مسارات السرد بالباب الخلفي للجنة
مغامرة كبيرة ورحلة في عالم السحر
يوسف عبود جويعد
الواقعية الغرائبية، الواقعية السحرية، الموروث الشعبي الكبير لحكايات ألف ليلة وليلة، السحر، الواقع المتردي المأساوي الحزين لهذا البلد، الواقع الصافي النقي كنبع أزرق شفاف، عالم التواصل الاجتماعي الأزرق، العلاقة العاطفية السامية النبيلة الأصيلة، الانتقالات الكبيرة الواسعة، بغداد، بابل، الناصرية، ليون، مدن سرية تفتح أبوابها أمام المتلقي وهو يحث خطاه في عالم رواية (الباب الخلفي للجنّة ) للروائي هيثم الشويلي، إذ نجد هذا التنوع السردي في البنية النصية، ابتداءً من العنونة التي جعلها خطوة أولى للولوج، ورغم أن بداية الرواية تحكي لنا حياة أسعد وهو شاب طموح، على الرغم من حصوله على شهادة عليا إلا أنه لم يجد وظيفة اسوة بأقرانه كون تخصصه نادراً مما حدا به أن يعمل في الشورجة حمالاً من أجل لقمة العيش، وفي عالمه الافتراضي الأزرق يشاهد صورة لفتاة جميلة تثير اهتمامه وهو يحاول أن يصل إليها عن طريق إرسال طلب الصداقة لتوافق بعد ذلك كي يضعنا أمام حالة حب غريبة، إذ أن أسعد يتعلق بتلك الفتاة فتلهب كيانه وتتربع في شغاف قلبه ولا يجد سبيلاً آخر للتواصل معها إلا من خلال هذا العالم المفترض، وعلى الرغم من الاسهاب في تفاصيل تلك العلاقة واهتمام الروائي بنقل التفاصيل الدقيقة عنها وانشغالنا مع أسعد في رحلة الحب والوئام إلا أنها كانت تمهيداً موفقاً لزجنا في عالمه الغرائبي لنرحل معه في رحلة وظف الروائي من خلالها أدواته السردية بشكل ينم عن أنه عاش تجاربها وسبر اغوارها واكتشف أسرارها وتجول في عالمها وجمع معلومات كبيرة ومهمة ليقوم بعد ذلك بتوظيفها ضمن المبنى السردي للأحداث لتكون انتقالة جديدة لم نألفها من قبل، حيث أن أسعد بعد أن أعياه التفكير بمحبوبته ماريا وهو يبحث عن وسيلة للاقتراب منها غير العالم الافتراضي الذي يراها من خلاله،
حدث متنام
وعندما يجلس في محل العم عباس شاه ويحكي حكايته يتفاجأ بأن العم عباس لديه الحل وأنه باستطاعته ان يجعله يلتقي بحبيبته في أرض الواقع على الرغم من أن أسعد يجد ذلك من المستحيل، الا أن العم عباس واثق مما يقول، فمنذ تلك اللحظة يبدأ الحدث بالتنامي فنتعمق في عالم الرواية وننتقل انتقالة مبهرة وغريبة عندما يوافق أسعد ويطلب من العم عباس أن يوضح له كيفية الالتقاء بمحبوبته وأنه على استعداد أن يقوم بأي فعل من أجلها حتى لو كلفه ذلك حياته، عندها تدخل مسارات جديدة لتنضم إلى بنية النص متمثلة بـ(عالم السحر)، (استحضار الحضارة البابلية والسومرية)، واكتشاف أسرار هي من ضمن الباب الخلفي للجنة، وهنا تبدأ مهمة الرحلة السندبادية لأسعد، حيث يلتقي بالحضرة القادرية من خلال العم عباس شاه بالشيخ عبد الرحمن الذي يعطيه سبعة مخطوطات والثامنة بقيت لدى العم عباس شاه حتى تنتهي مهمته في انجاز المخطوطات السبعة، واحدة يحرقها ويضع رمادها في كيس ويرميها في نهر جاري، وأخري يعلقها في رجل عصفور ويطلقه في الهواء الطلق وأخرى يضعها في عين جارية للنمل، وأخرى يرميها في بئر بمعبد ننماخ في آثار بابل وعندما يرميها تتصاعد منه النيران يرها هو دونه غيره من المتواجدين في المعبد، ليكتشف هناك من خلال سرد الحكايات ان الامريكان كانوا يدفنون آثاراً تخص بني اسرائيل ليثبتوا عندما يتقادم الزمن أن هذه الأرض تعود لليهود، وأخرى يضعها في خرقة من ثوب فتاة أي فتاة ويدفنها، واستطاع الروائي أن يحكم أدواته السردية بشكل جعلنا نتابع هذه الرحلة بنهم واهتمام، (أوهتمهما وأنا أحاول سحب نفسي إلى الخلف تدريجياً لأكون على مقربة من البئر، وما أن مددتُ يدي بجيبي مخرجاً المخطوطة السابعة، حتّى انساب صوتٌ لمسمعي، احذر لا تفعلها، لا تقترب، ستحترق بنيران المخطوطة ذاتها، كلما هممتُ بالتقرب من البئر سمعت الكلمات نفسها تخترق أذني، كلماتُ تحذرني من أن أرمي المخطوطة في البئر، وحاولتُ أنا أكون قوياً بالاقتراب منها أكثر فأكثر، لكن ثمة شخصاً ما يمنعني أو أشخاصاً موكلين بهذه البقعة يحرسون البئر نفسها) ص233، إلا أنه يحاول مرة ثانية ويرمي المخطوطة بالبئر لينجز المهمة على الوجه الأكمل.
