قصص حسني هلال مع تقديم قصة إنموذجاً
الكثافة الشعرية في الأدب السوري الحديث
مؤيد جواد الطلال
حسني هلال كاتب عربي سوري متعدد المواهب؛ يكتب الشعر الحديث إضافة للقصة القصيرة, وهو في قلب الصحافة الأدبية من خلال عمله في مجلة المعرفة العريقة التي مازالت تصدر عن وزارة الثقافة السورية .
اللغة الجميلة والكثافة الشعرية المركزة , والنجاح في استخدام الوسائل الفنية الحديثة , هي الأمور التي تميز مجموعتة القصصية شير وشادي/ دار إنانا- دمشق2010 .. هذا بالإضافة إلى المضامين الاجتماعية والإنسانية النبيلة المتقدمة باعتبارها الشرط الأساس الذي يدفع الناقد للتنبيه إليها كفكر إنساني وفن إبداعي في الآن معاً.
ومع أن هذا التداخل بين الشكل والمضمون, بين الفكر والأسلوب الفني أو مجموعة الوسائل الفنية التي يعتمدها القاص لتحقيق أهدافه الإنسانية, شرط لازب في كل عمل أو منجز يستحق القراءة أو الوقوف عنده, لكننا لا نستطيع أن نجد تطابقاً مطلقا في جميع قصصه إلاّ في استثناءات محدودة , مثل القصة التي تحمل عنوان المجموعة, والتي سنقف عندها طويلآ في نهاية هذه الملاحظات.
ولذا فلا نكاد نجد قصة في سميرة والساقية والسفر الأشياء الثلاثة التي يحبها محمود [ المروي عنه حيناً والراوي أحيناً أُخرى, وما بينهما من اختلاط فني محبب ] , ولكن يوجد في هذه الأوراق التي إن أطلقنا عليها مجازاً صفة ” القصة ” باعتبارها منشورة داخل مجموعة قصصية كما جنستها دار النشر أو القاص ذاته .. يوجد الكثير من التأملات والتساؤلات والذكريات التي تتضارب في الرأس كما ورد في صفحة 27 بقدر ما يوجد الكثير من اللقطات الحياتية المنوعة التي تنطلق من ( تينة القرية ) و ( حجرها الأسود ) لتروي عن أمور كثيرة في قرية محمود كما يراها هو تارة أو يعبر عنها القاص تارة أخرى بلغة جزلة شفافة, تذكرنا بلغة المبدع أميل حبيبي البلاغية الغنائية المميزة التي تربط التراث بالمعاصرة .. تروي عن الناس ومفارقات الحياة – وتناقضاتها أحياناً – كما في مظاهر وصور صراع العبيد مع أسيادهم: الصور الفنية السريعة عالية التكثيف والإيجاز, كما هو الحال في العديد من قصصه , أو كما في مجمل ما يميز أسلوبه, وأعني به الكثافة الشعرية داخل نثر اختزالي شديد الحساسية, يعيد لذهن القارئ تذكر أسلوب همنغواي الذي اعتمد على ما أسماه النقد الأدبي آنذاك بالجملة القصيرة البرقية .. الخ ؛ لكننا رغم كل هذه العوامل الإيجابية لم نحصل على قصة بالمعنى المتعارف عليه ؛ فيصعب عندئذ تجنيس هاتين الورقتين اللتين تبدأان بحب محمود لسميرة والساقية والسفر وتنتهيان بهذا الحب أيضا !!
نقد الواقع الاجتماعي
إضافة إلى اللغة النثرية المشبعة بكثافة شعرية محتدمة, فإن قصص حسني هلال مليئة ومترعة بالمضامين الاجتماعية الإنسانية, حتى إن جاءت بما يشبه التداعيات والصور المتداخلة كجزء من عملية النقد الاجتماعي والفني للواقع المرير .. تلك الصور والتداعيات المبثوثة في قصة الجائزة ص41 التي أجهد الكاتب نفسه من اجل تصويرها في لقطات صغيرة وقصيرة ومتناثرة ؛ هي جزء من عملية تعرية الواقع المعاش ولكن باسلوب غير تقليدي بغض النظر عن درجة التطابق بين المضمون والشكل , أو بين سديمية الواقع وصلابتة وبين إزميل الفنان الذي ينحت ويهدم وينقد مكونات ذلك الواقع المرير. وقد نجح الكاتب أيضا في قصة مدارات ص51 نجاحاً باهرا في مهمة الموازنة بين عمليات نقد الواقع الاجتماعي السياسي وتعريته, وبين استخدام فني ماهر لذلك الإزميل القادر على تهشيم جبل الزيف والغش واللاإنسانية, الذي يغلف واقعنا العربي رغم النسبة غير المتكافئة بين حجم ازميل الفنان وضخامة جبل الواقع !!
