الدرس الإنساني وإشعال سراج الحياة

الدرس الإنساني وإشعال سراج الحياة

الرواية تقود الحياة إلى المعنى البليغ

محمد يونس

هناك اكثر من موقف قادت به الرواية الحياة ، وثمة موقف مهم في صورته الدرامية والماساوية، ولكنه من جهة أو زاوية أخرى باسل برغم وضع حدا لذات هي احد القمم الادبية واني ارى إن بهذا الموقف الكبير والجليل والمؤلم قد يكون يوكو مشيما تقصَّد إن يعطينا درسا قاسيا بمعطى أنساني وإطار وطني وتمثيل لميثولوجيا أمته, إذ ما وقف لينتصر لثقافته بانتحار قاس بسيف التراث الياباني اللامع . ومن هذا الدرس الذي هو مترع بلاغة وقيمة واعتبارات وطنية وإيثارا نشرع إلى مقارنة بين الانتحار الذي أفاقت بعده اليابان على فجيعة من شهد لعق اليابانيون بعدها من تطورهم العلمي والثقافي المتفوق , فكتبوا نص التفوق ورسموا لوحة الهيبة وكانوا العلامة الفارقة في العالم المعاصر، وقدموا مثالا ادبيا مهما وعلى الأخص في جنس الرواية ، فكان كاوباتا صورة حية انسانيا وحيوية سرديا . وكان لحلاوة ذلك الشهد إن تقترن بذلك المثال الأدبي وتقدمت الرواية اليابانية خطوات واسعة بعد مشيما وكاوباتا, فهل نسمي ذلك القرين انتصارا للحياة والحضارة والمعرفة من جهة الفن فقط أم يتقدم نحو الحياة ويبث فيها هدفه ومقصده؟ ، والاخوات برونتي كن في فناء رطب امتص رحيق حياتهن ولم يمهلهن مرض السل طويلا، ولكن من يمكنه إن ينسى رواية (مرتفعات ويذرينج )والتي كانت تراجيديا انسانية احنى الوجود الحي إمامها،أو رواية (جين أير) والتي كانت جملة سردية من الهواحس والعواطف ، وروائي مثل مارك توين وهو كاتب ساخر، لاينسى اهمية القيم والمعاني فكتب رواية حافلة بالكثير من المثل والمبادئ، وما كتب روبرت لويس ستيفنسن روايته (الدكتور جيكل وهايد ) ، إلا ليؤكد وجود خلل في الحياة العامة يتمثل في ازدواجية الإنسان ، وتلك التجارب الحية اثرت البشرية بالمثل والقيم والفضائل والوافع الانسانية مثلما قدم لها العلم من طب كان دائما خالي من النصائح .بالرغم من أن الفن عموما وعلى الأخص الرواية في معناه انتصار للحياة أساسا قبل أن يكون انتصارا للفن, وهو اسمى تعبير للقيم والمعاني العليا والفضائل، وله مدلولاته التي تميزه إضافة لبعد الواقع المشهود . إذن وجه المقارنة يقودنا إلى تعريفات تجاهلها التاريخ رغم رسوخها فيه وكان لجانبه الأنثربولوجي الذي في صيرورته يمحو المعاني ويبقي الشخوص لينتهي التاريخ إلى إشكال طبيعتها كاركتيرية تقريبا ولكن اغلبها جوفاء , وهذا ما جعل شكل التاريخ عرضة للانتقادات وعلى الأخص من العقل الحيوي والفاعل وبالتحديد في تفسير الظواهر,والذي يملك زمام الأمور حقيقته , ولكن الرواية في صيرورتها تقدمت نحو الجوهر البشري بل تعدته إلى القيمة التي تكون في المشهود هي معطى أنساني وقدمت تجارب مهمة عالميا بصور مسرودة هي تقريبا متفردة في التعبير عن الجوهر الإنساني ، وصارت استثناء فرضته الرواية على الواقع البشري. إن فهم التاريخ عبر الدرس المعرفي مر بإشكالية واجهها الكثيرون والذين تنوعت لديهم أفاق الفهم والعلاقة الجدلية مع التاريخ وما مثلت لهم الحضارة البشرية بمادتها المسرودة في حدود الحكاية إلا منعطفا ردكاليا فيها شحنات عاطفية متنوعة حسب مستوى التأثر أو