مسارات سردية
أن الروائي استطاع من تلك المسارات السردية الجديدة استحضار تاريخ حضارة أرض الرافدين، كما أنه استطاع ايضاً توظيف الموروث الشعبي الذي يخص حضارتنا، كما أنه ذكّرنا بحكايات ألف ليلة وليلة، وعالم السحر المخفي، كما أن النسيج الأول والمهم والذي يشكل الاطار العام للمبنى السردي هو تلك العلاقة بينه وبين ماريا الذي يتصاعد ويتواتر ويسير مع حركة الأحداث ومع تلك الرحلة السندبادية التي لازالت تحمل الكثير من المفاجآت، كون الورقة الثامنة هي بمثابة الذروة الكبيرة لأحداث الرواية، وهي مغامرة كبيرة وشائقة ورحلة موغلة في العالم السحري والغرائبي، أن مهمة أسعد داخل المبنى السردي تغيير واقع الحياة المقيت المؤلم إلى آخر فيه تلتقي النفوس العاشقة، وفيه أيضاً ينزع المرء من داخل روحه الحقد والضغينة والكره والقتل والهمجية وهذا هو الدافع المهم الذي حدى بأسعد ان يواصل مهمته حتى النهاية، كما أن الروائي استطاع أن يوظف أدواته السردية ويحركها بشكل متوازٍ مع حركة الأحداث..
– المكان: الكاظمية، الشورجة، بابل، الناصرية، ليون الفرنسية، السويد، الأردن.
– الزمان: سنوات ما بعد التغيير وسقوط الصنم.
– الشخوص: استطاع أن يرسم ملامحهم من خلال الحركة السردية.
– الثيمة: تحمل رمزية كبيرة.
– نمط تناول النص: الواقعية الغرائبية، والواقعية السحرية.
– استحضار حضارات بلاد ما بين النهرين.
– توظيف الموروث الشعبي والاستفادة من حكايات ألف ليلة وليلة.
وتبدأ المهمة الكبيرة، مهمة المخطوطة الثامنة المحفوفة بالمخاطر، إذ أن المهمة ستكون في (تل جوخا) عاصة مدينة أوما السومرية في الرفاعي، وعليه أن يبحث في الحفر عن حفرة تنبعث منها رائحة الثوم النفاذة، ليضع الفخذ المسموم وتخرج الآفة وتأكل من اللحم المسموم فتموت ويقطعُ من سنامها لحماً ويطهيه مع المخطوطة الثامنة ويأكل منه، (ولاحظت غياب الفخذ فعلمتُ أن الآفة التهمته لتسقط صريعة، واقتربتُ بهدوء، خطوة خطوة، حتى بت بالقرب منها، كان منظرها مخيفاً جداً يحمل الغرابة والخيال وعلى الفور قطعت من سنامها لحماً يميل للبياض، وأخرجت القدر واشعلت ناراً تحت القدر من الحطب الموجود هناك ووضعتُ اللحم والمخطوطة) ص284، وعليه أن يأكل من اللحم وحده فأن شاركه أحد في الأكل فسوف يرى كل ما يراه، وصادف أن حضر كرار ليخبره بأن شيماء تريده فأكل من اللحم وشاهد المدينة كما يشاهدها هو وكان الحل حتى تختفي ولا يراها هو أن يشرب اللبن فشرب كرار اللبن واختفت عنده رؤية المدينة، ودخل أسعد تلك المدينة المطرزة بالذهب والالماس، وبحث عن الصندوق وقرأ آية قرآنية ففتح الصندوق، واخرج منه الورقة بمساعدة ثمانية من الجن، وعَرَفَ اسم المدينة التي سوف يلتقي بها بحبيبته ماريا، وعليه أن يخبرها وحدها بإسم المدينة لينطقاها بصوت واحد ليتم الانتقال، ويلتقون هناك لقاء عاشقين تهفو روح كل واحد منهم إلى الآخر ويقضيان وقتاً، ثم يعلنان اسم المدينة معاً ليعود كل واحد منهم لمكانه. ضمت الرواية بين ثناياها ما يدور في البلد من احداث، الانفجارات في بغداد، أحداث الموصل، الحياة في هذا البلد أيام اشتداد الأزمة والقتل على الهوية، وعرض أيضاً حياة شبابنا الطلبة بعد تخرجهم من الكليات يكون مصيرهم العمل في علوة الخضروات أو سوق الشورجة لحمل البضاعة بدلاً من أن يجدوا لهم مكان عمل في الدوائر ليمارسوا دورهم الأساسي.
رواية (الباب الخلفي للجنة) للروائي هيثم الشويلي من الأعمال الإبداعية الأدبية المهمة التي تضع أمام المتلقي حياة البلد القلقة وتضع أمامنا الحلم الكبير للانتقالة إلى عالم آخر يحقق كل طموحاتنا وتندثر وتمحو كل الأحداث التي نراها اليوم، الحقد، الكراهية، الطائفية، القتل، الدمار، الانفجارات، الخيانة، وهي تأخذنا إلى مسارات جديدة، وتعد خطوة موفقة للروائي في تجربته الثانية.
{ من اصدارات دار فضاءات للنشر والتوزيع لعام 2017
























