البحث عن مـلاذ للروائي ناطق خلوصي

البحث عن مـلاذ للروائي ناطق خلوصي

شخصيات إشكالية في فوضى العلاقات الجنسية

حمد علي حسين

          هناك من يعتقد أن الروائي ، أي روائي ، ليس بمؤرخ للتأريخ ، غير ان هذا  لا ينبغي ان يحول دون أن يكون، من خلال جهوده الكتابية، شاهداً صادقاً وليس شاهد زور على عصره . ويتوجب عليه ان يتصدى  للكشف عن مشكلات عصره متمثلة بالتقاليد الأخلاقية البالية والمساؤى الإجتماعية  عند الذين يتولون الحكم ومقاليد السلطة بكافة درجاتها ولآن الروائي بخلاف المؤرخ  ، يمتلك أحساس الفنان ورؤاه الفكرية والإجتماعية والسياسية ، فأنه أفضل من المؤرخ عند تعامله مع الأحداث والشخصيات كما انه بوسعه ان يتعامل  مع جوهر تلك الأحداث والشخصيات بشفافية الروح ورفاهة الأحساس  ورقة الوجدان التي  قد لا يمتلكها المؤرخ .

          ومرة اخرى  يتصدى  الروائي المبدع ناطق خلوصي ومن خلال جهوده الروائية  ،رواية  ” البحث عن ملاذ ” اإلى موضوعين  على قدر كبير من الأهمية هما : الأول العيوب الإخلاقية للسياسين والمفسدين وسراق المال العام  ، الحيات الكبيرة ،الذين جاءوا مع إحتلال العراق عام 2003 والذين هم حثالات القاع الإجتماعي  وهيمنوا  على مقدرات العراق وأخذوا يعيثون فساداً في البلد ومصائر أبنائه . و  الموضوع الثاني الجنس

          قبل الولوج إلى عالم الرواية  البحث عن ملاذ ، الصادرة عن دار ميزوبوتاميا بغداد عام 2016   يجد الباحث أن من الضرورة الإشارة إلى أن هذه الرواية بموضوعها وشخصياتها الرئيسة تشكل جزء من ثلاثية  مع : رواية ” أبواب الفردوس  2013″  ورواية “إعترافات زوجة مهم 2015 ”   ويمكن أن تندرج هذه الثلاثية تحت توصيف  ادب ما بعد الإحتلال عام 2003  حيث تشكل موضوعة سرقة المال العام والسقوط الأخلاقي عند السياسين الذين تولوا الحكم بعد عام 2003  وكذلك ظاهرة التدين الزائف  والهوس بالجنس  الذي تمثل بالخيانة الزوجية والزنh بالمحارم، القاسم المشترك  فيها.

الجنس في روايات خلوصي

يعتقد الباحث ان الروائي خلوصي يتعامل مع الجنس موضوعا تقتضيه الحبكة من أجل الكشف عن ممارسات إجتماعية وسلوكية خاصة لذا  لا نجده يسعى لإثارة المشاعر الجنسية للقارئ، وهذا ما يبرر لجوءه إلى الترميز في بعض الأحيان وتخلوتعابيره من كلمات الفحش والإقذاع . ولهذا ايضا يكون تناوله للجنس مقبولا حيث يكون وصفا  ليس لمظهر نشاط إنساني فحسب  بل هواصل  نشاط الإنسان حسب مفهوم الروائي الأنگليزي الكبير د .هـ . لورنس . ويترفع خلوصي عن الكتابة الإستفزازية  الاورنغرافية  التي تتاجر بالجنس أوتلك التي تثير جوا خاصا يحفل بخيالات الجنس فما نجد من كلمات  الفحش والإقذاع في جهوده الكتابية كافة وليس في هذه الرواية فقط.

