاحكاً: يا أستاذ فخري ولماذا لا أكون على استعداد، هل تحب أن أذهب راكضاً إلى مكتب السيد وزير الداخلية ؟ وفي المساء رافقه فخري قعوار إلى وزارة الداخلية ليجد الوزير حباشنة بانتظارها ، واستقبلهما بود وتدبير ثم سأله إن كان بحاجة إلى أي مساعدة ، فقال له : ليس لي من حاجة سوى تسهيل اقامتي متى أستطيع السفر والعودة حين أشاء. وفي اليوم الثاني أصدر الوزير سمير حباشنة أمراً بمنحه إقامته والسيدة زوجته لمدة ستة أشهر ليعرف في ما بعد، أن هذه المدة هي أقصى صلاحيات وزير الداخلية في منح الإقامة).
حاقدون ..!
في الصفحة 22 من الكتاب ، سأل النجار ، الشاعر حميد سعيد ( بعد الغزو الامريكي للعراق ، لاحظتُ إن كتابا غير معروفين ، اساءوا اليك ، ومع هذا لم ترد عليهم ، سواء في ما تكتب او حين يجري الحديث في هذا الشأن ، وكأنك تتناساهم ، فرد الشاعر : لا اتناساهم ، لأنني لا اعرفهم ، ومن اعرفه منهم ، لا احب الرد عليه ، فانا ارد على من هو في مستوى إنساني وابداعي جدير بالرد ، هل كان يليق بي أن ارد على من كتب في صحيفة الاحتلال المرتبطة ببول بريمر والناطقة باسمه ، وهو يعلم إن ما يكتبه من رسائل تحريض ، يبعث بها الى قوات الاحتلال وعصابات القتل في آن واحد الخ ).
مسيرة مبدعة
ولابد لقارئ الكتاب ، ان يعتقد ان سيرة حميد سعيد الابداعية ، اكتملت ، منذ قدومه إلى عمان حتى تجارب وأمارات الشيخوخة، إلا أنه يبدو من بين سطور الكتاب ، أن حياة الشاعر كانت من الامتلاء ما يجعل القارئ يشعر أنه ما زال لديه ما يرويه ويضيفه إلى سيرته الذاتية ، فمبدع مثل حميد سعيد ، يتبع بصيرته الموجودة في عقله وقلبه وروحه ، تلك البصيرة المتوقدة التواقة لتذوق الجمال في الحياة ، وشخصياً ، اعرفه ، مثابراً ، طموحاً ، لا يدع الملل يتسلل إلى نفسه وشعره رغم جراح الوطن ، وهو متصالح مع ذاته .
يُقال أن الذي تتحاور معه، يجب أن يكون قادراً على الإجابة عن أربعة أسئلة أساسية وهي، ماذا يريد أن يقول؟ ولماذا وكيف؟ ولمن؟ وهذا ما أجاب وأبدعه الشاعر حميد سعيد في كتاب سنين عمان .. وقد قرأتُ مقالة للدكتور إبراهيم خليل وهو ناقد وأكاديمي من الأردن.. عقب صدور كتاب النجار قال فيها ان من يطلع على حوارات النجار مع حميد سعيد يطمئن إلى توافر الجانب الموسوعي في شخصية حميد سعيد، وثقافته، وفكره. يعزز ذلك جزء آخر من هذا الحوار، وفصل آخر من فصول هذا السفر اللطيف، عن الأدب العالمي، وليس ثمة باب من أبواب المعرفة الأدبية، والفنية، يخلو من صولات وجولات للشاعر حميد سعيد، فهو يتتبع في أحد مقالاته وحواراته تاريخ المخطوطات العربية في مكتبة الأسكوريال بمدريد. ويتتبع تاريخ الطرب الأندلسي (الغرناطي) والعراقي والمقامات وما إلى ذلك من فنون الغناء، متتبعا الفنون التشكيلية في العراق وغير العراق مشيرا من لوحة لأخرى يحتفظ بها لمفردات هذا الفنان، وخطوط ذاك، وظلال آخر، وملامس السطوح لدى فنان رابع. ومن يقرأ هذا الفيض من الملاحظ يستنتج شيئا جديدا عن الشاعر، وهو أنه لو لم يكن شاعرا وإعلاميا لكان – بكل تأكيد – فنانا تشكيليا يعبر بالريشة والألوان عن عالمه الخاص، وأفكاره، مثلما عبر عنهما بأشعاره ، وكتاباته.