الانسجام أو الميال وهذا أمر لا بأس به، إذ ربما له بعض التأثيرات في المستوى الأدبي أو في الجانب الفني في الفن التشكيلي ونستثني الشعر لأنه أداة اتصال فنية بصيغة حسية تحاول من خلا لها إثبات اتصالية ذات حجة كما يجري في الثقافة الشعبية السائدة في عدة إشكال فلها ما يمثل تفوقا ازاحيا في عاطفة جياشة , فيما الذات الإبداعية متقدمة في المعنى الإنساني وتسعى لتغيير وجهة النظر إلى ما يتوافق مع روح العصر، ويرى ميلان كونديرا إن رواياته البست التاريخ بنطالها ، وصراحة ذلك مقبول نسبيا في الحدود التاريخية التي اشتملت عليها رواياته وان كان المستوى السياسي مهيمن على العامل التاريخي فيها، وبذلك ضاقت مساحة الدائرة الازلية التي يمثلها المدار الروائي ، وكذلك اصطبغت بالصبغة السياسية ، وذلك طبعا ليس لصالح المسعى الاساس للرواية الذي يرى فيه أغلب كتاب الرواية انهم اسياد الجوهر الإنساني المفترض ، والذي يرونه أهم الحقائق البشرية وان كان بين دفتي رواية، واذكر هنا ميزة الكاتب الايطالي دينو بوتزاتي المتمثلة في روايته ( صحراء التتار ) ، والتي جعل فيها هناك ميزة افترضها لمكان احاطه بالغرابة والغموض هو لم يره إن تولي اهتماما غير عاد من القارىن وعبر ضمير المتكلم جعل الاحالة لذلك المكان تتجه إلى ضمان المصداقية التامة، ويرى ميشال كلوفنسكي ان هناك محاكاة خالصة في الرواية تكتسي بضمير المتكلم وبأهمية خاصة، ويرى كلوفسنكي ان هذا النوع من الروايات يتصف بغياب ضمير المتكلم ووكما انه يمكن إن يدرك من خلال مرجعيات عملية هي لا تستند إلى سياق المحكي بضمير الغائب. وهناك تعارض ضامربين ضمير المتكلم وضمير الغائب، ولاشك أن ذلك التعارض بين الصيغتين للمحكي استطاع إن ياخذ مكانة واسعة ضمن تاريخ الرواية وكذلك أهمية خاصة. ان الدائرة الأزلية  في تفكير المبدعين داخل رؤوسهم تدور بذلك المفترض ويروي احد خبراء ثقافة دستوفسكي انه كان في سيبيريا بالسجن الذي كانت اجزاء منه من الخشب يعاند الصقيع وموجات البرد القارصة ويبقى منتصب الظهر، وبرغم وجود شباك مكسورة قربه وكأنه من تلك الأشجار التي اكد ت انها تموت واقفة، وتلك الصورة السردية لم تكن لوحة رمزية أضفت عليها ألوان فان كوخ الصارخة بايقاعها الحاد ملامح عرفان وتصوف عميق أو كما أكد راسكلينوف بطل رواية (الجريمة والعقاب) لابد إن يكون هو تحديدا في جميع الأوضاع البشرية  مطلقا إنسانيا، إذن فماذا نسمي الحضارة البشرية التي تزيد عتمة الكون المظلم الجوهر والتي يستحيل إن يشتعل داخلها عود ثقاب ؟

اشعال سراج

مؤكد إن الرواية أشعلت مرارا سراجا وليس عود ثقاب استنير الحضارة به، وبعد إن أزاحت الرواية الظلام عنها،وصراحة المهمة الإنسانية للرواية وعلى الأخص في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت تسعى إن تكون حياة بديلة ، ورواية البؤساء كانت ابلغ دليل ، ولو بحثنا في أي حيز وجودي لابد لن نعثر على مثيل لبطل تلك الرواية ( جان فال جان ) أبدا ، وطبعا هنا يمكن إن نقر بوجود عاطفة روائية ولكن مؤكد هي تتوافق مع منطق العاطفة المبدئية تماما ، وكما إن الأداء الروائي يجعل للأثر الفني ميزة ينظر إليها الواقع الاجتماعي بفضول، وربما يكون هناك تدريجيا إحساس بالمفترض الروائي الذي يسمو بالبناء