إمرأة من فصيلة الشمس لفاطمة منصور

إمرأة من فصيلة الشمس لفاطمة منصور

فلسفة الحزن وتمظهر الوجع

محمد كتوب المياحي

نسبية ادراك الذات البشرية لما حولها من جزئيات لاسيما ( المعنوية ) منها , شكلتْ ملمحاً انسانياً لافتاً لتمايزها عن باقي الكائنات , يقول قباني :

اخطاؤك الصُغرى .. أمرّ بها

وأُحوّلُ الاشواكَ ريحانا

لولا المحبة في جوانحه

ما اصبح الانسان إنسانا

منذ الخليقة الأولى للبشرية وثنائية ( الفرح والحزن ) لا ينفكان عنها , بواعث الحزن وحوافزها تعددتْ بتعقد الآخر ( الانسان وغير الانسان ) ؛ ففي العديد من الأحاين ابناء جلدتنا ممن نتعامل معهم يشكلون مصدراً للحزن بوساطة غرس مخالبه السود في ذواتنا , وحين آخر لا يختلف التجريد ( الجزئيات غير المادية ) في لعب الدور نفسه ؛ فيُمسي – أي التجريد – مدعاة للوجع والألم , ففقد من نحب او عدم تحقق امنية ما او الحرمان قضايا تجريدية وهي الاخرى مدعاة لاغتراب روحي ناجم عن الحزن ما .

ضاقت الذات البشرية ذُرعاً بالحزن , فما عادتْ بواطنه قادرة على تحمل اثقاله , وبالنتيجة لملمتْ العجينة اللغوية جراح الذات حينما امست المسُتقطب الابراز لتشكيلات الحزن والألم , فأخذتْ أنامل الادباء بكافة صنوفهم ترتسم معالم الوجع علّهم يجدون ضالتهم في تقليل وطأته عليهم ؛ من هنا يقول( فرويد ) : الكاتب إن لم يكتب يتحول الى شخص عصابي , وعليه امسى الحزن عند البعض الملمح الابرز , وتأسيسا على ذلك تصبح كل الجزئيات المحيطة بالمبدع مدعاة وحافز لنكث الجراح , فهذا ابو فراس الحمداني يُثُير اوجاعه ( نوح حمامة ) يقول :

أقولُ , وقـــد ناحتْ بقُربي حمــامةٌ

 أيا جارتا , هل باتَ حالك حالي؟

معاذ الهوى ! ما ذُقتِ طارقة النوى

 ولا خطرت منك الهموم ببالِ !

أتَحــــمِلُ محـــزونَ الفــــؤاد ِقوادِمٌ

 على غُصِنٍ نائى المسافة عالِ ؟

أيا جارتا , ما انصف الدهرُ بيننا

 تعالي اقاسمك الهموم , تعالي

وفق ذلك نقول ان النصوص الشعرية عبارة عن مشاركة وجدانية مُعبأة بسيل من المعاني الانسانية الجياشة .

من هذا المنطلق ارتأيت ان اقف على هذه البنية المؤثرة في متلقي النص الشعري ؛ فقادتني ذائقتي الفنية الى ان انتخب نصاً استشعرتُ فيه جمالية طرح نزعة الحزن بين حروفه اليقظة , فكان انتخابي لديوان ( امرأة من فصيلة الشمس ) للشاعرة اللبناية ( فاطمة منصور ) محطة قراءتي …

يلتمس المتلقي لديوان ( امرأة من فصيلة الشمس ) نزعة الحزن التي شكلتْ فقرات تتسع اصواتها في اغلب نصوص الديوان , وهذا واضحٌ جليّ , سيمفونية الحزن تُعزف على اوتار حروف عبارات هذا المنجز , ومن اللافت ان الحُب – في اكثر المقاطع – هو المحفز الدينامي لهذا العزف القاتم .

بوساطة استقرائي للمجموعة لفت انتباهي توظيف و تشكيلات هذه الظاهرة بوصفها بنية متشعبة في الديوان , وفي الوقت ذاته الايطار الجمالي لهذا التوظيف لم يرد بشكل عبثي , بل ورد ضمن مستويات , الأول منها : ( تعالق الحزن بالبنية الزمانية ) , والثاني: ( تواشج الوجع مع جزئيات المكان ) , والثالث ( تمظهر الألم واحتدامها في الذات ) .

