قراءة في منقذ اليعربي
سنوات الجمر والإبداع
هشام عبد الكريم
إذا أردنا أن نُحصي عدد كتَّاب أدب الأطفال في العراق والوطن العربي يقف الأديب جاسم محمد صالح في المقدمة ، وذلك لأنه أوقف جلَّ مشروعه للكتابة عن الأطفال والفتيان ، نلحظ ذلك من خلال غزارة إنتاجه سواء في المسرح أم الرواية أم القصة القصيرة ، فضلا عن عشرات البحوث في مجال الكتابة للأطفال والتنظير لها .
إن الأديب جاسم محمد صالح كتب أعماله وفق توجه تربوي يحاول من خلال كتاباته للطفولة أن يعزز القيم الأخلاقية النبيلة والتضحية وحب الوطن والصدق في التعامل وحب الآخر وتعميق الانتماء لكل ما هو جميل.
إن سنوات التدريس والإشراف في المجال التربوي كان لها تأثير مباشر في مسار الأستاذ جاسم محمد صالح الإبداعي ومن هنا نتلمس الثيمات التربوية المضيئة في كتاباته إذ لم يخلُ نص من هذه الثيمات التي صاغها الأستاذ جاسم محمد صالح ودسها في النصوص ببراعة فنان أصيل .
كتب الأستاذ جاسم محمد صالح واصدر ما يربو على الثمانين كتابا فمجال أدب الأطفال ونال الأوسمة والدروع والشهادات التقديرية وتُرجمت كتاباته إلى لغات عدة فضلا عن منحة شهادة الدكتوراه الفخرية من المعهد الألماني في صيدا.
وقد نال بعض الدارسين شهادات الدكتوراه من خلال تسليط الضوء على منجز الأديب جاسم محمد صالح وتناوله لقصص ومسرحياته ورواياته فضلا عن تنظيراته في مجال الكتابة للأطفال .
بين يدي الآن إحدى روايات الأديب جاسم محمد صالح والموسومة بـ (منقذ اليعربي) ، إن هذه الرواية مخصصة للأعمار الواقعة بين ( 10 – 15 )عاما وتقع الرواية في أربع وثلاثين صفحة من الحجم الكبير معززة بصور ملونة مستمدة من موضوع الرواية نفسه .
أحداث الرواية تقع في زمن الخليفة العباسي المستعصم بالله ذلك الخليفة الذي عُرف بجشعه ولهوه وتركه لشؤون الرعية وعدم تحسبه لطوارئ الزمن عندما كان المغول يكشرون عن أنيابهم متوجهين إلى ( دار السلام ) … بل بلغ بهذا الخليفة الأمر عندما أراد احدهم تحذيره من المغول بعد استيلائهم على معظم أراضي العراق بداء من الشمال – انه أجاب ذلك القائد الذي حذره بقوله : ((بغداد تكفيني )) ناسيا أن الذي يفرط بالجزء سرعان ما يفرط بالكل.
هذا هو أمر ذلك الخليفة العباسي الضعيف الذي بدأت العامة تضيق ذرعا به ، يقف في الجانب الآخر الحداد منقذ اليعربي ذلك الرجل الذي أحبه الناس وأصبح رمزا من رموز مدينة السلام لما تميز به من حكمة في فهم الظروف المحيطة بالمدينة وحبه لبلاده .
كان منقذ يعمل حدادا ويصنع السيوف فجعل من مهنته هذه طريقة لتسليح أبناء المدينة إذ كان يحثهم على اقتناء تلك السيوف التي كان الحليفة بدوره يمنع بيعها وشراءها الأمر الذي جعل تلك تتكدس لديه لان الناس كانت تخاف شراءها تحاشيا من رجال الخليفة الموزعين في طرقات بغداد ، إن طمع وجشع وبخل الخليفة جعله يقوم بتسريح الكثير من جنده دون تحسب لاقتراب ساعة الحسم التي سيعلنها المغول .
لقد استطاع منقذ في تلك الفترة أن يلمَّ حوله الكثير من المؤيدين لمواجهة المحتل وقام بدوره بتوزيع السيوف والرماح والدروع عليهم استعدادا لمواجهة العدو؟ ، وفي احد أيام الجمع وأثناء صلاة الجمعة التي يتجمع فيها الناس استثمر هذه المناسبة وقام بإلقاء خطبة تحذيرية لأهالي بغداد غير أنَّ وزير الخليفة اعترض عليه مبينا أن المغول لن يهاجموا بغداد لمنعة أسوارها وسينسحبون في الأيام القادمة ، وهكذا انقسم الناس ما بين حديث منقذ وحديث الوزير الذي ينطق باسم الخليفة .