إلى قمة الكمال على انه الحقيقة التامة ، وصراحة هنا تكمن ثغرة الواقع الواسعة التي كان على الرواية إن تبنى جسرا افتراضيا للاتصال بالمجتمع ، وبالرغم من إن الوجه الأساس للرواية أنها قصة معينة وكما إن الوجود للشخصيات من دون إحداث، لكن لابد من نسيج فني أو ما يسمى بالحبكة ، وهذا ما يجعل الشخصيات غير منسوخة من الأفق الاجتماعي وتسعى إلى القناعات لا كما في الواقع هناك اعتقاد يحكمها ، والإحداث أيضا تبلغ حدود إعادة السؤال الإنساني بصيغة جديدة استكشافية وليست بذات المستوى التقليدي الذي عهدته حياتنا، كما إن حركة الشخوص في الرواية ليست إلية ، والروابط والعلائق ليست جامدة تتحرك داخل محور محدد وله نظام صارم، وهنا نقصد إن المصير البشري في الرواية هو الذي يتحكم بالشخصيات وليس كما في أفق الواقع حيث يس المجتمع يتحكم بالمصير البشري ، والحرب العالمية الثانية مثال الواقع فيما مثال الرواية أكثر حرصا في الحفاظ على المصير البشري، ابتر في كتاب / أدب الفنتازيا ، مؤكدا روح الفكرة ،(إن تنويعات التفسير عديدة جدا نظرا لأن الأولوية لا تكرس للحكاية ، بل إلى تداعيات الخواطر والأنماط النظرية والتي بوسعنا إن نفرضها على الحكاية بأوجه مختلفة )1 وتتجلى في ميزة العمل الفني في الرواية في الخاطر المعكوس على الحس العام، وعادة ما تربط المتعة الروائية بالخاطر وليس بالخط العام للرواية ، فالخاطر في رواية (الغريب) لالبير كامو هو ميرسو بطل الرواية نفسه وليس محتواها ، ورواية دستوفسكي ( الجريمة والعقاب) فيها الخاطر هو المتوازي المتعارض بين راسكلينكوف والمرابية ، وتلك هي الاوجه المختلفة التي حققت للرواية ذلك التواصل والديمومة . للأسف هناك نسبة عالية من ثقافة ذوات نرجسية سادت في القرن العشرين وان طغت العاطفة على الخيال فيها، بل أجد إن تفسير عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم، في إن الثقافة تأخذ منحى فردياً على الدوام له ثبوت تؤكده على الدوام، وهذا الطابع (الملغي ) صفة متوارثة في الثقافة الروائية على الأخص في سرديان القص و الروي حيث تغيب القيم والمعاني أو تكون ثانوية أو ممثلة للذات الكاتبة , وفي التفسير السيكولوجي كثير من السرديان أكدت وجود ضمني للذات الكاتبة حيث يفقد النص معناه الروحي كقيمة ومعنى ودلالة , ويكون شكل الذات الكاتبة الاجتماعي مشهودا وملموسا .إن امبرتو يكو أراد في (اسم الوردة ) إن يلخص تاريخاً لوجهات نظر دينية متطرفة .وكذلك قبله كان ستيفان زفايج يؤجل الحروب و يسبقها بموت مفترض عاش إبطاله،أو هروباً موازياً لهروبه كما في روايته الرائعة (لاعب الشطرنج )، والتي قد ترجمت إلى لغات عدة،وكان على الروي والعملية السردية التقدم إلى المرحلة التي تعيد إنتاج التاريخ عبر الخيال الأبداعي الحر، وللنصوص الروائية أن تعيش الأوهام والخيال كحقائق مكتوبة وليست معاشة، وربما علينا إن نبتعد أكثر من المعتاد ونحن نتقصى الأفق الثقافي لكن كما أسلفت إن مرامي البصر لن تدرك عادة الأثر القصي . لقد رسم الروائي السلافي ايفوندرتش في رواية ( جسر على نهر درينا )  الألم ألسلافي إجمالا ببلاغة قومية، حيث هناك مشهد يصور شخصا مصلوبا عند حافة الجسر، وانأ قد بقيت أفكر طويلا في طابع المواطنة الثقافية