ماجد الربيعي من دللول المهد إلى الفوضى العارمة:
أنهل من ينابيع الشعر لذة المسامع
رجاء فوزي التميمي
له نشاطات رائعة وحضور مميز في العديد من المحافل وله كتابات تتميز بصدق التعبير وجمالية المعنى وعشقه للقصيدة العمودية انه لشاعر ماجد الربيعي..
{ كيف بدأ ماجد شاعراً؟
بدأتُ مع أول ترنيمةِ ( دللّول ) عشقتها حين كانت ترددها أمي مع تنهيدات الحزن بصوتها الشجي حين كانت تحاكي الموت الذي أحدثَ ضجّةً في حياتِها حينما سلبها حياة أبي الذي تركني مع اليتمِ أعيشُ طفولةً بائِسةً . كانت تغني حزنها بأنينٍ جنوبي عذبٍ ممزوجٍ بالدموعِ وايقاعات الـ ( نواعي ) السومرية في أعذبِ محاكاةٍ وعتابٍ مع الموتِ وهي تضعني بحضنِها الدافئ وتردد إسمي مع كلِّ آه تخرجُ مع أنينها ، فكان ذلك الإيقاعَ الأوَّلَ والحزنَ الأوَّلَ الذي أدمنتُهُ إلى الآنَ . المعاناة هي التي تصنع الشاعرَ فيتوهّجُ لتكونَ القصيدة ، ثم يأتي الصبا وابنة الجيران التي أوقدت الشوق وجعلتني ارافق حروف السياب وغيرهُ في رحلة الحرف لِأقرأ وأقرأ فتنام تحت وسادتي أجمل القصائد ، وهكذا بدأت رحلتي مع الشعر فكتبت الكثير . الحرب هي محطة أخرى لرحلة الرثائيات حيث يغادر الأحبة في كل يوم لأودعهم بدموع القصائد .
عندما اتوهج ويكتظ بي وجع المعاناة أشعر ان مساحة الورقة تضيق ولا تسعني فيما أنزف ، الإنسان همي الاول في وطنٍ يئنّ فأكتب له ، وأكتب للوطن ، لأمي ، للشهداء ، للمرأة ، ورسائلي الأولى كانت وما تزال للحبيبة التي توقد فيَّ جذوة العشق فيكون التوهّج ، وما زالت تأخذ مساحة واسعة في رسائلي التي لم يلجمها الشيب فيقرؤها من حولي ويعبر صداها بعيداً في مساحات الوطن العربي الكبير فيصل صوتي وهذه هي رسالتي .
{ اللغة العربية ماذا تعني لك ؟ وهل تشعر بانها في خطر مع هيمنة الفيسبوك وما ينشر ويطبع ؟
اللغة هي اداة الشاعر وهي الوعاء الذي يحتوي مشاعره حين يقدمها للآخرين ، وهي الهوية التي يعرف من خلالها ، وقد منَّ الله جل وعلى علينا بلغتنا الجميلة الرائعة إذ خصها بكتابه الكريم وحفظها به ، وهي من اجمل واعرق اللغات في الكون ، لغتنا الجميلة تعطينا مساحة واسعة أثناء الكتابة ، لما فيها من مفردات رائعة وكثيرة نستطيع من خلالها أن نبدع . وللأسف نرى في كل يوم الكثير من الاساءات في استخدامها في كل مكان ، مقدموا البرامج في القنوات الفضائية والاذاعات لم يراعوا قواعدها ويجهلون ابسط مقوماتها ، بعض مدعي الشعر ومن وضعوا الالقاب امام اسمائهم في الفيس بوك لايعرف حروف الجر وادوات النصب والجزم حتى ، ولا يمكن اتقان استخدام اللغة الا من خلال الدراسة الاكاديمية والتوسع في قواعدها ، فمن لايجيد اللغة لايمكن ان يكون شاعراً وعليه ان يتوجه الى كتابة الشعر باللهجة العامية (الشعبي) وهو لون جميل يحاكي عامة الناس .
لغتنا محفوظة بالقرآن الكريم ولن تموت او تتأثر ابدا في هذه الفوضى العارمة في العالم الافتراضي ( فيس بوك ) فالزبد يذهب جفاءً .