وأخيرا قرر منقذ وأتباعه مواجهة الخليفة وقد انتهى ذلك اللقاء بعدم قناعة الجميع بتطمينات الخليفة ، الأمر الذي قادهم إلى السخرية منه ، بعد هذا اللقاء أصبحت المقاومة علنية فقام منقذ بتوزيع السلاح وتحذير الناس من مهاجمة المغول لبغداد ، في هذا الوقت كان الخليفة يجمع الجواهر والأموال والأحجار الثمينة ولا يفكر إلا بنفسه .
بعد مضي خمسين يوما بدأت القوات المغولية بمهاجمة بغداد ، كان الخليفة في هذه الفترة قد اصدر قرارا بإعدامها منقذ ناسيا أن بغداد أخذت تلتهما النيران من كل حدب وصوب .
لم تجدِ مقاومة منقذا ورجاله ، فالكثرة تغلب الشجعان وأخيرا سيطر المغول على بغداد و سجنوا خليفتها ورجاله ، لكن هذه الغلبة المغولية على بغداد وحرقها وتدميرها لم تثنِ (منقذ) عن المقاومة ولم تدفعه إلى الاستسلام ، فمنقذ العربي الأصيل كان خوفه على الوطن كله لذا قام بالاتصال بأشقائه العرب في المدن العربية محذرهم من هجوم مغولي كالذي حدث في بغداد ، وما هي إلا أيام حتى ازدادت إعداد مؤيديه في المدن العربية الذين دعموا مشروعه بالرجال والمال وكان دائما يطمئن أشقاءه بالقول : (( أننا سننتصر إذا أصبحنا يدا واحدة )) ، وبالفعل كلن له ذلك ، ففي معركة (عين جالوت) استطاعت القوات العربية أن تهزم المغول شرَّ هزيمة وتُعيد للأمة العربية كبرياءها ، بعد ذلك يعود منقذ اليعربي إلى بغداد ليحث الجميع على المساهمة في بنائها من جديد فكان له ما أراد ، ما يميز هذه الرواية هو موضوعها ذو الأبعاد الفكرية التي تدعو إلى الوحدة وتعاون أبناء الأمة الواحدة من اجل دحر أعدائها ، فلا نهضة من دون تكاليف والتقاء الأيادي كلها .
إن بطل الرواية (منقذ) لم يكن ذا فكر منغلق منصب على قضية مدينته بغداد وتعرضها للهجوم المغولي بل كان يرى إلى المدن العروبة كلها على أنها بغداد ، من هنا ومن خلال هذه الرؤية القومية انطلق مدافعا عن الأمة العربية كلها من خلال تقديم العون عن طريق سيوفه ونباله ودروعه فضلا عن مساهمته الفاعلة في توعية الجماهير وحثهم على أن يكونوا تحت راية واحدة ، فالأمة لا تجني ثمار نصرها إلا من خلال وحدتها .
إن لغة الرواية كانت صافية عذبة مفهومة لا يجد فتياننا صعوبة في تقبلها ذلك لأنها كُتبت لهم والأستاذ جاسم محمد صالح ينحو دائما في كتاباته منحة تطهيريا ذلك لأنه يكتب ويضع في حسبانه ما يمكن أن تحدثه نصوصه من تأثير وتغيير لأفكار فتياننا ، انه يكتب برؤية المربي المدرك للأخطار التي تُحاك ضد امتنا العربية وضد أبنائها ، وما توجهات الأديب جاسم محمد صالح إلا محاولة في الارتقاء بالفكر وبالذائقة الجمالية للأطفال والفتيان في بلد تعرضت له هذه الشريحة لأبشع صنوف القهر والاعتداء والحرمان من ابسط الحقوق… أبارك للأستاذ جاسم محمد صالح هذا المنجز الروائي ( منقذ اليعربي ) الذي شكل إضافة نوعية لمكتبة الطفل العراقية والعربية.