قصة مدارات برمتها ليست أكثر من لقطتين متداخلتين : الأولى حوار بين إمرأتين روسيتين يستمع له الصحفي الذي درس في “موسكو” , والثانية حوار الصحفي مع الروائي المبدع حنا مينه .. والحواران معاً يكشفان عن بؤس الواقع العربي من الناحية الإجتماعية والأخلاقية [ خاصة فيما يتعلق بالنظرة السلبية للمرأة ] ومن الناحية السياسية والمعنوية, وخاصة فيما يتعلق بالنظرة الى الأديب أو الموقف الرسمي منه .. كما لو أن القاص يريد القول بأن الواقع ” كُلٌ واحد ” حسب النظرية الماركسية, وأن الخلل في مجال محدد أو قضية معينة يتداخل مع بقية المجالات في علاقات ديالكتيكية معقدة ؛ يفضي إلى حالة أو ظاهرة عمومية إستنادآ الى منطق التراكمات الكمية التي تؤدي الى تحول نوعي, حتى وإن كان القاص لم يضع نصب عينيه هذا المنطق الفلسفي أثناء كتابته لهذه القصة.
معاناة عامة
المعاناة الإنسانية عامة والاجتماعية خاصة, والاقتصادية منها على وجه الخصوص, هي الموضوع الأثير والمحبب – وربما الأكثر أهمية – الذي تعالجه قصص مجموعته الأولى { حفنة صور/ دار علاء الدين – سوريا 2003 }..كما أن هموم الناس اليومية العادية تتداخل مع الأفكار العميقة في السياسة والثقافة والمجتمع, حتى في شعره كما لاحظ الستاذ محمود الوهب في معرض حديثه عن ديوان حسني هلال ” سيراً على الأحلام ” المصدر: جريدة النور- العدد 340 في17 آيار2008 .
لكن القاص يمزج على نحو من الأنحاء هذه المعاناة المريرة بنكهة الإسلوب الساخر, كما لو أنه يحاول أن يزيدها مرارة على ضوء المثل القائل: شر البلية ما يضحك !! . وقد وصف د.عاطف البطرس هذه السخرية بالمرة, وعدّها بمثابة البطل الرئيس في مجموعة قصص حفنة صور , وذلك في مقالة له بجريدة النور أيضا .. وهذا ما لمسته في معظم قصصه عامة وقصص حفنة صور خاصة, مجسداً في قصة الألفيّة ص69 مع ملاحظة أو ضرورة التنبيه إلى الفرق الشاسع والكبير بين مهاراته الفنية وطريقة استخدام ذلك الأسلوب الساخر مابين مجمــــــوعة عام 2003 ومجموعة عام2010م , كما لو ان السنوات السبع أعطته دربة على المزيد من عمليات التصفية والغربلة والإيجاز والإختزال التي حققها في مجموعة شير وشادي لخلق قصة قصيرة مكثفة مليئة بالشاعرية والفن.
حلقة مفرغة وأقدار هوجاء تتلاعب بمصائر الناس
البحث عن وظيفة ولقمة عيش همٌ من هموم القاص حسني هلال , أو موضوع أثير محبب في مجموعتيه القصصيتين “حفنة صور” و شير وشادي .غير أن قصة [..والداروس بدّو عروس ] تمثل على نحو دقيق, ليس همّ القاص وتركيزه على هذا الموضوع الاجتماعي/ الإنساني العام – والظاهر بوضوح شديد في القطر العربي السوري – فقط ؛ بل وتجسد على نحو دقيق أيضآ اسلوبه الفني الذي يرتكز على أمور وطرق تكنيكية عدة لتحقيق مفهوم “خير الكلام ماقل ودل” الذي يستند بدوره على الجملة القصيرة والكلمات المنتقاة بعناية شديدة ومركزة .. الجملة المشحونة بدفق الإحساس وقوة التأثير رغم قصرها ودرجة الاختزال فيها, كما لو أننا أمام أبيات شعر أو حكمة شفاهية تكررت على ألسن بشرية مختلفة ومتنوعة ؛ بل إن الكاتب غالباً ما يستخدم الحِكم والبلاغات والأمثال الشعبية والأقوال المأثورة والإستعارات البلاغية من القرآن الكريم ومن الكتب والمقولات المشهورة لتركيب جمل نثرية لكنها مليئة بالكثافة الشعرية ..الخ .