فلو وقفنا عند النسق الاول ( تعالق الحزن بالبنية الزمنية ) لوجدنا اشارات الحزن تتناسق بشكل فني مؤثر جدا ؛ ذلك ان الشاعرة اعتمدت تقنية التنوع بالتعامل مع هذه الثيمة , فمثلاً نجدها تجانس ما بين الايحاء بالحزن الذي غالبا ما تفوح اوجاعه عند المساء وبين الانزياح ومحاولة نسجهما ضمن بنية متكأ على الموسيقة الشعرية , وهذا ما نجده في قصيدة ( اشرعة الندى ), تقول في مقتطع :

فأن رحيلك اقسى طقوس المساء

ستبقى نسائم عطرك تفوح على مقلتي بالنور

حين تجيء وحين تغيب وحين اللقاء حوّلت الشاعرة البنية الزمانية ( المساء ) الى معبد يضج بالدينامكية القائمة على استقطاب معنى روحي تحتوشه نوبات الحزن القاسية , فالمساء امسى ومع قسوته يمتاز بالاستمرارية المفروضة على المُحب بدلالة لفظ ( طقوس ) , فالشاعرة توحي بان حزن الرحيل فرضاً كُتب عليها .

ومن التشكيلات في بناء زمن الحزن عند الشاعرة اتشاحه بالمُزخرف الاسلوبي البلاغي الذي ورد لغاية مُتوخاة , فالشاعرة بامتلاكها الذائقة الادبية واستيعابها لآليات التأثير للقارئ ,عمدتْ

الى استدعاء الاطار البلاغي , ولكثرة التوظيفات البلاغية وتنوعها نكتفي هنا بإيراد ( شعرية الاستعارة ) وتجانسها مع ثمية الحزن الذي افضى الى وقع جمالي يتحسسه قارئ الديوان . تقول في قصيدة ( ظلي المفقود ) :

يغمرني ذاك الحنين الطالع من ثغر الصبح

من عينيك المسافرتين في احلامي

التحفت حكايات الروح

اتوسد حزني كل مساء

وفي نص ( اوراق الشفاه تقول ) :

وعقاربٌ تعفنت

على جدران الزمن

وفي قصيدة ( اكتبها… من جديد ) تقول :

وأرمم جدار الفرح المتصدع

وانثر في وجه الصباح الضباب

كل من لفظة (ثغر الصبح , عقاربٌ تعفنت , جدران الزمن , وجه الصباح ) تترك انطباعا تأثيريا في ذائقة المتلقي ,إذ تٌعد هذه الكلمات الشرارة التي توقد حافزية اسكناه دواعي وحيثيات هذا الحزن , التي تُحيله الى حقيقة مؤلمة , هو ان صاحب النص يتماهى مع شجرة الحزن الباسقة ومن ثم يهدي قسماً من ثمرها اليانع لمتلقي الفكرة ودلالاتها ؛ متوخيا بذلك المشاركة الوجدانية , وهذه الرؤية تكون خصوصية تكامل النص , فاحد مقاييس النجاح مدى تفاعل القارئ بالمساق الادبي , التوليف بين العجينة الغوية وطرح معنى الحزن بالإتكأ على الجانب الاسلوبي المُتقن جعل من تلك المقاطع مقاطع مائزة جدا .وقد تُدخلنا الشاعرة ضمن تعامل قلّ نظيره بالتعامل مع البنية الزمنية , فقد نجدها في مقام شعري تعمد الى ما يُعرف بتداخل الاجناس الادبية ؛ فتوظف السرد ( القص ) لاسيما اسلوب القصة القصيرة جدا , والتي تعتمد اساسا على المفارقة وكسر افق التلقي , فتسرد لنا حدث البحث عن المفقود والهاجس الاول ألا وهو ( الفرح ) , لتفاجأ بالقفزة السردية والمفارق المؤلمة ( البحث في طيات الزمن ) عن فرحٍ , لترسم لنا الشاعرة وبشكل ايحائي رامز متكأ علي سيمياء الحدث بأنها تعيش في زمن القلق والألم والحزن الذي امسى حلما يراودها كل حين , تقول في قصيدة ( عتمة باردة ) :