الجبال التي أحبت ظلي للأردني يونس عطاري
شعرية التجلّيات السيريّة في ترتيب الواقع
احمد الشيخاوي
لله درّ هؤلاء كم هم غاوون ووشاة أيضا.وأي شطحات تلك للمخيال ؟ تأنف أن تتزمَّلَ بغير قميص زمنها (هي) نكاية في راهن تجاوزنا بأشواط عدةّ،أبحقّ نكون قد تخلّفنا عن مواكبة مجازره وساديته وجبروته الذي يتلوّن بغبار شياطين تتجدد لمحاربتنا والقضاء علينا حدّ الانقراض، بين الفينة والأخرى صانعة كل هذه القيامة وكل هذا الهول…؟
إنهم وباختصار شعراء حقبة تُكتبُ بالدم، لم يعد في وعيهم خيط رابط بتعاليم المدينة الفاضلة.طلّقوا أبراجهم العاجية ليركبوا موجة احتواء مشاهد الواقعية والنهل من تفاصيل الآني على نحو يسعف في صياغة جديدة لذات التشظي وحياة الانشطار.
ذلكم الواقع الأشبه وإلى حدّ بعيد بكرة من نار ،من مثالب المهارة الإبداعية، أخذ تلك الكرة الملتهبة في انكفائها على عوالم متداخلة ومتشابكة ،الكفة الراجحة فيها للمفارقة والغرائبية والأنانيات المريضة والدموية والاضطراب، فيما الخاسر أولا وأخيرا جراء كل ذلك الإنسان والضمير الحي وصوت الفطرة ونواميس الاعتدال.
قلت أخذ تلك الكرة من الجحيم، ثمّ وضعها ــ بشجاعة ـ في الحجر وكأنها مجرّد قمر بارد، تماما مثلما يطالعنا بنظير ذلك شاعرنا المتألق يونس عطاري،على سبيل الاستعارة الكلية إذ تغالب التنميق اللغوي لتجذب إلى عروض صورية مشوّقة تضخّ في طرف التلقّي زخما وباقة من حكم محيلة على ما يفيد العزف على قصب المزاج وشقّ كوة في أفق الكتابة حال الانسداد الروحي واختناق الذات كضحية لجلاد أكبر اسمه راهننا المفتوح على مزيد من احتمالات الوجع والتلاشي والدمار.
لعلّ هذا ومثله غيض من فيض لما يمكن أن تشي به التجربة المغايرة مثلما يرسمها ركوب موجة جديدة للحكي، للبوح بمعزل عن الصوت الباطني أو رد الفعل المتسرّع في جنايته الشنيعة على شتى ما يتيح تغذية أيديولوجية وفنية على حد سواء مناهضة بالتمام لجملة الطلاسم والمعميات المعمّقة لإفراغ الذات وتشتيت طقوس الإشباع.
إنه وبمنظومة رؤى على هذا الطراز، يطالعنا المبدع الأردني النّبيه يونس عطاري بأجدد إصداراته عن دار الأهلية/عمان .. الأضمومة الموسومة بعتبة مستفزة جدا ومقلقة ومثيرة للجدل ومغرية جدا وباعثة على افتضاض بكارة ما تحجبه ما ورائيات ألوان شعرية هامسة بعذابات الذات وتخبطاتها والتواءاتها مع الدروب المقنّعة للحياة المعاصرة ضمن حدود المواجهة غير المتكافئة ولا العادلة التي تحاصرنا به المادية الحديثة.
تلك بعض ملامح الذات في محاولات فكاكها من سلطة الواقع كضرب من تكالب على نورانية وأخلاقية وفردوسية وطفولة المحذوف.
شعرية ديوان( الجبال التي أحبّت ظلي) كاشتراط يمليه توهج البصيرة، يزدري المحاباة،إشفاقا علينا وهو ينزع بنا صوب ما وراء الخطوط الحمراء النارية وفي مغامرة كلامية باذخة تهدم لتبني وتُردي لتهب الحياة.
لنتملى سوية هذه الاقتباسات ليتبين لنا بعض ما ذهبنا إليه:
” يرشُّ
بالرّحيلِ
ظهري
فأسندُ إليهِ قلبي
وأُعلّقُ الفاكهة.”
…………..
” ولا قدَم لدي
لا سكنْ
علّقتُ بالنّخلةِ قلبي
واهتديتُ:
أنّ هوايَ هو الهوى.”
……………
” يا ذا القامة المئذنة
إني أصلّي وأحتسبُ المُشتهى
تعالَ
بكوزينِ من الذرة المشوية
لتدخلَ المنام.”