وقد تجسدت كل هذه المواصفات الإيجابية لفن القصة القصيرة المركزة والموحية في الآن معاً بأقل من ورقة واحدة, أطلق عليها الفنان القاص [..والداروس بدّو عروس ] التي تلتقط قضية البحث عن وظيفة ومصدر عيش, هذه القضية العريضة الطويلة الواسعة, لتكثفها وتختزلها بجمالية عالية الروعة وتحولها إلى ما يشبه الحلقة المفرغة أو الأقدار الهوجاء التي تتلاعب بمصائر الناس مجسدة بأغنية الطفولة : ..والعروس بدها بيضة .. والبيضة تحت الجاجة .. والجاجة بدها قمحة.. والقمحة تحت الداروس .. والداروس بدو عروس.. ص38 من مجموعة ( شير وشادي ). والغريب في الأمر ان هذه الأغنية الفولكلورية التي يترنم بها القرويون بأرض الشام, يرددها أطفال العراق بذات الوزن والمعنى ولكن بصيغة أو مفردات اخرى!!.
سيف فني ذو حدين
غير أن القاص حسني هلال لايفلح في تحقيق هذا النجاح الباهر في كل قصصه؛ خاصة إذا جنح باتجاه الإيغال نحو الرمزية, أو الرغبة في خلق لقطات خاطفة ذات بريق تصبح فيها نقطة الضوء واللغة الشعرية عالية التكثيف حدّ الغموض هي الهدف الأساس, مما يقربنا من شكلانية مجردة أو مفتقرة للمضمون, كما يفعل معظم الشعراء العرب المعاصرون الباحثون عن الصورة الشعرية الجميلة, فيجيء شعرهم عبارة عن مجموعة صور متراكمة وجميلة, ولكنها تفتقد إلى الرابط الملحمي والدرامي أو النَفَسْ القصصي, والمضامين الاجتماعية والإنسانية المترعة بالأحاسيس والأفكارالنبيلة والمواقف السياسية المتقدمة والرؤى المستقبلية النبوئية الباهرة التي عرفناها في شعر جيل الرعيل الأول من شعراء الحداثة العربية الجديدة [ جيل السياب والبياتي ونازك وصلاح عبد الصبور و أمل دنقل والقباني وأدونيس..وآخرين غيرهم ] , أو ما يشدنا إلى شعر الرعيل الثاني من أمثال محمود درويش الذي يتربع على عرش شعر المقاومة والنضال ,و<< حسب الشيخ جعفر >> الذي عمل على تطوير القصيدة العربية الحديثة, والشاعر السوري المبدع عبد القادر الحصني الذي يرفد الشعر المعاصر بما يمكن تسميته ” الجليل في الجميل ” خاصة في ديوانه الأخير كأني أرى . ولذا أرى ان القاص حسني هلال يتعامل بسيف ذي حدين كما يقال: حدّ عظيم مبدع خلاق إذا توافر على مضمون إنساني نبيل, وحدّ سرعان ما ينطفىء بريقه أو يصعب فهمه وإدراكه, ولا يترك أثراً يذكر في نفس المُخاطب / المتلقي خاصة إذا كان قارئاً عاديا, كما هو الحال في قصص مثل << حذار هز الرأس- ص31 >> و الوصية – ص43 . وهكذا, فعلى الرغم من أن القصة الأولى في مجموعة ( شير وشادي) – المعنونة بإيما أو عادتي الجديدة / ص9 – هي قصة رائعة وجميلة ومكثفة تكثيفاً شعرياً عالياً, وهو ما يميز القصة القصيرة عن بقية ألوان الفنون, لكن الغموض الذي أحاط بنهاية هذه العلاقة الرومنسية الجميلة ربما كان السبب وراء عدم الإرتياح الذي يمكن ان يشعر به القارىء دون ان يعرف السبب الحقيقي وراء هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ, وانتهاء تلك العلاقة فيما يشبه الغموض غير المقنع, ربما لعدم فهمنا للرمز الذي سعى إليه القاص, أو ربما بسبب رغبة من الكاتب في أن يجعل الأمور تسير هكذا كشكل من أشكال الحياة المتقلبة ؟!