يكشف الروائي  من خلال إهتمامه بموضوعة الجنس عن التناقضات التي تحت السطح من المحرمات كواحدة من الإشكالية التي تتصف بها علاقة الرجل بالمرأة وقد يبدوللقارئ للوهلة الأولى أن هذا الموضوع يعكس مواقف فردية إلا أنه بالحقيقة . يجسد في الوقت ذاته ، رؤى الفئات والشرائح والطبقات الإجتماعية التي ينتمون إليها   غالي شكري. مقدمة كتاب ” أزمة الجنس في القصة العربية . وسيظل الجنس محوراً للآداب والفنون إلا إنه يختلف من  حيث الإحتفاء به  حيث نجد من يخصه جل إهتمامه في حين نجد هناك من يولي الحياة كلها كل  إهتمامه وعنايته بما يشمل روايات تتضمن  هذه العلاقة اوتلك تلقائيا .   غالي شكري .المصدر السابق . ويكشف خلوصي في الثلاثية المذكورة في أعلاه وفي اعمال روائية أخرى مثل رواية  تفاحة حواء  وعشاق الشمس  على سبيل المثال عن نماذج بشرية ذات عورات في النفس والقلب والروح والوجدان ، لذا يجده الباحث أنه على الرغم من محاولاته الجادة في الغوص في أعماق شخصياته ،إلا انه لم يغفل لأن يقدم للقارئ فرصة تأملها من الخارج أيضاً.وإن جهد الروائي واضح للكشف عن حقيقة يحاول الكثير التغاضي عنها: أن الإنحطاط الإخلاقي لا يصيب المرأة فقط  حيث يكون للرجل نصيب أيضا ربما أكبر غالي شكري . المصدر السابق كما يتمثل في هذه الرواية  بسلوك المرزوق والمنصوري والشيخ عبد التواب وحمادة البواب على سبيل المثال. بعبارة أخرى أنه يولي إهتماما إستثنائياً بموضوعة الجنس في معظم منجزاته الإبداعية لا سيما المتأخرة منها كعنصر حيوي في احداث الرواية وكدافع مؤثر في سلوك شخصياته الذكورية والنسائية على حد سواء وكثيرا ما يكون  الجنس دافعاً رئيساً لممارسات محرمة .ففي  رواية ” البحث عن ملاذ ” ص 69   يكرر الروائي ما كان يحدث بين الأخ وأخته  والأم مع أبن اخ زوجها وكذلك غزوان مع زوجة أبيه في بيروت   أبواب الفردوس   وحيث تعترف شيرين للمرزوق بما كان يجري بينها وبين  أخيها هاني ص 67   أوما كان يحدث بين أمها وولدها هاني  70  لدخول عالم الرواية علينا الدخول أولا من خلال العنونة، العتبة الأولى للنص ” البحث عن ملاذ” والملاذ هنا   المجرد من أداة التعريف ” ال ” يشير إلى أي ملاذ ،من غير تحديد ، والملاذ في اللغة غير المأوى ، إنه  الحصن أوالملجأ  المنجد  وما يستوقف الباحث هنا فقد سبق للروائي قد إختار، مناطق عديدة لوجود شحصياته قبل عودتها إلى العراق مع الإحتلال   2003 : الولايات المتحدة وبيروت ودمشق ، غير أنه هنا جعلها تهرب إلى الخارج مرة أخرى  بعد أن تسنى لها سرقة المال العام الذي حصلت عليه من خلال الصفقات المشبوهة والرشاوى والعمولات.وهربت  في محاولة الخلاص من القصاص. . من الجدير بالملاحظة أن احدى محمولات العنونة المحمول الدلالي حيث نجده يحشد معظم شخصيات الرواية في هذا الحيز الجغرافي ، عمارة الفيل الأبيض في القاهرة  مسرحاً لجميع الأحداث . ومن الجدير بالملاحظة أيضاً لن تكن أية مدينة عراقية ملاذاً لأي من الشخصيات بل يجد الباحث  العراق بكل مدنه طاردا لهذه النوعية من الشخصيات وكأنه يلفظهم .

