قصص حسن البحّار أمام مرصد النقد

قصص حسن البحّار أمام مرصد النقد

الأبعاد الثلاثية في الريح الطاولة

يوسف عبود جويعد

في المجموعة القصصية (الريح تُترك على المنضدة) للقاص والروائي (حسن البحار)، وفي الوهلة الأولى، وقبل الولوج في اكتشاف النصوص السردية المنضّمة بين ثناياها، يتبادر إلى الذهن تساؤل حول بنية العنونة، كيف يتسنى للريح أن تتُرك على المنضدة؟ وهل بالإمكان ايقاف حركة الريح ثم تركها على المنضدة؟ وأي ريح هذه التي اختارها القاص لتكون باباً ندخل من خلاله الى عالم النصوص السردية؟ إنما حالة التأمل وتلك التساؤلات لم تدم طويلاً حتى نفك طلاسمها، ونعرف كناها، فبعد الانتهاء من مطالعة النصوص والغوص في عالمها ندرك الغاية المتوخاة من اختيار القاص لهذا العنوان الذي كان حسن البحار فيه موفقاً. وأنه لم يكن ضمن السياقات التي اعتدنا عليها في فن صناعة القصة القصيرة والتي غالباً ماتكون بنية العنونة باختيار نص من النصوص السردية عنواناً لها إذ لم نجد ضمن هذه النصوص التي مرت علينا سابقاً من يحمل هذا العنوان، وهذا يعني أن القاص أراد الخروج من هذا التقليد المتبع في هذا الجنس ليقدم لنا بنية العنونة التي تفسر المضمون العام لكامل النصوص، فبعد أن نكتشف أن تلك المجموعة قُسمت إلى ثلاثة أبعاد:”رياح عاتية، رياح معاكسة، رياح ساحلية” وضم كل قسم منها ثلاث نصوص ما عدا نصوص رياح معاكسة أربعة نصوص. تنتمي لحالة الريح فيها من كل اتجاه، وهكذا يتضح لنا أن بنية العنونة تمثل الأبعاد الثلاثة لحركة الريح في البنية النصية للمجموعة كاملة. أي إنها ثلاثية المستويات وهذه حالة فريدة لم نألفها من قبل. أي أن القاص زج المتلقي وسط تلك الرياح في سفينة تتغير مع تغير الريح وفق مقتضيات النص داخل المجموعة كلها. وقد جعل مبناه السردي وحدة موضوع تنتمي لحركة الريح وتكون جزءا منه، وأما النصوص السردية التي تنضوي تحت كل ريح ما هي إلا انعكاس لمفهوم ومعنى كل نص لحاله كشخصية منفردة. أي إنه استطاع اختزال ابعاد الريح وتوظيفها ومعالجتها فنياً لتكون نصاً مختزلاً يفتح أبوابَ التلقي عند القارئ. عندها نعرف أن بإمكان الريح أن تتُرك على المنضدة وفق مفهوم السفن والإبحار وسط البحر. اذ أن لكل متغير من متغيرات الريح حالة من الاستعداد تنسجم ونوعها واتجاهها،وطرق مواجهتها وما يمكن لهذه الريح ان تحدث من متغيرات في حركة الحياة، وما تحدثه أيضاً في حركة السفن، فعندما ندخل البُعد الأول “ريح عاتية”. يكون المتلقي داخل سفينة ينتظر فيها هبوب تلك الريح. وتأتي تلك الرياح على شكل نصوص سردية شبيهة للأولى ومطابقة لطقوسها ومفهومها وأسباب انطلاقها، وكما هو معروف أن الريح العاتية تكون شديدة قاسية قوية، استطاع القاص أن يوالف بين الأثنين:”النص والريح”؛ ليوظفها في المبنى السردي. حتى إن المتلقي ينتابه احساس أنه وسط سفينة في البحر ما يطالعه ليس نصاً فقط وإنما هي ريح عاتية جاءت إليه غفلة وعليه أن يواجه تحدياتهاوأن يستعد لسبر كناها ومعرفة مغزاها. في النص السردي (طائر فوق همومه) الذي نحسه وكأنه ريح عاتية نُبحر مع بطل القصة _ضابط طيار _وقد خاض الحروب في هذا البلد ورأى بأم عينيه كيف تحترق البيوت وتشتعل النيران وما يكون لحظة تساقط الحمم البركانية من دمار وتخريب وهلاك وموت. وهو لم يكن راغباً في أن يكون طياراً إلا إنها كانت رغبة والده لذى فأنه استقال وهاجر خارج البلاد هرباً من الندم الذي ظل يلاحقه بالرغم من ضنك العيش في بلاد الغربة. نجد الحركة السردية ضمن المبنى السردي تسير وكأنها رياح عاتية قاسية. (انتقاماً من العدو أحرقتُ بيوتاً، وجسوراً، أشجاراً ومخلوقات تعاملتُ معها كعدو قاتل، وأشياءً كثيرةً تركتها حطاماً يتصاعد منها الدخان ولم أعد أرى