والانتماء لروح المجتمع، وهذا ما يسميه احد النقاد الالتزام الأخلاقي للكاتب، الذي يخال البعض هو دفاعاً عن الشكل الحياتي في نمطيته وتقليديته، كحقيقة مسلم بها خالية من أية إبعاد قد تثير في نوازعنا شجنا تتخلى أرواحنا عن سرده أو إعادة تفكيرنا البشري بالحياة دون قانون أنساني،وتتسلق إلى وجداننا مناحي أخرى غير إنسانية ونقدية صارمة، وليس ايفوندرتش وحده أراد إشغال الوجود الحي بالمشي خلف الأثر السردي له ، فهناك كونستانس جورجي في روايته ( الساعة الخامسة والعشرون ) انطلق من ذات الفكرة ، بل جعل قسوته ممتعة أيضا وأراد تحريك الحياة الهانئة باتجاه ما سرد من رواية  مقتدرة في أنموذجها المبتسم قسرا . إسماعيل قادرية روائي الباني الذي يقيم في فرنسا وقد فاز بإحدى الجوائز العالمية، لهذا الكاتب طبيعة فنية تتقصد دعم الترميز لمديات الألم الألباني، وهذا مؤكد سرديا ففي روايته (من أعاد ودرنتين) برز عنق الطاغية الألباني أنور خوجه الذي أحال ألبانيا إلى وضع مرير أيدلوجيا، لكن ثقافة إسماعيل قادرية ملكت زمام المعالجة لإبصار العالم، فكان لصرخة الواقع الألباني، إن تنبثق من قلم ذلك الروائي ويصرخ الكون بالألم الألباني وعمق المأساة التي يعيشها ذلك الشعب، من خلال القيمة السردية في ترميز الألم، فكان لدورتين إن تشهد تسعة إخوة صرعى في أتون الحرب، وهنا أعيد السؤال عن طبيعة ثقافتنا الروائية التي على الدوام باعتقاد إن الجبل له سفح واحد لا غير، وان الصخرة تبقى على ظهر على ظهر الروائي ليكون سيزيف مجتمعه وصورته الرمزية في الألم , حيث يكون هو المحور الروائي فيما المجتمع هو الهيكل ويكون تبادل الألم بينهما ينتقل من صفة الإحساس إلى المعايشة. حتى لو نفترض جدلا إن الرواية تلاشت فهل ثقافتنا إجمالا تبقى تجيد إلغاء المعاني الكبرى عبر كمونها او وضوحها وتمجد عبر الآداب والفنون أمثلة كانت قد اختزلت بها الرواية الحديثة على وجه الخصوص العالم الواسع بالنوعي أو الخاص اوبالأكثر خصوصية  ذاتيا او شخصيا وكما لمسنا على مستوى الثيمة  وتبئير السرد ايضا ان ذلك كان له معالجة فنية في الرواية الغربية على وجه التحديد،  وهذا ان تقبلنا صيغة السؤال طبعا يجد له مقابلة غير راضية عن صيغته وبذلك تفتقد الإجابة ويفتقد الإحساس بها , حيث يمكن الإقرار بتلاشي الرواية ستختفي معاني وقيم مهمة إنسانيا على الأخص برغم تباين وجود اهميتها الاجتماعية.  مثلما تذكرني رواية ( كونكان العوام )بسماجة الشكل الحياتي ، وكذلك رد فعل فيه انفعالات مشتركة بين الإنسانية وبين السياسية فيعترض استورياس على الشكل الحياتي الذي يحتفي بالتمايز الطبقي برواية ( رامة الشحاذ ) ، والتي هي لوحة منسوجة بلون شعري اعطتنا فكرة رصينة عن إن سطح الحياة ابدا لايعني في كل الأحوال جوهرها أو هو انعكاسه الشكلي ، بل انه يؤكد إن الداخل معتم، ومن هنا كانت الرواية الحديثة انموذج مختلف عما كلن سائد ، مثلما كانت ثورة بول كلي وكاندنسكي وخوان مريرو على الاستهلاك اليومي للحياة الذي يجرف معه معاني كثيرة يحتاج الإنسان على الدوام في إن يجعلها كتذكار يخفف وطأة النفس الإنسانية في طبيعتها البيولوجية،  رغم إننا نقف أقصى الكون و نتحسر في الفكرة ولن يتبدى لنا غير وهم جديد من سطوة خيالنا البريء .