محط دراسات مستمرة
اذن ، ما زال الشاعر حميد سعيد يستأثر بعناية الدارسين، واهتمام نقاد الأدب، والصحفيين، وكتاب السّير والحوارات، ولعل كتاب ” سنين عمان: مع الشاعر حميد سعيد ” الصادر عن مكتبة دار الطليعة بعمّان لسليم النجار ، خير دليل على ذلك ، حيث استقصى فيه النجار عبر حوارات، وإجابات ومقالات، تم اجتزاؤها أو اقتباسها واستخراجها من هنا وهناك، مما كتبه ونشره الشاعر في صحفٍ، ومجلات، أو أدلى به في تصريحات، أو ألقاه في وقائع ندوات، ومؤتمرات ، فخرج لنا بكنز معرفي ثقافي جدير بالقراءة.. وسليم النجار بحواراته هذه يثير العديد من التساؤلات التي تتيح للقارئ الدخول في عالم حميد سعيد الشخصي من حيث هو إنسان أولا، ومن حيث هو شاعر ومثقف ومفكر من جهة أخرى. فهو يورد آراءه عن بعض المثقفين ومواقفهم الزئبقية تجاه الاحتلال الأميركي للعراق، ويورد آراءه في بعض المعارف ممن كانوا يحفظون له الود قبل الاحتلال ، وعندما حلّ بعمان زائراً فمقيما قلبوا له ظهر المجنّ، وتنكروا أو تجاهلوا – بكلمة أدق- حضوره، كما لو كان كأي عراقي نازح، مع أنهم كانوا يلهثون لإرضائه أيام كان يتمتع بنفوذ كبير وواسع في دوائر القرار ببغداد. وهذه في الحقيقة سنّة الله في خلقه، إذ لا يعدم المرء أن يكتشف بين أصدقائه من لا يستحق أن يكون صديقا، فيفاجأ بما يخيب الآمال، ويكسر التوقعات. ومع ذلك لا يفتأ الشاعر حميد سعيد يكرر في جل حواراته التماس العذر لهؤلاء، مؤكدا أنه لا يملك الحق في مصادرة حقوق الآخرين في أن يكونوا مثلما يشاءون، أوفياء للصديق، أو ناكرين له عند الضيق.
لقد رصد النجار في كتابه ، حياة الشاعر حميد سعيد في عمان منذ سنة 2003 إلى الآن، موثقا إنجازاته الكتابية والشعرية خلال هذه الفترة ومشاركاته في المؤتمرات والأنشطة الثقافية أردنيا وعربيا. ويصف المؤلف كتابه بأنه ” حوار إنساني وثقافي مع الشاعر حميد سعيد امتد لسنوات، فهو مذ حلّ في عمان عاش ما يشبه العزلة، وهذا ما لم يعرف عنه من قبل. فكل الذين عرفوه في جميع مراحل حياته، يتحدثون عن إنسان اجتماعي متفتح على الحياة ومحاط بالأصدقاء” .. ويوثق الكتاب أيضا لقاءات الشاعر مع مبدعين وأدباء وشخصيات ثقافية واجتماعية أردنية وعربية وحواراته معهم وانطباعات الشاعر عنهم، كما يسجل بشكل دقيق تفاصيل حياته اليومية، مستذكرا في ذلك أحداثا مرت بالشاعر قبل لجوئه إلى عمان وإقامته فيها ومستحضرا ذكرياته عنها. ويعد هذا الكتاب، الصادر حديثا، نوعا جديدا من كتب السيرة الذاتية التي لا يستغني عنها باحث يريد التعرض للكتابة عن التجربة الشعرية للشاعر حميد سعيد، كما أنه لا يوفر فقط المتعة للقارئ العادي، بل يغنيه بمعلومات وأفكار وينير له تجربة الشاعر في غربته بعد أن اضطره الاحتلال إلى مغادرة وطنه العراق، الذي قدم له حميد سعيد زهرة شبابه.
الخير والشر !!
لقد ادلى حميد سعيد ، برأيه في هذه الحوارات بنبله المعهود ، وبسط وجهة نظره ، واستخرج الزبدة من تجربته ، يحدوه الامل في ان يكون مسعاه في ذلك مثار للتفكير والتبصير ، ومساق الى الاتقان والتجويد.. فالقارئ ، لما نشره حميد سعيد في كتبه وشعره ، يتحسس درس العلل والاسباب والموازنة بين الدوافع والحوائل والرجوع بكل شيء الى منبعه الظاهر او الخفي ، فليس اليوم بكاف ان نقول بان هذا خير وذاك شرير وانما الواجب ان تستقصى الخفايا وتستجلى الدقائق وتحيط بكل المؤثرات التي تعمل في تكوين الاخلاق وغرس العادات حتى يتوضح لنا كيف ثبت الشر وكيف نجم الخير؟
كل خير وراءه مسوغاته وكل شر وراءه ملجئاته، وهي لا تقف عند الحاضر القريب او الوقت الراهن وانما تنزع الى اعراق من النشأة والبيئة ، ومن الوارثات الجسمانية والنفسانية ومن الاحداث التي تتمخض عنها الايام ومن التقلبات والملابسات التي تتاح لهذا الانسان في مراحل عيشه… لذلك ، عاش ( ابو بادية ) ضمن ظروف خاصة ، لم تتح لغيره ، ففاض على قراءه ومحبيه بسطور من الرؤية البيضاء .
بكلمة قصيرة اقول ، حين انهيت قراءة الصفحة الاخيرة من الكتاب ، شعرتُ انني فقدت صديقاً عزيزاً .. كان كتابا ، عذبا ، في تناوله لحياة حميد سعيد في عمان ، ومعذبا في ذات الوقت ، لعدم الوفاء الذي لاقاه من البعض ..!
