البعض استسهل عملية الطبع دون رقابة ودون حتى تنقيح أو تصحيح لغوي لما يطبع ، وبإمكان اي شخص ان ينشر ويطبع ما يشاء ، فالمطابع الأهلية همها الربح المادي فقط ولا تعير اهتماما لغير ذلك ، والبعض للاسف صدق نفسه بانه شاعر أو روائي أو قاص نتيجة ثورة (فيس بوك ) التي احدثت ارتباكا في المشهد الثقافي رغم فضلها الكبير في التعريف بالمثقف الحقيقي ، العشرات من الكتب تطبع يوميا لمدعي الثقافة ونجد فيها لغة ركيكة وتفاهات وأخطاء لغوية ونحوية كثيرة مما يسيء الى سمعة المثقف العراقي الحقيقي .
ومقابل ذلك هناك الكثير من الشعراء والمثقفين المبدعين يجدون انفسهم عاجزين عن طبع نتاجاتهم على نفقتهم الخاصة بسبب امكانياتهم المادية المحدودة وغياب رعاية الدولة لهم .
{ هل تجد إن هناك صراعا بين القصيدة العمودية والنثر ، ولمن تميل اثناء الكتابة ؟
هناك جدلية قائمة وصراع محتدم منذ نشوء نظرية الحداثة كما يسميها البعض وولادة مايسمى بـ(قصيدة النثر)، أنا أكتب النثر وأكتب التفعيلة وأكتب قصيدة الشطرين أو (عمود الشعر) وبرأيي المتواضع إن الوزن والموسيقى الشعرية اداتان رئيستان مهمتان جدا وضرورية في بناء القصيدة ، نعم اكثر الذين يكتبون القصيدة العمودية لا يعتبرون النثرَ شعرا وانما هو جنس ادبي قائم بذاته ولا علاقة له بالشعر ، وكذلك اكثر الذين يكتبون النثر يعتبرون ان القصيدة العمودية هي كلاسيكية تآكلت واصبحت مملة وقديمة ، وهناك الكثير من التجني على الشعر الموزون والمقفى رغم ظهور شعراء رائعين استخدموا اسلوب الحداثة في بناء القصيدة العمودية وابدعوا واثبتوا ان الموسيقى الشعرية والوزن هو الاساس بعد الملكة والصورة ولايمكن الاستغناء عنه .
المساحات تختلف ، فأجد نفسي احيانا أكثرعطاءً مع القصيدة العمودية رغم قيودها لكنها تثبت قدرتي وشاعريتي اكثر وأتفاعل مع ايقاعها الذي يسهل علي أدائي اثناء الالقاء ، وأحيانا تأتي التفعيلة دون تخطيط مسبق فأجدني قد كتبت وأفرغت مشاعري على مساحة الورق ، أما النثر فهو رسائل اكتبها واستمتع عندما اعيد قراءتها وأقرأها لمن حولي وكثيرا ما أخذَت تلك الرسائل حزني وخالطت دموعي.
{ وما هو رأيك من يعلن نهاية القصيدة العمودية ؟
مع هذه الفوضى وكثرة من يضعون الالقاب الوهمية شعرنا بالخطر المحدق على الشعر عامة والقصيدة العمودية خصوصا فبادرنا في انشاء تجمع شعري جديد اسميناه (تجمع شعراء القصيدة العمودية والتفعيلة) وقرأنا البيان التأسيسي لهذا التجمع والتف حولنا كبار الشعراء في عموم العراق والوطن العربي وباركوا لنا مسعانا ونحن عازمون على اعادة الهيبة للشعر العربي من العراق وسيكون لنا ذلك لان الشعر كان ويبقى عراقياً يشع بنوره الى كل عالمنا العربي الكبير.
{ النقد والنقاد والدراسات النقدية …بصورة عامة كيف ترى المشهد النقدي؟
كنّا جلّ ما نخشاه هو النقد والناقد فنتحفظ ونتأنّى كثيرا في النشر ، فالناقد هو مرآة ما نكتب وننشر ، الناقد كان واعيا وملماً بكل الادوات التي يستخدمها الشاعر في بناء القصيدة ولديه ثقافة عالية تشمل اللغة والخيال وبحور الشعر والصور الشعرية والمفردات اضافة الى اطلاعه الواسع على تاريخ الادب العربي والعالمي ومعرفته الواسعة في كل صنوف الادب وكل الرموز الادبية وتاريخها ، وإلّا ما كان ناقدا ، الناقد صفة لا ينالها كل من هب ودب ولكن البعض استسهل الامر فراح يسرق مقالات نقدية لنقاد كبار وينسبها لنفسه وتصور ان العملية هي بارتداء قبعة ومعطف ولكن السيد (كوكل) فضح كل ادعاءاتهم وزيفهم ، مقابل ذلك فهناك نقاد رائعون لديهم حس أدبي وذائقة شعرية تميز ما يُكتب، اضافة إلى ثقافتهم العالية وتاريخهم الادبي ولكنهم بعيدون عن الاعلام والظهور .