إلا النار حتى انتهتْ حرب فبدأت أخرى حتى انتهت وأنا القاتل. أمارس في طلعاتي رغبة لا يعرفها إلا من شاء أن يتصور إنها طلعة انتصار وفخر ويمكن لها أن تكون الأخيرة ! بدأت اخرى، والغريب لم أكن فيها ذلك الطيّار –  الصقر –  الذي يشار له بالبنان !! ما الذي حدث؟) ص 11. وعبرَ هذه التركيبة التي وظف فيها القاص حركة الريح. الطائرة، الجو. السفينة، البحر. لتكون ضمن النص انساق مضمرة نحسها ولكن لا نجدها، كذلك الحال في النصوص الأخرى التي تنتمي الى البُعد الأول _رياح عاتية _لقد كانت تنبعث من بين السطور وعبر مبنى النص لتهيمن على حواس وأفكار المتلقي وتلك النصوص هي: “رجل قال لا، حياة.. امرأة ساخرة”. ثم ننتقل إلى رياح أخرى تأخذنا في اتجاه مختلف وهذا ما نكتشفه ونحن نتابع نصوص البُعد الثاني: (رياح معاكسة). وكما هو معروف أن للرياح المعاكسة شأنا آخر ورؤية مختلفة؛ لأنها تأتي عكس مسار السفن وتعوق حركتها ومسيرتها مما يتطلب جهداً كبيراً من أجل الحفاظ على المسار الصحيح لحركة السفن، وهكذا فأننا نجد أن النص السردي (تمثال أصفر) ينساب عبر مبناه وثيمته ورسالته الإنسانية والانساق الثقافية المضمرة وكأنه فعلاً ريح معاكسة وهو يقدم لنا شخصية الأب الذي يعيش حالة حزن كبيرة لفقدان ولديه في انفجار حدث قبل شهرين اودى بحياتهما وتصل حالة الحزن والبكاء إلى وفاته ليلتحق بهما (تحرك على قلبه المحروق :” لماذا؟”. بدأ وكأنه يجر بساقيه في تثاقل ملحوظ متبرماً ممن كان يعاكسونه في الاتجاه.. لا يرد السلام ومن يسألونه عن حاله يكتفي بالصمت. لم يأت بكلمة. فقط يشير بيده إلى السماء وبين شفتيه تمتمات خافتة –  خافتة جداً- تكاد تكون مثل الرجفة الخفيفة ما أن تظهر حتى تختفي من خلف شواربه البيضاء. وقتاً حاول فيه انتزاع نفسه من غمته حين وقف وسط الشارع وقوراً على ظهر الفلاة وكأنه الجبل الراسخ يتحدى الحزن والندم. بشموخ الزاهد العاقل كان فيه عدم مبالاة مستمر حتى يخيل إليك أنه عانى أسوأ ما يمكن أن يكون من الموت) ص 32. وهكذا فأننا نكتشف أن النصوص التي انتمت إلى البُعد الثاني –  رياح معاكسة _تسير باتجاه معاكس كونها عكس ما تتطلبه الحياة القويمة التي تنعم بالحب والخير والسلام والأمان، وهذا شأن بقية النصوص التي ضمها القسم الثاني وهي:”المازح، أمل، الضيف”. أما في رياح ساحلية فإن النصوص نحتتْ منحاً آخر ينسجم وسياق الريح الساحلية التي تعني النزول من البحر وأمواجه وأهواله وتعبه وسهره ورياحه إلى البر حيث حياة المدينة ونسائها، حاناتها وخمرها، طعامها وشرابها، بساتينها وأشجارها. وفي النص السردي (أشقر) نكون مع البحّار سلوم ويومياته وهو يخلف البحر خلفه وينزل الى المدينة.. نعيش معه تلك العلاقة الإنسانية مع المرأة. (كانت الغيوم ناصعة البياض ترسم بتحركاتها على صدر السماء الصافية أشكالاً مبهجة. في صمت يبعث السحر والخيال لمح سلوم الأشجار منتصبة على ضفاف الأرصفة تهزها النسائم. لمسات ضياء القمر تحتضن الحياة تترك الظلال على المارين) ص 73. أن المجموعة القصصية (الريح تُترك فوق الطاولة) للقاص والروائي حسن البحار تجربة جديدة لم نألفها من قبل؛ كون القاص استطاع أن يوظف حركة الرياح والبحر والسفن ضمن النصوص السردية وجعلها البؤرة الرئيسية التي انطلق منها لتمتزج مع الأدوات السردية وتكون جزء مكملاً لها في ثلاثة أبعاد لحركة الريح. قدم لنا من خلالها نصوصاً تنتمي لكل بعُد من هذه الأبعاد وجعلنا نبحر معه، ولكن ليس في وسط البحر وانما في عالم هذه المجموعة _الريح تُترك فوق الطاولة _وكان الجهد الفني واضحاً في محاولة لإخراج فن صناعة القصة القصيرة من أدواته الرتيبة المتبعة إلى حيث التغيير والتجريب والحداثة

من اصدارات دار الجواهري للنشر والتوزيع 2017