شدة التركيز
شدة التركيز وقوة التكثيف في قصة سهام ص19 تجبران القارئ أو الناقد على إعادة قراءتها لأكثر من مرة؛ لأنها لا تعطي نفسها من القراءة الأولى رغم قلة سطورها ومحدودية كلماتها, كما أنها مبنية بطريقة فنية تشمل الحاضر والماضي, كما لو أن القاص يعالج موضوعاً روائياً طويلا ممتداً من الطفولة إلى علاقة الذروة الجنسية بين الذكر والأنثى, مع الكشف عن زيجات سابقة وأحداث ومتغيرات وذكريات تبدأ من مدرسة القرية , ذات الغرفة الواحدة , لتنتهي حيث الشقة الفاخرة التي عاشت بها سهام [ الشخصية الانثوية المحورية في القصة ] مع زوجها المغترب الذي كان معلماً لهما في مدرسة القرية, والذي كان له دور في عملية تكوين أو توليد الإحساس بينها وبين حسن [ الشخصية المحورية الذكرية في القصة ] .. مع المرور بزواج سابق من شيخ سعودي باذخ..!!
وعلى الرغم أن ليل الحب أو الخيانة الزوجية قد احتواهما من أول ” الليل الأحمر” كما وصفه القاص – أو أوحى به – إلى الصباح, لكن التساؤل الذي طرحته سهام ماذا تفعل بكم اوربا ؟! ربما كان يشير الى عجز المغتربين .. وقد أدهشتني طريقة صياغة هذا التساؤل المرير كما لو انني أقرأ بيتاً جميلا في قصيدة شعرية:
“…ماذا تفعل بكم أوربا , غير ان تمتصكم من فوق ومن تحت , فتعودون إلينا إسفنجة متحجرة , لا هي تقبل الإرواء بعد , ولا إن عصرتها من أعلاها الى أسفلها , تجود عليك بقطرة ماء..! ص22 “
بحر زاخر
نادراً ما مرّ في قراءاتي أن تجيء صفحة واحدة بمثابة قصة كما هو الحال في أنيسة / ص15 تحكي الكثير الكثير من همِّ الإنسان, الذي هو الآخر مثل بحر أو محيط لانستطيع غير أن نطلق عليه كلمة << بحر زاخر >> أو ( محيط غير متناهِ )..ولعل الناقد الأدبي يستطيع الكتابة عن هذه القصة أسطراً وأوراقاً تزيد كثيرا على كمية عدد كلماتها. غير إن فنية القصة تمنحه – إن لم أقل تعلمه – ضرورة إحترام صيغة التكثيف والإختزال الشعري التي لا يستطيع فنان الوصول إليها ؛ ما لم يكن عميق الثقافة ومتمكناً من صنعته وأدواته الفنية.
قصة أنيسة تحتوي على موقف سياسي يمكننا ان نصفه بالخطورة , حتى إن نجح الكاتب في التلاعب بمكونات ومرونة اللغة ليجيء مثل هذا الموقف غير مستفز رغم قوته . وهذه أيضا مهارة فنية تضاف إلى مجمل مهارات التكثيف والتركيز والاختزال, بقدر ما تحوي على كشوفات اجتماعية كثيرة؛ إضافة إلى استدعاء الماضي والذكريات والأحلام ..الخ , وأشياء كثيرة فضلت أن لا أستفيض في الحديث عنها مادام القاص يحترم طريقة الإيجاز الى هذه الدرجة !!