 رسم الشخصيات

تعد هذه الرواية بالذات  رواية شخصيات، أي سيرة روائية للشخصية المركزية ، اكثرمن كونها رواية احداث ،  حيث يجعل خلوصي الشخصية المركزية بؤرة  الإهتمام بما يمتلك  من خبرة ودراية كبيرتين في سبرغور الشخصيات ذات الأصوات المتسيدة والساردة العليمة والشخصية المركزية هنا  “وحيد المرزوق ”  ويجعلها تبدومهيمنة على الرواية وأحداثها . غير أنه لا يجعلها نرجسية إستعلائية ، كما ينجح  في ان يقدم لنا طيفاً من الشخصيات التي تصلح أن تكون نماذج  وإن كانت غير متجانسة .حيث تشكل كل واحدة منها عالما خاصاً   ويقدم شخصية المرزوق إنموذجا لحالة الخوف الذي يعيشه السارق . لقد وظف خلوصي الأحداث في خدمة الشخصية المركزية من خلال تقديم المعلومات عنها بشكل مفصل ..

           كان وحيد المرزوق قبل الأحتلال  موظفا مرتشيا وبسيطا يحمل شهادة المرحلة المتوسطة وعندما كان لاجئا في أمريكا  كان يعاني  من الجوع والتشرد والإستجداء ووضع نفسه في خدمة الأمريكان ص 184   كغيره  من الذين جاءوا معهم عام 2003 . أنه  الآن  يحمل  شهادة  جامعية مزورة ، رجل وحيد لا ولد له ولا زوجة بعد طلاقه زوجته الأولى لأنه عقيم ، كما أنه منبوذ من أهله ومطارد في العراق  يهرب بثروته الكبيرة جدا التي كسبها من خلال عمله في وزارة التجارة ، البطاقة التموينية ،من خلال الصفقات المشبوهة والعمولات والرشاوي والإختلاسات الكبيرة. أنه رجل بلا قيم اووازع أخلاقي تماما  ص 59  كما أنه زير نساء مسكون بالرغبة الدنيئة فلا يرعوي عن ممارسة الجنس مع النساء البائسات وصاحبات الحاجة وطالبات الوظيفة بما فيهن زوجة قريبه الشهيد التي يعدها  بإكمال معاملتها ص 23    ومستغلا حاجات النساء للعمل وخاصة المتزوجات،  ومثلما  استغل فقر العاملة  المنظفة في مكتبه وكذلك بائعة الخضرة التي اوهمها انه سيوفر لها دكانا في السوق من املاك الدولة من  دون مقابل ص 23 كان ذا بصر دنيئ تسكنه رغبة جنسية دنيئة التي يعبرها  عنها برغبته   للنوم مع نساء العالم كله ثاراً لروحه وجسده  ص136   وما يعبر عن وضاعته إيقاعه بالموظفة الصغيرة في الوزارة  مها  المتزوجة حديثاً والتي كانت تزوره في شقته الخاصة لتقضي معه ساعة  أوساعتين ثم يكافئها بمبالغ نقدية أوهدية ثمنية  كما أنه أوقع بطالبة وظيفة كانت تسعى لتوفر العلاج لأبيها المقعد.  0 ص59   أنه يعاني من مركب نقص حاد كونه رجلاً عقيماً وهذا ما كان يتحكم كثيراً في سلوكه إتجاه النساء عامة . ص 136   فهويتمتع ببصر شبق ورغبة دنيئة تجعله يحاول أن يلتقي مع نساء العمارة  ،مع كل واحدة على إنفراد إذا ما كانت  على استعداد  للإستجابه له ،أنه مسكون برغبة محمومة لمعرفة اسرار الناس في العمارة .ص130. بكلمة أخرى أنه شخصية إشكالية عصابية تعاني من خلل جسدي ونجده يسرق المال العام ويبدده من دون تردد اوتحفظ تعويضا عن ذلك الشعور بالنقص . تطلب زوجة المنصوري منه مضاجعتها بعد ما وجدت زوجها يضاجع زوجة البواب وعندما تشعر بالندم. لفعلتها لأن علاقة كهذه محرمة كونه زوج ابنتها شيرين   تحريم امهات نسائكم  يرد عليها بلسان مراوغ ان المقصود بهذه الآية الزواج منهن وليس مضاجعتهن .ص 225 بعبارة أدق كانت رغبته الجنسية حيواناً نهماً متحفزاً بشكل دائم.