الجبهة الغربية

في رواية ( كل شيء هادى على الجبهة الغربية ) والتي اعتبرها الرواية الابتدائية في تجنيس المعنى العام أنها هي التي وثقت الحرب دون رتوش وبلا تلك الروح الوطنية التي عرفت بها الرواية الروسية خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وتملكني إحساس إن حياة كاتبها  الذي أبدع فيما بعد بكتابة رواية أكثر تنظيما ودقة وجميلة وممتعة باسم ( ليلة لشبونة ) كنت كأني أخال في التفكير الدرامي للكاتب أريش ماريا يمارك هو ذلك الجندي الضاج الأنفاس والذي هرول فارا من ساحة المعركة بدل إن يمضي إلى  مدينته ليزف بشرى النصر. ولنتصور ذلك كتفاصيل حسية، فمؤكد إن هوميروس كان ساردا عظيما ، وكتابة تلك المحمة غنية بالعاني الغير مشهودة ، وكانت تلك البصيرة تتصور الاحداث ومن ثم بفاعلية نثرية تبث الحياة في الحدث، حتى إن برخت ساح في منجز تلك البصيرة، وتعبق بأنفاسها، ليواجه الحرب بفلسفته الملحمية وبذات الحس الانساني لريمارك، الذي يعتبر كتب وثيقة دفاع عن الانسانية في تعبير ما وكان على الامم المتحدة إن ترعاها على الاقل إن لم تعمل بها .إن الرواية لاتقف عند حدود ذلك الاستثناء الذي مثلته بصيرة هوميروس اذا اتفقنا على انها وهبت البشرية مادة سردية بامتياز مثلما وهبها داروين النظرية النسبية ،واشعر كما إن لبورخس بصيرة سردية لها ميزة امتاع عبر تحويل العالم الفانتازي إلى واقع اعتيادي ليس بازاحته وابداله اليا ، بل هناك مستويات بنيويا تتصل بذلك التحويل، وعلى اعتبار إن هناك معرفة متنوعة متصلة من جهة بالجدل الميتافيزيقي، حيث تجاوز بورخس ذلك الحد الذي يقف عنده العالم المألوف بالمتصورالفانتازي، وكأن الاعتبار الأهم إن نجعل عبر الفن الروائي من التعريفات العامة والتقليدية يوتبيا نسبية, ويكون المألوف ثانويا وليس كما في الحياة العامة ياخذ دورا رئيسيا ، وتعتبر أهم قيم الانسانية الادبية حسب وصف بورخيس وقبله الفيلسوف الفرنسي فولتير هي التحفة الفنية الفائقة الروعة ( الف ليلة وليلة )، فيما كانت ولا زالت ( إلف ليلة وليلة ) بما لها من القوة الطاغية على الحس الأدبي الغربي ، هي في ادنى مستويات الذاكرة في الشرق، وذلك يعكس وجهة نظر سلبية عن اتصالنا الثقافي بتلك القيمة التي تجاوزت المعنى الادبي إلى الإنساني، وصراحة بنية السرد العربي هي انعكاس لمظهر العالم التقليدي، وهي نسخة ليست اعتبارية بل توثيقية ، اوهي تقوم بتبرير سكون ذلك العالم بتجريده كما في بعض الاعمال الروائية ، وهنا نشير إلى منطقة مهمة تتمثل في خلو عالمنا التقليد من تسلسل للاحداث عام الصفة ولم يقابل ذلك التسلسل إن وجد سرد معاصر يعالجه أو يوثقه حتى ، فيما في عالم الرواية المباشر الامر على العكس، وفي توضيح هذا السياق لابد من الإشارة إلى إن رواية (الكونت دي مونت كريستو)، للمؤلف، الكسندر دوماس، وهي رواية نمطية في إطار الحبكة والوعي الروائي وتتناول موضوعة الثأر مع عنصر التشويق وفيها بعد مكاني، حيث دارت أحداث الرواية  في فرنسا بعد حكم بونابارت، وهي عند النقد التاريخي تعتبر قطعة فنية رائعة.