منتهى الإيجاز والكثافة الشاعرية وجدتهما أيضا في قصة العش / ص57 , حين ” أنسن ” القاص الشاعر الحيوانات واختار العصفورة كنموذج مصغر ومحبب؛ بل وجعلها تشعر كما نشعر نحن بنو البشر مثلما كان يفعل القصاصون الروس في هذا المجال [ إبان الحقبة السوفيتية خاصة ] ليطرح بأقل عدد من الكلمات قضية إنسانية عظيمة تتعلق بالوطن: ما الذي يعنيه الوطن بالنسبة إلى الناس/ البشر والحيوانات على حد سواء؟! إنه ببساطة الأمن والأمان ولقمة العيش الكريمة. هذا ماتجيب عليه قصة العش.
ثريا النص
في قصة ير وشادي يعود القاص الى إستنطاق الكلب ليقدم رؤية إنسانية بديعة من خلال التماهي الفني الجميل بين منطق الإنسان والحيوان معاً: منطق الجنوح إلى الحرية والكرامة والاعتداد بالنفس, والرغبة في التعبير عن الذات دون ضغط أو إكراه أو إستغلال …ولعل هذه القصة هي الأهم , واستحقت بجدارة أن تحمل اسم المجموعة وعنوانها, العنوان الذي غالباً ما يكون هو بمثابة ثريا النص , كما كتب القاص العراقي محمود عبد الوهاب كتاباً كاملا في هذا الشأن.
الأهم ليس لأنها ترفض الإستغلال ومصادرة حرية الإنسان وكرامته, ولا لأنها أيضا ترفض حتى إيذاء الحيوان فقط, بل لأنها كتبت بأسلوب فني جميل ورائع, يتكون من أربعة مقاطع ,هي عبارة عن ” أصوات متداخلة ” كل صوت يرى الموضوع أو القضية, أو ما يسمى بحدث القصة وعنصرها الدرامي المركز, من وجهة نظره حسب التتابع الآتي:
أ – شادي الشاب الموسيقي الفنان الذي يعمل مضطراً كشغيل يُعبيء البنزين في السيارات – مع أعمال إضافية مجانية كثيرة – والذي يطرد من عمله لا لسبب سوى انه يرفض ان يبيع نفسه لميمي خانم [ ربة العمل ] , أو أن يبيع فنه لزوجها زهير هابط الذوق.
ب – ميمي خانم البرجوازية المتكبرة التي تريد شراء إنسانية الإنسان مقابل النقود التي تعطيها لشادي, كما لو أن القاص يحاول تعرية هذه النماذج البشرية, أو بشكل أدق هذه النماذج اللاإنسانية, التي تتصور أنها بالمال تستطيع شراء نفوس مستخدميهم, لكنها تسوّغ تصرفاتها بطريقة مخاتلة مخادعة حتى مع ذاتها !!
ج – الزوج زهير الذي يرى الأمور أيضآ من منظار المالك للمال أو سيد العمل, والذي يحتقر الناس ويريد تحريكهم على ذوقه كما في هذا المقطع: قلتله ,أنا معلمك , أطلب منك طلباً وترفض ؟.
قال : معلمي على راسي , ولك ان تطلب مني / تفويل/ السيارة لهذا الزبون …او أمسح زجاجها لذاك …فهذا عملي , وواجبي القيام به على أكمل وجه , لكنك لاتستطيع ان تفرض علي , ان أعزف لك أو أغنيلك هذه الأغنية لراغب علامة…أو سواها لجورج وسوف.
ثم تمتم الزوج معلقآ :<< معقول / شقفة شغيل /عندك يرفضلك هيك طلب بسيط..وللاّ حاسب حاله أطرش زمانه ! ص 71.
د – الكلب ” شير” الذي يتماهى مع الصوت الإنساني, ولكن على طريقة الشغيل المسكين/ المطرود ( شادي) ويكشف بمنطقه حقائق مذهلة تعري خواء ولا إنسانية أصحاب المال .. ولذا أحيل القارىء الكريم الى صفحة 72 ليلمس بنفسه هذا الكشف الباهر الجميل الذي يعرضه القاص الشاعر الفنان حسني هلال بصورة جميلة بديعة, يتداخل بها السرد والشعر وفن التصوير في الآن معاً.
الجوانب السلبية
وبعد؛ هل جميع أو معظم ملاحظاتنا الإيجابية, هذه, تنطبق على جميع قصص الكاتب ؟!
