أساليب إفصاحية في التراكيب النحوية

اللغة صوتية ووظيفية

أساليب إفصاحية في التراكيب النحوية

 خالد العزاوي

تعد الاصوات اللغوية الاحداث الأولى للمظاهر اللغوية ، فلا وجود للفظ بدون تجمع عدد من الاصوات بل يمكن اعتبار الاصوات اللغوية اللبنة الاولى اذ لا وجود صرفيا من دون تحديد عناصر صوتية ، وتبقى الوحدات الصرفية غير محددة من غير ان يكون للظواهر الصوتية الاثر في ذاك البيان والقيمة الصوتية ..

كما ان ما يقرره الدرس الصوتي هو الحقيقة او جملة الحقائق الصرفية في اللغة ، واثر العامل الصوتي والتنغيم هو بذاته عامل صوتي ذو اثر واضح وجلي في التراكيب اللغوية … من هذا المدخل يؤسس الدكتور أحمد إبراهيم صاعد في دراسة صوتية ووظيفية لصوتي ( الهاء والسين ) بحثين منفصلين في كتابه الذي يقع في 136 صفحة من القطع المتوسط والذي احتوى على ما يقرب من 110 مصادر ومراجع  من الكتب والبحوث والحواشي والشروح والمعاجم  في الاصدارات العربية والعراقية حيث تعتبر هذه الدراسة  مستوفية في الاصوات اللغوية ..

ففي الاداء اللغوي لحرف ( الهاء ) وظائف صوتية ونحوية سواء في البنية الصوتية او التراكيب النحوية ، فضلا عن صفات هذا الحرف الايحائية

واشتمل المبحث الاول على المواد ( الايحاءات الصوتية والموقع الرتبي والمخرج والصفة اضافة الى التقارض الصوتي ) ..

فيما شمل المبحث الثاني لهذا الحرف على الوظيفتين الصوتية والنحوية ..

آلية لفظ

استند الكاتب الدكتور صاعد على عد ( الصوت هو الة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف ، ولن تكون حركة اللسان لفظا ، ولا كلاما موزونا ، ولا منثورا ، إلا بظهور الصوت ولا تكون الحروف كلاما الا بالتقطيع والتأليف ) وهو مآل ذهب اليه الجاحظ في البيان والتبين وهذ يعني طبقا لدراسة التراث المعجمي للدكتور حلمي خليل ( كلاما يتحدد بداهة بأنه اصوات متقطعة ومنظومة في آن واحد ) لذلك يقول الباحث ان أصوات الحيوانات لا تشكل شيئا من الكلام لأنها لا ينتظمها التقطيع ولا تجـري عليه.. فلكل صوت ايحاءات ، وقد توفر لصوت ( الهاء ) إيحاءات مدته بمواقع في ابنية الألفاظ والتراكيب العربية ، ظهر فيها طابع ذلك الإيحاء يقول الخليل بن احمد الفراهيدي في كتاب (العـيـن)  عن اشتراك الهاء في ابنية الرباعي : ( وإنما استحسنوا الهاء ، في هذا الضرب  للينها وهشاشتها ، وإنما هي نفس لا اعتياص فيها ).

وكذلك اشتراك في التراكيب النحوية الأساليب الإفصاحية منها مثل بناء الندبة والتذكير ، والانكار ، وهذه التراكيب تعبر عن موضوعات نفسية ، وصادف صوت الهاء موقعا فيها مناسبا للتعبير عن تلك الفكرة الصوتية فهو يعبر عن الحزن والتحسر والتبرم والضجر واليأس ..

اما موقع الحرف الرتبي عند علماء اللغة كونه حرفا صامتا فالفراهيدي الذي لم يأخذ بنظام (الألــف بائــي ) إنما بالنظام الصوتي الذي يقوم أساسا على تتبع المخارج الصوتية في تركيب الحروف العربية

ينتقل الدكتور احمد ابراهيم صاعد في كتابه دراسة صوتية ووظيفية وهو يستعرض في مبحثه الثاني في صوت  ( حرف السين ) معتبرا ان حرف السين يشترك مع كثير من الاصوات في بناء اللفظة وقد اعتبروه عامل الإدغام والابدال وكان للعامل الصوتي اثر كبير في ادغامه ، او ابداله .