{ مرة قرأت نصا أمام الجميع … فبكى من كان في القاعة ..هل تصطنع ذلك أم أنك شاعر ألبسه الزقاق حزنا أبديا ؟
الحزن صديقي الأزلي الذي لازمني مذ لبسَتهُ أمي حينما غادرنا ابي إلى الموت فكان اليتم الذي علمني البكاء .
لي بيت شعرٍ من البحر الطويل أقول فيه :
( وأجملُ مافي الدّمعِ يأتي مطاوِعاً متى اشتَدَّ فيَّ الوجدُ كانَ مُلَبّيا )
أنا لا اصطنع البكاء كي أثير عاطفة من حولي أبداً ، أعيش مع حروفي في الألقاء واعيش لحظة كتابتها والحالة التي اعبر عنها فأكون صادقا جداً لأنني لا أصمد امام وجع السيد العراق ، ولا أستطيع حبس دموعي في حضرة الشهداء ، نعم بكيت وابكيت القاعة فقد كنت أقرأ للاطفال الشهداء في مشهدِ عشت لحظاته حقيقة مع اشلائهم المبعثرة في تفجير قذر لمتنزهِ لهم .
{ ربما لانني أدمنت الرثائيات ، فكيف لا أبكي وأنا اودع امي وداعا ابديا ، أو شقيقي ، أو اجلس على حافة رصيفٍ في سوق ( عريبة ) كان قد اصطبغ بدماء الشهداء ، أو أشعِلُ شموعاً في مكان الشهداء في الكرادة وأقرأ لهم قصيدة ؟
لا يمكن ان تكون شاعراً مالم تكن صادقا في ما تكتب .
الإنسان وظلم الإنسان ومحنة الإنسان ، ورثنا حزن النايات من سومر القصب فتأصل الأنين في كل تفاصيلنا ، مع ثدي أمي رضعت حشرجات الألم حين كانت ترددها بصوتها الجنوبي العذب وهي تعاتب الموت ، اليتم المبكر ألبسني عباءة الحزن ، بويتات الطين من حولي كانت تزدحم بالحزن في مدينة الفقراء التي آوتنا حيث دفعنا ضريبة حروب مجنونة ، قوافل الشهداء التي لم تتوقف حيث يغادرنا احبابنا في كل يوم فصرنا في محنة وطن ، أمي التي غادرتنا وكانت عليها ثياب الحداد وما زلنا نرتديه ففي كل يوم لنا والحزن والموت موعد جديد ، كل هذا من حولي يجعل الحزن رفيقا دائما ، فنحن في محنة حقيقية .
{ المرأة التي شغلت الشعراء كيف كانت في تجربة ماجد الربيعي ؟
المرأة هي الوطن والملاذ وهي من يمسح دموعي ومن يحتوي حزني وهمي ، المرأة العالم الرائع الذي نحاول ارضاءه كي ننال جنتنا ، كتبت لأمي وهي المرأة الاولى التي عشقتها ، وكتبت لسلمى المعشوقة وما زلت أكتب ، لا يكون شاعرا من لا يكتب غزلاً او وجداناً ويتغنى بالمرأة ، هي الخصب والحياة وسر السعادة فيها ، من نحن بدون حواء الوطن ؟
{ يوجد القليل من النساء الشاعرات في مساحة الشعر العربي ، كيف ترى ذلك ؟
على مر العصور في تاريخ الشعر العربي كان تمثيل المرأة في محدودا وقد ظهرن شاعرات قديرات اعطين للشعر العربي الكثير وما زال التمثيل محدودا لكننا نرى الكثير من المبدعات على مستوى العراق والوطن العربي ويكتبن روائع الشعر وفي كل اغراضه ، ربما لان مجتمعنا العربي ورث تلك التقاليد التي تقيد حرية المرأة في مجالات كثيرة ومنها الشعر ، وربما لان المجتمع الذكوري لا يعطي الفرصة للمرأة في الابداع ، ولكن مقابل كل ذلك نرى بصمة المرأة العراقية والعربية واضحة في الابداع الشعري .
