كلا بالطبع. فإذا ما تغافلنا أولا عن الفارق الكبير, أو المسافة الفاصلة, بين مجموعة الأولى حفنة صور ومجموعة (شير وشادي ) فإننا سنجد, ثانياً, في بعض قصص هذه المجموعة الممتازة ثمة قصصاً لا تستحق الجهد المبذول فيها؛ لأن قيمتها الفنية باهتة ومتواضعة كما في قصة مشراح / ص61 .
وإذا كان من حق القاص أن يستفيد من عملية استثمار الفنون المجاورة كالفيلم والقصيدة واللوحة…الخ , فأظن أن ثمة حدوداً لهذا الاستثمار, ولابد أن تظل ثمة مسافة بين فن وآخر من أجل قياسات التجنيس التي تخص كل فن ولون أدبي. ولذا فإن الورقة الأخيرة في هذه المجموعة لا تتجانس مع القصة القصيرة بقدر ما تعبر عن ميل متطرف لدى الكاتب لرسم سيناريوهات في بعض قصصه, كوسيلة لاستثمار الفنون المجاورة للسرد وخاصة السينما والشعر, وهذا ما نجده أيضا في قصة الجائزة / ص39 . كما أن الأستاذ حسني هلال لا يضع مسافة بين الشؤون الشخصية أو الميول الذاتية للكاتب وبين متطلبات فنه, مسافة بين الذاتي والموضوعي, فنجد كشفاً مستمراً لتلك الشؤون والميول بما يشبه البوح والإشارات الواضحة, وخاصة فيما يتعلق بدراسته الأكاديمية في موسكو, أو درجة حبه لوالدته وأشياء اخرى مكررة من هذا القبيل .. غير أن كل هذه الأشياء والملاحظات لا تقلل – بأي شكل من الأشكال – من نضج التجربة القصصية لدى الكاتب ونجاحه في خلق قصص قصيرة مترعة بالمضامين الإنسانية النبيلة, مصاغة أيضا بطرق فنية حديثة ترتفع الى مستوى الكثافة الشعرية في القصيدة الحديثة وبقية الفنون الجميلة.
قصة حلويات الحلبي إنموذجاً
كان الشاعر يكتفي بإجابة كل من يسأله من الزوار عن مناسبة تقويمه هذه الحلوى فائقة الجودة، في ظروفنا فائقة الحنظلية هذه، بالقول:
كلوا وادعوا لصاحبها بالشفاء.
فيأكلون ويتلمضون حامدين شاكرين.. ثم يدعون ، الأمر الذي لم يكن ليمشي حاله مع العاشقة، التي تريد معرفة كل ما يصدر عن عاشقها ومثلها الأعلى من قول وفعل، ويكون أحسن وأحسنين حسب تعبيرها إذا استطاعت معرفة نيّته أيضاً.
صحيح أنه اعتاد أن يحتفظ لها بـ “ملبّسة” في جيبه أو بحبة من الشوكولاه التي تعزّها معزّة خاصة، يدسها في كفها كلما التقاها. لكن هذه المرة، اختلف الموضوع، إذ من أين له مثل هذا النوع الفخم والثمين من الحلوى قد يصل ثمن الكرتونة منه إلى مئات بل آلاف الليرات في الوقت الذي قد نسي فيه معظم السوريين، جرّاء نكبتهم – يتيمة التاريخ حتى تاريخه – طعم الحلو والفرح والأمان.
ما دعا العاشقة السمراء، أن تخيّر شاعرها مفتّرة الشفتين والعينين، عن ابتسامة حزينة ، تعلم ويعلم هو قبلها، أن لا قِبَل له بمخالفتها ، قائلة:
إن كنت تحبني.. تقل لي مَنْ تخصّ هذه الحلوى؟
صمت الشاعر المعروف عنه ملاحة النكتة والمعشر، وسرعة البديهة والنسيان. صمت متفكراً، كمن يركض وراء معلومة شقية، تجرجره خلفها، دون أن تترك له فرصة للحاق بها.
وتسأله ثانية مستغربة:
ما بك..؟ هل نسيت اسم صاحبها!
فيجيبها:
لا.. ولكن أحاول تذكّر إن كنت أُحبك أم لا….
ويسافر شاعرنا على متن ذاكرته، مع قولة ملهمته “هل نسيت اسم صاحبها”، ماخراً ما عرفه في حياته بخصوص النسيان: ما أحسه هو نفسه منه، وما سمعه من الآخرين، أكان من حيث الأسباب عضوية أو نفسية.. من حيث الدرجات بسيط أو مركب.. من حيث الأنواع، مَرَضي أو طبيعي.. أم من حيث الدوافع، عشقي أو عرفاني.. الخ.. الخ.