وينتقل الكاتب من بعد الاثر الصوتي الى بيان عمل حرف السين وسبب امتناع العمل ومن ثم يبين وظيفته واحكامـــــه فــــــي داخل التراكيب .. وقسم ذلك فـــــي مباحــــث اربعة الاول الصفات الصوتية ( المحرج ـــ صفته ) اما المبحث الثاني فيشمل على الادغام  ” إدغامه في غيره من الاصوات ” إدغام غيره فيه ، ومواضع لم يتحقق الأدغام فيها ، وعلة ذلك إدغامها في الاصوات المماثلة في القران الكريم .

ويتضمن المبحث الثالث :  “الابدال بين اللغويين والنحويين ” ورأي المحدثين في الإبدال و التقارض بينه وبين الأصوات الإخرى ..وينتهي في مبحثه الرابع والاخير الى الوظيفة  ” العمل ” الاصالة والفرع عند المحدثين ، الدلالة ، السكسكة ، الترتيب اللغوي واثره في غيره ..

يرى الباحث طبقا لدلالات الباحثين في اللغة ان مخرج حرف السين يشكل المرتبة الرابعة من مخارج الاصوات العربية ومخرجه أسلة اللسان وهو ينتمي الى مجموعة صوتية تشترك معه في هذا المخرج الذي ذكره الخليل بن احمد الفراهيداي ، اوله بأول الحنك الأعلى في كتابه العين اذ قال ( والصاد والسين والزاي اساسية لأن مبدأها من اسلة اللسان وهي مستدق طرق اللسان ) فيما يرى تلميذه سيبويه : ( ان مخرجه – اي حرف السين – ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا ) وبهذ الوصف يكون ادق من وصف استاذه الخليل فهو ( لدقته في الوصف ، وفي حرصه على تحديد المخارج ، وخصوصا في ادنى الفم جعل منه ثلاث مناطق ) كما ورد ذلك في كتاب الأصوات اللغوية للاستاذ إبراهيم انيس .. وهذه المخارج الثلاث هي اولا اصوات تتكون بالتقاء طرف اللسان بالثنايا من الداخل وثانيهما متكونه بالتقاء طرف اللسان أو أصولها اي : اللحم المغروز فيه من الداخل ايضا وثالثهما بالتقاء طرف اللسان

يختتم الباحث كتابه في الاصوات من اصل البحوث اللغوية باستنتاج ان الدراسة الصوتية ذات علاقة بدراسة الصرف ( المورفولوجي ) ودراسة التراكيب ( Syntax  ) واعتبر الباحث ان دراسته للصوت من جانبه الصوتي وسيلة للتوصل الى معان اخرى التي تؤدى كعامل صوتي سواء في اشتراكه في عملية البناء اللفظي ، ومدى شيوعه في البناء أو اشتراكه في التراكيب وهي دراسة منهجية نفذ الدكتور صاعد من خلالها بتوزيع المادة المدروسة على المستويين الصوتي الذي تمثلت دراسته في الموقـــع والمخرج والصفات والإبدال الصوتي ، والمستوى الوظيفي المشتركة في دراسة الوظيفة الصوتية والوظيفة النوية ..

حياة لغوية

ان مثل هذا النوع من الدراسات تجعل لغتنا مسايرة للحياة اللغوية المتطورة ، لأن اولى خطوات الجديد فيها الربط بين فروع الدراسات اللغوية ، اذ يعد تفسير ما يحدث فيها من ظواهر لغوية بناءعلى ذلك الربط وسيلة علمية ناجحة ..

اما النتائج من هذه الدراسة فقد اشتملت بجملتها على انه ليس للنحو والصرف غنية عن مشاركة علم الاصوات في دراسة تكوينهما ووضع الألف ضمن الصوامت لا يستند الى عامل صوتي كذلك حالة   نشاط في   صوت الهاء  واعتباره صوتا مهموسا  لا مجهورا وحالة التقارض الصوتي حالة نشطة في هذا الحرف وتميزه بايحاءات صوتية منحتة طاقة تعبيرية ..

وفي الختام ان دراسة الأصوات ضرورية لفهم التطور الصوتي ولتأصيل الدرس اللغوي ..