أن الثقافة الحية الغير سائدة ثقافيا ووجوديا تحتاج إلى تذكارات على الدوام كي تشهق الحياة العافية،ولابد إن يكون ذلك من خلال دعم النص الأدبي لها حين يشترك سرد الحياة بالسرد الأدبي، وتكون الحياة الروائية بديل مقنع للحياة الصعبة والغير مقنعة ، وربما هذا ما أراده جاك لندن في روايته ( العقب الحديدية ) ،أو كما سعى إليه اندريه جيد في روايته ( مزيفو النقود ) ، ولا شك إن هناك كتاب رواية كثر سعوا إن تكون رواياتهم حياة بديلة عن الحياة الصعبة والتي كانت النهايات التي تعايش بها اشد قتامة وأكثر مأساوية مما سعت إليه الرواية لإنصاف البشرية بنهايات اقل مرارة على الأقل.  إن ثقافة البعد الانساني والالتزام الجوهري تحتاج على الدوام الى ايضاح تام للصورة في جانبها الفني والجمالي والابعاد الدلالية للقيم العليا . لانها نصوص الفردوس التي تزيح الاوهام والتزمت المعتقد بأن الحياة ارسطية محضة، وتملأ شجرة الحياة بعناقيد المعاني المضيئة زمردا واحجار كريمة لا تبور ولا تبلى ولا يذهب بريقها . نعم الحياة بالمعاني وليس بالشكل السائد في داخلها، فيبقى للمعاني اهميتها الجمالية السرمدية القيمة، وابعاد فنية مزدحمة الدلالات كي لا يضمحل العالم وتبقى صـورته قاتمة وبلا معانٍ ،وهناك مثال قد يكون اجتماعيا يقف امام مؤاخذات هي نتيجة الحدود التي تفرضها النظم الاجتماعية ، ومثالنا رواية ( قوس قزح )، للروائي دي. ه. لورنس، وقد منعت روايته من قبل الشرطة لجرأتها في ذلك الحين ، وتلك الرواية قد تكون دليل سلبي على اعتبار اساس الفكرة الذي سبب المنع هو جانب اباحي ، واغرب من ذلك ان رواية لورنس (عشيق الليدي شاترلي ) قد منعت ايضا بسبب تصور ان الكاتب جعل العامل الارستقراطي وقيم السلطة كسيحة وغير منتجة، وكما في شخصية زوج الليدي ، ولكن اليس هناك وجود تعارض عام بنين السياسات وعلى الاخص بين اليمين واليسار ، بل تطور الصراع السياسي داخل بنيتي اليسار واليمين على وجه الخصوص ، وكذلك كما صرح القاضي الذي كان مكلفا بالحكم على رواية ( قوس قزح ) بان الجنس هو حاجة ملحة وترتكز عليها اساس ديمومة الوجود البشري ، واستنكر القاضي عدم قبول ما افصحت عنه الرواية، فالعمل الروائي هو انتصار للانسانية وليس على مستوى الشكل بل يبلغ اعمق النقاط الحساسة والمثيرة للجدل ، وفي هذا السياق تشكل رواية ( شفرة دافنشي ) عملا مهما رغم الاطار البوليسي ، وهي تشكل تحدي اخلاقي للسلوك الذي يحكم المعنى الحياتي .ان التجربة الثقافية وبكل ابعادها اثارت تساؤلات عدة على اكثر من صعيد وكان اهم هذه الصعد ، هو لسؤال في اطار انسانية ذات المثقف وبعدها الاجتماعي وهذا حقيقة غير متكشفة بوضوح ، اذ بقي المثقف العراقي ، في اكثر الازمنة بوحا ، متكتما على مهام عدة في درايته ، فيما ان الظرف الما بعد حداثي ، كي يكون منتجا في بلاغة مقتدرة لاجرأ الايروتوكيات ليس وفق الغريزة وإنما كحاجة انسانية أو تعبير فني يفترض صورة غير تقليدية للواقع الاجتماعي  ويطري الفن الروائي على البوح بصفة بلاغية لاتقصد الاثارة الغريزية بنفسها، فمثلا ( في مديح زوجة الاب ) لايمكن ان نقول ، ان الرواية كسرت حاجزا اخلاقيا عبر البراعة الفنية المقتدرة ، أو اننا سوف نتهم كاتبا لم يدافع عن اخلاقيات الكون ، وحتى النص باية مقاييس وجدانية أو نفسية أو اخلاقية ومعرفية نتهمه ، دون ان نعلل تطرفنا ازاء