هكذا أنا في الأعياد

أحفر بأظافري

عن الفرح

جزيئات المكان

أمّا ما يتعلق بالمستوى الاخر (تواشج الوجع مع جزئيات المكان ) , فقد كان توظيفاً متراكما بوصف المكان تجربة حياتية يتفاعل معها المبدع يؤثر بها وتؤثر به , والمكان قطعا يتخذ بعدا في المنجز الابداع , لم تغفل الشاعرة ( فاطمة منصور ) هذا التصور ؛ فنجدها استفادة وبشكل كبير من التعامل مع الفضاء المكاني وجزئياته , ففي نص تعمد الى توظيف لفظة (الصامتة ) كبنية واصفة لغرفتها ؛ لتوحي بالعزلة والسكينة الذي يعكس حزنها , ومن جانب آخر ولتعزيز الجانب السكوني المنعزل في فضاءها المكاني ؛ توحي لنا انها لا تتعامل من الاشياء ذات القيمة المتحركة بل جلّ ما ينادمها ويجالسها ( الوسائد , الدمى , الازهار ) وكلها حيثيات رامزة للتقوقع وعدم الحيوية فالحزن قيّد مشاعرها فأحالها الى كائن ينماز بالسكينة , فالصمت مرتبط بها وبجزئيات مكانها , تقول :

تحت رماد ينحته الشوق

بزخرفة البعاد

في غرفتي الصامتة

الملم الوسائد والدمى والأزهار

ولا يقتصر توظيف البناء المكاني للشاعرة على تشكل معين ؛ فنجدها تلج الى الاماكن الاكثر ايحائية بالحزن وتصدع الذات ألا وهي ( الصحراء ) لترسم لنا لوحة شعرية مدماة بمخالب الحزن , مستفيدة من دلالة هذا المكان الموحش لتحيلنا بعد ذلك الى صورة تشبيهية قائمة على التوسع في الافق ومساحة الحزن الذي بدأ يُرهق الشاعرة , فبدأ تشبه انفسها بشجرة في عمق البيداء , تعيش الوحدة والنسيان وجفاء المطر , شجرة لا اوراق فيها , تستجدي الرحمة وندوة الماء الذي فارقته طويلاً, تقول في قصيدة ( دمع الخواطر ) :

أين؟ لا اعلم

صحراء أشجارها

عارية … مثلي

لا شيء يحيطها سوى حزنك

فيا غيوم امطري .

ولا يختلف الشأن في قصيدة ( زورق بلا شراع ) , اذ انها تشبه ذاتها الحزينة بالزورق الذي ضاق به افق البحر , وأمسى يستجدي البر ميناء يخلصه من تراكمات امواج البحر العاتية , وهنا محاولة جادة من الكاتبة لتظهر مقدرتها الشاعرية المُتوقدة لربط فكرة الحزن بجزئيات المكان , زورقا بلا شراع تحت رحمة القدر , صورة شعرية عميقة يشوبها التأزم القائم على الامنية المفقودة المتعالقة مع الفضاء ألمكاني تقول :

فأنا زورق بلا شراع

لا شاطئ يأويني

ولا مرفأ يحصنني

ما زلت تائهة

فيما يخص المستوى الثالث (تمظهر الألم واحتدامه في الشخصية ) , الحزن المتعلق بالذات الشاعرة , حزن من نوع مختلف , حزن المبدع حين يأخذ مأخذه من كيانه الشفاف فيتحول الى تجلي اغترابي وفعالية انسانية تُقاس معايرها ونسبية جماليتها بما تتركه من اثر في الاخرين . حزن الشاعر ايديولوجية معدة للتصدير شاء الكاتب ام ابى فالحزن المُعبر عنه وفق فلسفة جمال فني ارتباط بين قطبي العملية الابداعية ( المنتج او المتلقي ) , ومن هنا تجد هذه القراءة ان تمظمر الالم وتجليه لصاحب النص تجربة جمالية خلاقة , فلو تأملنا نص الشاعرة في قصيدة ( باكورة همسي ) والتي تقول في قسم منها:

بطول الزمن الشاهق

شوارع بأرصفة فارغة

تحكي عن امرأة…

ادمنت النكبات

اسأل المساء

كم مرة نام على احضان آهاتي

اسال المساء

كم مرة استيقظه جرحي النازف

اسال كم …وكم لوجدنا ان السياق بتفاصيله الفنية معاناة ترسمها حروف اليأس المقيت , الشاعرة تحاول ان تضعنا بتماهي الحزن مع الذات , فدلالة عبارة ( تحكي عن امرأة … ادمنت النكبات ) سيميائية لحدث , وهي محاولة لإدخال المتلقي في ايطار ما يعرف بان القارئ مشارك في انشاء النص , بوساطة هذه الرؤية تركت المتلقي يأول ( ما مقدار تلك النكبات وما انواعها) , وبذلك حفز النص الاخرين الى وقفة و استجلاء وقراءة النص بشكل ربما يُحيلنا الى قراءة ثقافية (نقد ثقافي ) للبحث في النسق المضمر خلف طيات المقاطع , لأننا نعلم ان النقد الثقافي يعتمد ببعض مفاصله على ( المهمش والنقد النسوي والمبتذل…الخ ) , وعليه تجد هذه القراءة ان في النص اشارة مؤسساتية , فالشاعرة لم تُعَرِّف المرأة ( تحكي عن امرأة ) ( ادمنت النكبات ) , وحتى لو قلنا تنازلاً ان لشاعرة قصدتْ ذاتها فهو قطعا الحديث بـ( الأنا ) كاملة القيمة – اي الحديث عن العموم وليس خصوص المرأة – اذا ان تشكل الحزن هنا اشارة سويوسلوجية للنظر بواقع والمشاكل التي تُحيطها من كل مكان ,هذا الكائن المائز بكل شيء وضعته الشاعرة امام المتلقي ليشخص ويعالج .

ومن اللافت في اتشاح حزن الشاعرة بالبعد( الموضوع ) والتي تنأى من خلاله بالابتعاد عن ( الذاتية) , لتقف بعد ذلك على احد مبررات الحزن ( المنفى ) , وهنا لابد من الاشارة ان المنفى ربما يتخذ بعدا نفسيا ( اغتراب الروح ) , لكن الشاعرة في قصيدة ( الجريمة ) ربما توحي لنا بمشكلة امست مرضا مسريا في مجتمعاتنا ( السفر والمنفى ) , ومع هذا وذاك تبقى مسحة الحزن والاغتراب هما الملمحات الابرز في هذا النص تقول الشاعرة :

نجن لا نعشق السفر

لكن الجريمة

اوغلت في ضلوعنا

واغتصبتنا المنافي.

وحينما يفيض المبدع بالمشاعر تنبجز من نسائم حروفه اطياب تتولد من حرارة النار الملتهبة كالسديم , فينادم كل آلياته الفنية لتخرج حلة نص بأبهى صورها , وهذا ما نجده في تصور الحزن الشاعرة الذي اخذ مأخذه من الديوان , فحينما يتحول القدر الى وحش كاسر يغتصب حاجات الذات , حينها تنزف الحروف وتتشوه الملامح , فيُعاق الصوت ليلفظ انفاسه بصعوبة , هذا الفيض من المشاعر المتسق بالإنسان الحزين جسدته الشاعرة في اروع قصيدة في الديوان (خطوط العمر ) , فمع عمق المعاني ودلالاتها الاكثر من رائعة يلفت نظرننا هذا الاختزال والاقتصاد اللغوية والانزياح البلاغي لتصوير التمزق والعبثية في لعبة متقنة تُجسدها لعبة تتحكم بنا وبأحزاننا … لعبة اسمها ( سخرية الاقدار ) :

عبث بي القدر

بحروفي… بملامحي

بأشلاء صوتي

بليال شتائي المتساقطة

من اطراف العمر

المتشابكة في الغابة

كأوراق الشجر

ديوان رائع يُحاك ويلامس الذات المتذوقة للمنجز الادبي , شعرية البلاغة والبناء الاسلوب مائز بشكل لافت , مُخيلة الشاعرة فارهة لا تعرف الحدود والقيود , نصوصه كُتِبتْ بروح ودم لا بمِداد وقلم …..

الشاعر شاذل طاقة..