غربتنا بدأت بإختفاء العصافير للشاعرة يار جعفر

غربتنا بدأت بإختفاء العصافير  للشاعرة يار جعفر

بين الأحلام ورهنيات الواقع الآني

ايمان عبد الحسين

 على الرغم في الفترة الاخيرة انتظمت المجاميع الشعرية في ضروب من التشكيلات المتنوعة ،  وعلى الرغم أنها عكست صور ومواقف مختلفة الا ان هناك قاسما مشتركا تلتقي حولها اغلب المجاميع هوان هم الوطن هو الهم المهيمن الذي يقودالشعراء في الاغلب الانشغال عن مشاكلهم وهمومهم الذاتية ، فلا نبالغ إذا قلنا أنه على الرغم من خصوصية كل شاعرعراقي، إلا أن هناك توجهٍا واضحا عند اغلبهم لتكريس صورة الحرب التي صارت بمثابة السمة الاساسية للمشهد الشعري اخيرا ، فكل الكتاب لا سيما الشعراء يعيشون في الوقت الاني ظرفاً خاصا يؤدي بهم احيانا إلى حالة من التشابك ما بين رغبتهم في طرح احلامهم الذاتية، وبين الراهنيات المستجدة في واقعهم الاني التي تسيطر عليهم .

ملامح اساسية

ومن هذا المنطلق بما أن الشاعرة يارا جعفر في مجموعتها المعنونة (غربتنا بدات باختفاء العصافير) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ترصد وتفصح عن الملامح الاساسية للحرب التي تتجلى وتتمظهر تارة بشكلها المباشر وتارة بشكلها الضمني ،فبات لازما عند قراءة هذه المجموعة التوقف عند ثيمة الحرب باعتبارها هي الثيمة الاشد حضورا في العديد من القصائد .

  فاذا ما اقمنا في البدء اسقاط العنوان بكونه مكوناً رئيساً من مكونات الخطاب الشعري دلاليا على مضمون المجموعة الشعرية لوجدنا ان العنوان يبدو منسجما مع متن القصيدة ، من كونه  يمثل دالة شاخصة حول معنى الموت والغربة، والتي يمكن الوقوف عليها هنا في صورة العصافيربوصفها وسيطا رمزيا لكل من نفارقهم في الموت او الشهادة التي ترتبط بغربتنا .

 فمن هذا المنطلق نرى ان الحرب بوصفها ثيمة اساسية تتداخل وتتفاعل وتلقي بظلالها وتترك أثراً بالغاً على كل العناصر داخل النص الشعري، فهي تعطي لكل ما سياتي من الصور مشروعيته جاعلة من الاماكن والازمنة مرتبطة مع حالة الالم والحزن والقلق، وملونة بالوان قاتمة تعكس الحقيقية المؤلمة التي تسيطر على النفوس ، ففي قصيدة (في الحرب) نرى ان الذات الشاعرة  تؤهل القارىء وتحيطه بفضاءات تساعده على استقبال صورة الحرب من خلال اصوات الرصاص، وتؤهله لمتابعة نواتجها التي في النهاية تفضي الى الهروب والموت منذ البدء من عنوان القصيدة باعتباره علامة تؤدي الى ما هو موجود في النص الشعري وتحدد هويته :

كيف قايضت وقتك بالموت في زمن ناضج

كان صوت الرصاص وكنت التي ايقنت غزلها

اخترت مهلته للفرار

ترحل في الموت ياتي

الى اين تفضي النهايات؟

ولم تغب صورة الموت الذي تسببه الحروب في قصيدة (هوس) فهي تلقي بظلالها على الزمن التي توقفه وان الموت مرتبط في الحرب في هذه القصيدة ايضا:

هوس البحث عن اي حرب

 لندخلها كي نموت احتيالا على الموت كي نوقف الوقت

وبما ان كل العناصر والمفردات  في القصيدة تشكل دلالتها من التواشج بين بعضهما البعض والذي يصنع للقصيدة المجال الدلالي الخاص بها فتكون كلمة …مشوهةî في قصيدة (شبح السلم) تستمد جزءاً من معناها من علاقتها التقابلية مع  ما تفزره الحروب ما نلمس انعكاساتها على نفسية الذات الشاعرة التي تغلغل الحزن والانفصال على دواخلها:

وحدك الان تلهث تبصرني

من رماد الحروب اقوم مشوهة

 كما تبرز الشاعرة فاعلية الصورة الاستعارية للحرب من خلال هند اكلة الكبود، في قصيدة هند التي تحيل على هيمنة الحرب ودلالاتها التي تشي بايحاءت الخوف والقتل والموت فالسياق التي ترد فيه الكلمات  الطائرات –  المدرعة –  برابرة تحيل على الحرب حتما:

الطائرات ستنجر هذه المهمة

لا تبدا الان

صوت مدرعة

لا تخافي ولكنهم في الزقاق

برابرة

ما الذي يسبق الموت في الطرقات

 التوجس ام ووشوشات الرصاص؟

و تراهن الشاعرة في قصيدة اول الخيط بان كل ما يمت لذاتها الشعرية من الم وبعد واغتراب  يعدّ من أهمّ الحوافز الدافعة للهجرة اضافة الى ان كل الم وحسرة  في القصيدة إلا وكانت الحرب رافداً لها:

ربما لم اعد بعد من صخب الحرب

ذاكرة من رصاص

وانتظار

وحتما ان في زمن الحرب لا بد ان تخبو جذوة الحب وتقارب الافول، وان الحرب في قصيدة طفلة النهر كما في اغلب القصائد تضل بابا مفتوحة كل ما يصيب الحياة من انشطار ، فالشاعرة تطرح في هذه الابيات المتفرقة انقضاء الحب في زمن الحرب فالمعجم بمفهومه اللغوي يعني تردداً مفردة بعينها (الحرب) أما الحقل الدلالي: ورود >ل ال>لمات التي تدل علي معني محدّد لمفردة >الموت مثلاً (عطل –  تشويه –  وحشة –  الهش –  انفجار –  انسحاب)

ما كان وهما ولكنه حب سريع التعطل هشا تطارده القاذفات

وماذا ساذكر بعد انفجار الفقاعات

-كيف انت وقد شوه العابرون المكان استفزو الزمان

-انتهى وقتنا مثلما قلت عند انسحابك

في موسم الحرب لا افهم الحب

وما دام النصّ نسيجاً تواصلياً، تتشابك فيها جملة من العناصر من ضمنها اللون الذي لا يمكن فصله عن تجربة الشاعرة للأهمية التي يحتلها ضمن العناصر الأخرى، المكونة للصورة الشعرية ، كأنما يكون توظيف اللون الأحمر استمد دلالته من واقع الحياة في ظل الحروب فلدلالة اللون توحي بالدم والنار بينما اللون الاخضر من الألوان ذات الإيحاءات التي  تبعث على التفاؤل والهدوء وانه في هذه الابيات من القصيدة يوحي بالحرية والانطلاق:

قصيدة الى الخضر الطلقاء

كثيرون كانوا يسيرون خضرا صباحا

كثيرون كانوا يريدون ان يهربوا

هربوا منه منها وصاروا هم الطلقاء

وطني احمر عصبي

وطني العسكري

ولأن للون قدرة إيحائية عالية لما له من بعد نفسي نجد ان ان اللون الأسود في قصيدة (الشهيد سلام عبد الرزاق) يكون من العناصر المهيمنة باعتباره دالة إشارية على الحزن الذي يرتبط بالموت :

سيغزل موتي السواد

ويرهق امي الحنين

اشتهى وطنا ممكنا

صور الحرب

ومن الطبيعي أن تكون المفاهيم التي تسوقها صور الحرب إلى الوجدان سلبية وتكون الالوان فيها معتمة فنلاحظ طغيان الالوان المعتمة وتلكؤ الالوان المفرحة في قصيدة اوز عراقي:

لكنني كنت ابصرها في الهدوء المريب وفي الاتربة

في الصداع العنيد

في تلكؤ الوان بهجتنا

وفي (قصيدة غربة وشتاء )ايضا يكون للون حضور واضح ويكون في يد الشاعرة كما في يد الرسام أداة تقرّب تحقيق غاية الوصول إلى مقاصد القصيدة التي تنقل هنا الحزن والبعد كما في الابيات التالية التي يوحي بالجدب والاعتلال:

في الطريق المعبد ما بين بغداد والحزن

ينخرني صلف اللون

لون التصحر والاعتلال القريب

ولا شك أن تسليط الشاعرة  لصورة الحرب التي بحكم  تكرارها وتعاقبها على هذا الوطن باستمرار ما تجعله غارقا بفضاءِ الخزن و منهكا على الدوام ، فلا يبقى في ظل هذه الحروب سوى البكاء، وان هذا التعالق بين الموت والوطن تظهرفي الابيات التالية من (قصيدة الغائب ) مهيمنة وواضحة:

ارجوحة الحرب تاتي وتذهب في وطن منهك

تبكي المدينة

يبكي الجنود السلاح المنكس

يبكي الشتاء

وإن المتأمل في ما وراء الأبيات التالية من قصيدة اظن باني فقدت هنا وطني  يرى ان هناك حالة نفسية تعانيها الذات الشاعرة تحت وطأة الشعور بالحزن، الملازمة لفقدان الوطن كما سبقت الإشارة إلى ذلك في اغلب القصائد فهي تفصح عن ذلك الانفعال بالأسى  وهو ما نراه في بحثها عن الوطن الذي فقدته:

وقد اشتهي ان اضم يدي على وطني

الثم الوجنتين ويهجع هذا البكاء

في المساء يؤرقني الحزن

 وفي مقطع اخر من القصيدة

ان حزني فسيح كما الصمت

اظن باني فقدت هنا وطني

 وفي قصيدة عشق تجمع الشاعرة في التقابل الدلالي ما بين الخوف والحرب

تذكر بان السماء رمادية مذ ولدنا

وقد تشتهي ان نطيل

التهمني

فشعل في موسم الخوف حربا ملونه تقتفيه

و في قصيدة الجندي يكون التقابل الدلالي بين الحرب الحزن والموت هو الذي يولد المعنى في النص الشعري، ويجعل الصراع يتصاعد ليقارب الصراع النفسي للذات الشاعرة التي لاتسمع سوى البكاء ولا ترى سوى القبور، كما تشير بعض السمات الدلالية في النص التي تتجمع لتوحي بهول الحرب وفجاعتها:

بكى الانفجار

الرصيف

الجدار الملون

وجهك

قبرك كان النهار

وشاهده العلم المؤتمن

يا له من وطن