لقد خبر شاعرنا بتجربته الشخصية، أن الإنسان يمر خلال حياته بمشاكل وتجارب، وتنتظمه وقائع وأحداث. فيها الحلو الذي يطيب للمرء تذكّره واستحضاره، وفيها المرّ الذي يتمنّى من صماصيم وجعه، لو يمحي من ذاكرته إلى غير رجعة.كما ويعلم أيضاً أن لرغبتنا هذه بتذكر الحلو/ المؤنس ونسيان المرّ/ المؤلم من الأشياء. أثراً غير قليل على مخزون ذواكرنا، التي تحتفظ لمرحلة الطفولة بمنزلة خاصة، من دون سائر مراحل العمر.
فها هي صورة الشاعر صغيراً يركض – لاهياً عن كل ما حوله- ملاقياً والده، كلما عاد من زيارة له، وها هو الأب الشيخ بوجهه البشوش وقامته المهيبة “يضرب” يده على جيب جبّته، ليناول صغيره حبة “الكرميل” التي يحتفظ له بها، ناسياً في غمرة ذلك تعب يومه..
وها هو الشاعر مراهقاً، أيضاً تشوح عيونه مع شباك بنت الجيران حسب تعبير السيدة “هندومة” إلى حدّ ينسى معه نفسه، وقد يغفو في مكانه على السطح مترقباً طلّة سارقة قلبه وشاغلة وقته….ويعود الشاعر على بدء متمّماً عليّ حديثه، ليقول:ترافقنا الطريق من كراج باب مصلى في دمشق، حيث كنت راجعاً من عملي إلى القرية، شمال “شهبا” وكان متوجهاً إلى قطعته، التي يخدم فيها جنوب السويداء.منذ صعوده إلى السيارة وجلوسه إلى المقعد المقابل لمقعدي، لفت انتباهي ذلك العسكري، بعكازه وصغر سنه، مع نحوله وكثرة ما يحمل من حاجات. ساعدته على تركيزها تحت مقعده وفي حضنه.
ولمّا رأيت حيرته في تدبير أحد الأكياس، تناولته منه ووضعته مع أغراضي، وما هي إلاّ: شكراً يا خاي منه.
وما في شي يحرز يا خيي منّي.. وإلى أين؟.. وكيف؟.. ومتى؟.. حتى راح يسرد عليّ سيرته: كيف سحبوه إلى الخدمة ولم يمضِ على زواجه بضعة أشهر بعد..كيف أنه ولحسن حظه كانت دورة الأغرار وسائر خدمته في السويداء؛ المحافظة التي طالما تمنّى أن يزورها. لكن بُعد المسافة بين ريف حلب محل إقامته وبين ريف السويداء مكان خدمته من جهة. وخطورة السفر في ظل ما يشهده بلدنا، من أحداث دامية، من جهة ثانية. كانا السبب في منعه من السفر لزيارة أهله ورؤية طفله الذي ولد أثناء غيابه، وأوصاهم أن يسموه “طلال” على اسم صديقه وجاره في الخيمة من جبل العرب.
مع نهاية خدمة أبي طلال التي انتظرها بالدقائق والثواني، وبداية الأزمة، التي لم يكن أحد منّا يتوقعها، على تلك الدرجة من اللامعقولية، بشاعة وطولاً وتآمراً وخيانة وخطورة. تأتي التقادير لتقاطع هذا كله، فيفرزون “أبا طلال” مع بعض من رفاقه إلى “درعا”.
وهناك يصاب بطلقتين في رجله، من قبل مجموعة إرهابية تختطفه على أثرها إلى “الأردن” حيث يسجن ويعذّب شهوراً. يبادلونه بعدها بأحد الإرهابيين المأسورين لدى جيشنا، فيعود ليسجن في عقر وطنه عقاباً له على فقده سلاحه.