يهرب من العراق مع ثروته الكبيرة جدا إلى عمان ثم إلى القاهرة حيث يتنازل عن جنسيته العراقية ويحتفظ بالجنسية الأمريكية حين يخيروه عند إكتساب الجنسية المصرية  عند شرائه  عمارة ” الفيل الأبيض” الكبيرة بمبلغ  مثير للدهشة لأنه كبير جداً ويبدأ يعيش حياة ترف وبذخ مبددا المال على ملذاته ، الشرب والجنس ، ويتورط في علاقة جنسية  مع فتاة قاصر 17 سنة من سكنة العمارة نفسها شيرين  بعد أن أغراها بالمال. ترغمه أمها على الزواج منها خشية الفضيحة وخوفاً من أقاربها المتشددين في قضايا الشرف .في النهاية يُقتل المرزوق بثلاثة رصاصات مجهولة في صدره ورأسه وفي عضوه التناسلي . ثمة سؤال يطرح نفسه: من هوالقاتل ؟ هل هوحمادة البواب لأنه طرده من العمارة ؟ أم هوسمير المنصوري بعد  ان وجد زوجته على سريره وادرك ما فعلت فأراد الأنتقام منه  وان إصابة عضوه التناسلي لدلالة كبيرة على ذلك.، قد يكون هوالقاتل فقد سبق وقد تسرب الشك إليه بأن تكون زوجته على علاقة معه في غيابه ،  عندما اخبرته أن المرزوق عقيم  ص 216   كما انه خشي ان تكون أبنته شيرين قد تورطت معه في علاقة مشبوهة حين أخبرته زوجته ان شيرين موافقة  على الزواج  منه على الرغم من الفارق الكبير بالعمر ..لقد كان الجنس  عند المرزوق فعلا إنتقامياً.أن مقتله يوحي للقارئ  أنه عقاب له وإسقاط لقيمه .لم يغفل الروائي عن أن يقدم  للقارئ شخصية عراقية أخرى مختلفة تماما ، خلقاً وفكراً وسلوكاً ونمطا في الحياة، أنها شخصية ” نجيب العراقي، الذي يسكن في شقة في الطابق الثالت من العمارة نفسها وهوشيوعي مستقل مؤمناً بالفكر الماركسي من غير أن يرتبط بحزب وعندما قامت أحدى المليشيات بخطف ولده مطالبة بفدية كبيرة يضطرأن يبيع داره لإفتدائه ثم يهاجر إلى القاهرة حيث الأمان 79 . ويأخذ يعمل في أحد المصانع وكما يترك ولداه الدراسة ليعملا من اجل لقمة العيش وتعيش عائلته في تقشف. غير انها تحس الآن بالأمان على الرغم من أوجاع الغربة  ص 188   وتتمتع شخصية نجيب وعائلته بالبراءة والحميمية وبهذا يعد المعادل الموضوعي لشخصية المرزوق..