حالته المتقدمة حضاريا على وعينا وانسانيتنا ، وعلى البشرية إن تنتمي لسؤال الرواية المتواصل لانها ستلقى اجابة مقنعة اكثر من الشكل الاداري . لاريب ان هناك توازيا منطقيا بين ثقافة كل عصر ، وطبيعة الشكل الاجتماعي ، وهل نملك ازاء ( جان فال جان ) اية مقومات تفسير عبر اخلاقياتنا الاجتماعية ، لاريب اننا في ظرفنا الحالي نجده حالة متقدمة انسانيا، فيما شاء الشاعر الفرنسي الكبير( فيكتور هيجو ) كان يلقي باللائمة على السياسة المعاصرة كنوع من الاحتجاج عبر مديات النص لانها ابلغ تاثيرا واشد قوة في الاقناع ، نعم فالطبيعة البشرية مجبولة على الحكاية ، ونحن لازلنا نستذكر ( حكايا جدتي ) بطابع القص الارسطي، والتي غادرها الكيان الاجتماعي كونها لاتوافق روح عصره، وليس نقف ازاءها بالطابع النقدي السديد . قبل قرنين من الزمن كانت الماساة الانسانية ابلغ من إن تعاش داخل المتن الروائي، ولا تروى او تسرد عبر مباني الحكي ، فكان دوستوفسكي يثير ما يمكن ان يكون احتجاجا بليغا عبر بطل رواية ( الجريمة والعقاب ) الذي جعله عبر شخص متطرف رغم معرفته بالقوانين ، ولكنه كان اشارة واقعية لاغبار عليها ، وهي اضحت فيما بعد من اقوى المصاديق على انتهاك الانسانية بسبل معيبة ، وكأن عدم الموازنة صفة الكون الاساسية ويجب على الجميع ان يقنع بذلك . لاريب ان دوستوفسكي كان يشاطر فيكتور هيجو الراي ، وقنع ان يبث سؤاله الانساني عبر ابطاله وبعدها لايندهش للنتائج ، واذا كان ادار ظهره العالم بشكل غير مبرر ، دفعته الى ما يسميه العالم في منظاره جرما ، ولكن ان اعتى الالام ستعصف هنا بحياة الكاتب . وهذا ماحصل ، اذ اضحت حياة دوستوفسكي تجربة اخاذة من عدة ابعاد . واجابت الحياة على سؤاله بذلك القدر الماساوي الذي اطرمجمل حياته . كان فلوبير بقدر ما يستهجن الوضع السياسي القائم ومحاولته كفرد اجتماعي له ميزته الثقافية التعبير عن مخزونات القلق ومكنونات عدم الرضا فكان ذلك عبر رواية كانت الشجاعة الاخلاقية للكاتب  ، تبرر عبر بطل الرواية ، وتؤكد ان المرارة هي على حلق الكاتب ، لكن ذيقت عبر البلاغة الادبية ، لذا كان امتيازا للثقافة وللكاتب في ان ، اذ غمز للحياة بطرف خفي ، مشيرا لعيب كبير يقنع به المجتمع دون ارادة منه ، بقناعة اضطرارية ، هي انهزام متخف ،وقد لعبت لرواية عبر هذا الاطار دورا كبيرا وهاما ، رغم ان الكثير منها تازيمات غيرمقنعة لتحقيق احتجاجه الانساني ، واثارة ذلك عبر سؤال انفعالي ، احيانا كان ينزف دما ، فمثلا ( لاعب لشطرنج ) وان كان ستيفان زفايج قد جعله مثالا تقليديا لهروبه من الحرب لكنه جرده من هاجس الانتحار ، وجعله يعيد صياغة العالم المضطرب ، عبر رقعة الشطرنج ، فكان يدرك ان البراءة التي حاول  ان يواجه العالم بها ، لاتكفي في كل لاحوال ، فانتحر زفايج وهواحد اعمدة الفكر العالمي في القرن الماضي ، احيث ادرك انه وهم كبير وشخوصه حقيقة كبرى ، فكان كما في روايته ذلك البيدق الذي مصيره الموت وللملوك الظفر ، لقد كانت ماساة انتحارالكاتب الكبيرمروعة ، واشد تاثيرا من بطل لامسمى ولا هوية له على ظهر سفينة لا معرفة في التوجه وينتصر للانسانية بهزيمته عبر هروبه المرير. وكان كامو كلك يجعل ميرسو ، يدخن بدله ، وان اضطرته الظروف ، التي تحقق ذلك عبر اللامكنات المتاحة رمزيا مثل عيدان الخشب التي كان يجعلها بديل للسكارة، فيدخن في اطار ساخر من لكون ، ومعتبرا الشكل الوجودي حالة قصوى دون تقنيات او ارتباطات مثل موت امه ، وذلك الالم اشترك في التعبير عنه الكاتب العربي ايضا ، لكنه خجول على مستوى النص او منهمك بتاريخه الاجتماعي كما نجيب محفوظ ، واذا استثنينا ، محمد شكري الذي صاغ تاريخه الذاتي بلا هيمنة العقل الجمعي بمستوياته الاجتماعية والدينية والعرفية ايضا ، الذي يكتفي بان يرى الاشياء ولايعبر عنها ، وكذلك فكان في اسلوب مغاير في طابعه السردي ، فكان عاريا حتى من ورقة التوت ، ولايملك لعالمه الفاسد اي عزاء، كونه افقده اي خيار وجودي، وصراحة لابد من إن السرديات ان تمحو المسار الاجتماعي وتعيد بنائه وتجرد محمد شكري من المرجعيات جميعها كي لايقع السارد أو الانموذج تحت سطوتها، وربما الطيب صالح كتب بحثا روائيا انثربولوجيا يفسر سطوة المرجعيات في مجتمعه برواية ( موسم الهجرة الى الشمال ) ويقول محيي الدين صبحي في كتابه / ابطال في الصيرورة, ( هي رواية محيرة …وفيها اخيرا قدر كبير من الاسئلة عن كنه الشخصية الانسانية , وكنه الانسان في التاريخ , وكنه الانسان في مجتمعه ) 2  وطبعا يشكل السؤال المتكرر فنيا داخل كيان الرواية اهمية واعتبار،, وايضا في إطار السؤال قدم عبدالرحمن منيف في ( الاشجار واغتيال مرزوق ) وكذلك ( التيه ) مستوى من الخطاب القولي قبالة مستوى الحكاية وتنوعا ايقاعيا يخرج الزمن الروائي من النمطية .

ضمائر موظفة

 لابد إن نتفهم ونولي اعتبارا الى ان الضمائر الموظفة في النص السردي هي تعد مجالاً حيويا وخصباً وهناك حقول معرفية عدة متنوعة ستقوم بتجاذبه ، وكما إن اللسانيات قد اتشتغلت وركزت على الوظيفة التي يمثلها الضمير في الجملة سيان فعلية أو اسمية في العمل الروائي، وكما ان التداولية اخضعته وعلى وجه الخصوص في نظرية أفعال الكلام في العمل الروائي لمعياري النزاهة والصدق، ومن يتكلم ومن أي موقع هنا من يستحضره هو السردية للوقوف على  الكلام والموقع، وكذلك ما هي علاقة السارد بشخصياته من جهة كونه صوت مفترض، وكذلك من جهة أخرى تتوضح ما هي علاقة المؤلف الحقيقي للعمل الروائي بالمتكلم داخل النص الروائي. لابد للنص في هذه الحال من مقومات اقناع في جميع المناحي ، ولايمكن له تبرير سؤاله الاخلاقي ، دون معايير بناء محكم في المنطق الاجتماعي للنص ، وهنا تكمن قوة سؤاله وجراته وسمة شجاعته الاخلاقية ، في كيفية البناء المحكم ، لذا كانت مقدرة الروائي الالباني  اسماعيل قادرية عالية فنيا ، وموازنته بين واقع النص ، والواقع المثار ازاءه السؤال الانساني في منطق منظم ومحكم ، وكذلك ميلان كونديرا ، يلبس رواياته بنطاله ، بنطال الاغتراب ، والهم السياسي والانساني ، فصاغ سؤاله الانساني ، عبرفهمه كمثقف للحياة ،وجعل طابع ثقافته سمة سردية ، فكان قي غاية الاثارة والامتاع ، ومؤكدا في احد العناوين من (الحياة في مكان اخر ) ، وهذا كان اخر الاسئلة المثارة على مستوى الرواية ، ما يمكن ان يكون اشد قلقا وخوفا من الوضع البشري .

 1-ابتر / أدب الفنتازيا

 2-محيي الدين صبحي / ابطال في الصيرورة