وها هو الآن يخرج وقد قضى مسجونيته، قبل أن تلتئم جراحه، فيستلم ما فاته من رواتبه المجمدة ، ما يتيح له شراء ما يلزمه من أدوية وثياب وأشياء، إضافة إلى كرتونة كبيرة من أفخر أنواع الحلوى، معللاً نفسه أن: سأضيّف زملائي وكل من يهنئني بالسلامة وليوم الله يفرج الله، خاصة وأنني لا أعلم متى أسرّح أو تسمح لي الظروف بزيارة أهلي، هذا إذا ما بقيت على قيد الحياة !..
أخبر الشاعر معشوقته وملهمته وبالحرف، كيف أنه لم يتذكر وجود علبة الحلوى بين أغراضه إلا عندما رأها لدى فتحه الأغراض، بعد وصوله إلى البيت. فقد نسيها هو ونسيها “الحلبي” ولم يذكرهما بها أحد من جيرانهم الركاب..
أخبرها عن سائر محاولاته على امتداد أسبوعين بلا جدوى، للعثور على العسكري الحلبي “أبي طلال” الذي لم يسأله عن اسمه أو معرفة عنوانه أو الاتصال به. فأجابته بأن لا ذنب له فيما حصل اللهم سوى مروءته واندفاعه لمساعدة العسكري..
قالت لها عيناه: تمنيّت لو كانت الحلوى لي وأضعتها، أو أضعت ما بقيمتها نقوداً ولم يحصل معي الذي حصل..فأجابته عيناها: أعرف أعرف يا… وهل تراني بحاجة إلى أن تقول لي ذلك!وصمتا.. صمتا، كأن كلاهما يودّ لو ينسى نفسه في عيني الآخر، وأن أحداً لا يذكّره بها، إلّا وتكون هذه الغيمة الكابوسية من الظلمة والظلم والظلامية قد انقشعت عن كاهل سورية وطناً وشعباً.
في هذه القصة التي نقدمها كنموذج من الأدب السوري الحديث نلمس طريقة بناء فنية جميلة تتمثل بتداخل القصص, أو وجود قصة داخل قصة, حين يقدم القاص صورة عامة عن حادثة أو صدفة لقائه بالعسكري الحلبي الشاب الذي هو مركز الحكاية, وبعدها يحوّل ما سرده هذا العسكري عن سيرته الشخصية لرفيق الطريق الشاعر – القاص .
وبذلك سعى السارد الفنان إلى الاختزال والدقة في الآن معاً؛ مما جعله يكسب من خلالهما صفة المقدرة الفنية على تبادل الأدوار بدل أن يعبر عن سيرة العسكري بلغته أو خطابه الذاتي .. وبهذا أصبحنا أمام حكاية داخل حكاية, وذلك من خلال تلقي المعلومات – على الرغم من قلتها – التي يتلقاها الشاعر من رفيق طريق السفر, لكنه يحولها إلى سرد خارجي كما لو أن القاص / الشاعر يتعاونان على جلاء صورة هذا العسكري الذي هو مجرد رمز من رموز واقع ومداخلات الحرب السورية!!
إنه رمز لأنه بلا عنوان, ولا يعرف السارد حتى اسمه, فقط يعرف أنه رزق بطفل أسماه طلال تيمننا ومحبة لرفيقه العسكري حتى وإن لم تكتحل عيناه برؤية وليده.
هذه هي إذن حال العسكري في ظروف الحرب: إنه يخدم في المنطقة التي تتعاكس جغرافياً مع منطقة ولادته [ مدينة حلب؛ ولذلك سميت حلوياته المنسية بحلويات الحلبي ] .. في المنطقة التي تقع جنوب البلاد, عند جبل العرب, في حين يعيش أهله في شمال البلاد.وليس هذا هو الأمر الوحيد الصعب الذي يعيشه العسكري في ظروف الحرب, والذي تعرض إلى ظُلمين: أحدهما من المجموعة الإرهابية التي خطفته وعذبته, وثانيهما من قبل الدولة ليسجن في بلده بذريعة فقد بندقيته, فلا يفلّ ذلك من عزيمته ويعود ليلتحق بوحدته العسكرية كما عبر الدكتور الناقد ثائر زين الدين , الذي أشاد بهذه القصة على الرغم من قلة عدد صفحاتها التي تقدم بالمقابل تنوع لافت في الموضوعات والثيمات ؛ مما أعطى للقصة لون أدبي ممتع وجميل.
