……………
” من هزّ الأرضَ كي أنامَ في انشغالِ
الجيرانِ بِتلاوةِ الكتابِ على الذاهبين؟
وتركَ نجمتهُ بلا اتّساع ــ في أيلولَ ــ
ليراني؟
هذا الوجعُ متواضعٌ جدّا يكفي اثنينْ
كي يكونَ أحدهما منفيّا
والآخرُ قطارْ:
الحزنُ وقتٌ كاملْ
الدّربُ ضيقة.”
…………….
” غريبٌ عن المطرِ
وداركَ منْهلٌ يسحُّ منه ماءُ الورق
وأقوالكَ تسقطُ في الرّيح
يسدُّ نسجكَ باللغة كوة كمن يرتّقُ ثوب ” الخطاب”
دوّنتُ كالورّاق جسرا من الحرف أو التّنك
صيدُك حرف قربَ قلبكَ المنجلي يقطفُ الوردة الدمشقية
دون أن يرتفع ذلك المهماز في خاصرة الفرس.”
……………….
” في حضور الفراشة لا تُجدّل مداراتُ عُزلتكِ على هواكَ
خلِّ لقلبك العائد من سفر النحلةِ فضاءً كافيا فالسارق الماهرُ
يركُلُ كرة النار يأخُذ ها في حجره كأنها قمر بارد.”
………………
” .. والآنْ
أغصُّ بالحنينِ وفقْدِ الأمكنةْ
أستُرُ وقتَ النّداء بين الرّاحتينِ
وأجاورُ الوعدْ “
……………….
” أعلنتُ طيشي
وارتدَتْ رملها الروح
فترامتْ وارتميتُ”
……………
” خيولُ الموج
تدافعتْ تحاورُ الاستواء العالي
عند ارتفاع الدهشةِ الأولى
وقالتْ:
لن أزفَّ إلى الترابِ حبيبي
أنا فتاةُ الماءِ..
اغتسلتُ تحت عرش الدوالي
بالبارودِ
والحنّاءْ”
……………
“هي
البلدانُ طلَلُها.. والغيمةُ أيضا
فهلْ للشجرةِ دخولٌ
.. أو مسافةْ؟
لبستِ العتمة في دائرةِ الماءِ والفخِّ
وغابتْ
.. أسمعُ سيرةَ جهلي
تركُض فيّ:
أين اكتشفـتِ عباءةً للقولِ؟”
………………
” التّاريخُ ظلُّ قبّعتك
في هذا الحرِّ
..ادنُ من قصبِ المزاجِ
فالدخول في محجركَ:عري
الخروجُ منهُ لباسك في انجذاب الرّاحلينَ
إليكْ”
………………..
” برملٍ قليلٍ
وقشّ
أبني بيتي وأحلامي”
………………
” أعيد ترتيب الإله بين الصخور
والطين
أشعلُ الأزرقَ
أسكُبهُ في صحونٍ من وجعي
وأحتمي بالهواءِ
بالنّدى
والنوافذْ “
……………..
” كلنا جلاد
وكل وطن ضحية”
………………
“أنا الصّريخُ
أحبُّ فاكهة الشام
يا من أخذتكِ
الرّجفةُ
تفرّين من “نجد ” كما “الحجاز”
فتنتُكِ الشآمُ
تُضلّكِ وتهديكِ
الوجوهُ تغرفُ من النّهر.”
طرائد نصية تتنوع وتتوزع حسب التدفّق الواعي لتيار الكامن وتبعا لمنسوب الشحنات الوجدانية والمعرفية،تتفشى تصاعديا وباعتماد نفس متقطع يلوّن المرحلة بمعالجات تقتضيها النرجسية المقبولة إذ تصقلها الثيمة المحتفية بمرآة الآخر.
هنا يتمّ تشكيل القصيدة من داخل الذات، تماشيا وتناغما مع إيقاعات سيرية، تشحذ نزيف الواقع الذي لا يتوقف لحظة .
كحالة ترنّم تُتيح لمزاوجة رهيبة بين الفجائي والغنائي، تروم ترجمة مشوهة مقصودة لهذا الواقع على اختلاف مناحيه،ومن ثم افتعال ترتيبات له وقفا على إملاءات مناخ الاغتراب والمنفى والعزلة الإبداعية.
كذلك هي القصيدة بعدّها انقلابا على الذاكرة والانصهار في بوثقة زمكانية محدّدة ومسطّرة سلفا.. كفعل إبداعي يحدث وتتواتر فصوله ضدا في واقع تجاوزنا بسائر ما نراه ونشهده ونتخيله.
