شخصية اشكالية

في الملاذ ايضا ،شخصية أشكالية أخرى ، حمادة البواب ، الصومالي الجنسية الذي يعمل بوابا للعمارة ،والذي يسكن مع زوجته وأطفاله في غرفة في الطابق الأرضي. ويجعله حبه للمال أداة صدئة بيد من يدفع له،   لذا يجد في زوجته  الصومالية”شريفة” مهنة وإرتزاقا فكان  قوادا لها ايضا حيث يجعلها تلبي الحاجات الجنسية لرجال العمارة  بالإضافة إلى قيامها بتنظيف شقق العمارة .وكان  يستحوذ بالقوة  على النقود التي تحصل عليه من الرجال حيث كان ينبش ملابسها نبشا بحثا عن الفلوس والويل لها لووجد معها قرشاً  33   كما كان يسيئ معاملتها  ويمارس معها الجنس  كالثور الهائج حسب وصفها بعد  انتهاء الرجال  منها مباشرة  .ص 44  ويجدها الباحث اكثر نساء الرواية بؤساً، ويبدوللباحث أن حمادة البواب المتهافت على كسب المال أكثر صدقا وواقعية من الآخرين الذين يجهلون الكثير عن خيانة زوجاتهم . من سكنة العمارة رجل دين، الشيخ عبد التواب إمام وخطيب مسجد قريب من العمارة وزوجته الشابة الليبية العاقر التي كانت قد جاءت للدراسة في الأزهر فتزوجها الشيخ عبد التواب ،  تعترف  شريفة زوجة البواب ان الشيخ عبد التواب  قد مارس معها  الجنس مرتين وبدت زوجة الشيخ سهلة ورخوة الإرادة  فعلى الرغم من تحشمها سمحت للمرزوق بتقبيل شفتيها أكثر من مرة . وفي الملاذ هناك زوج صومالي أوأرتيري  يحاول حمل زوجتها المصرية التي تزوجها زواجا عرفيا لحاجة أهلها للمال على ممارسة الدعارة وفتهرب منه وتختبئ في احدى الشقق وتنجومنه و يولى الأدبار عندما تخبره ام هاني  ان  زوجته ذهبت لتخبر المباحث .

من الشخصيات التي  تظهرفي هذا الملاذ  شخصية سمير المنصوري الذي لا يقل وضاعة عن المرزوق وهومدرس مصري منتدب للتدريس في السعودية  دأب على زيارة عائلته مرتين في العام المكونة من زوجته ” سميحة ” وولده هاني “15 سنة وثلاث بنات، تهاني 21  اماني19  وشــــــــرين 17 .وكان حين يعود إليهم يسهر مع اصحابه في المقهى ولكن  عندما تعرف إلى المرزوق أغراءه بالشرب والطعام من خلال دعوته وزوجته إلى المطاعم الفاخرة حيث يتسنى له كرع كوؤس الخمر  ، وعلى الرغم من وجود زوجته والتي كان يضاجعها بإستمرار  لم تمنعه وضاعته من خيانتها مع زوجة البواب ،. وعندما تضبطه زوجته متلبسا وعلى سريرها تقول له تفوعليك يا نذل  ص 222    وتندفع نحوشقة المرزوق وتستلقي على سريره طالبة منه مضاجعتها إنتقاما من زوجها بعد ان تحطمت صورته المقدسة.وغير ان الباحث يعتقد انها وجدت خيانته مسوغاً لإقامة علاقة جنسية مع المرزوق  الذي كانت على ثقة تامة انه راغب  فيها وقد  حاول كثيرا  إغراءها لتحقيق هذه الرغبة. من شخصيات الرواية التي تتصف بصفات  سكان الملاذ  هما ضيفا المرزوق  نادية شرهان  الموظفة في وزارة التجارة والمشاركة في جميع الصفات والعقود  المشبوهة والتي لا تتورع عن إقامة علاقة جنسية مع المرزوق وكانت طرفاً مهماً في المجموعة التي عرفت بأسم ” ثلاثي البطاقة التموينية” وقد لعبت دورا كبيراً وحيوياً في إتمام الصفقات التي جعلت الدولارات تنهال عليهم مثلما ينهال المطر ص 198  ويلمز الروائي من تدينها حين يراها   في مطار القاهرة  وهي ترتدي الحجاب والجبة الإسلامية  فقد كانت تشرب البيرة وتؤدي الصلوات في مواعيدها من دون ضوء . ص 99   و أخيراً تهرب إلى جهة مجهولة  مع ممدوح الجمّال   والذي هومثل دأب المرزوق  في سرقة المال العام  وعلاقته  الجنسية مع نادية شرهان .والذي يهرب معها أيضا إلى جهة مجهولة هربا من المطارد المحتملة .

من الشخصيات النسوية التي كان لها الصوت المتسيد أيضا  سميحة، أم هاني ، زوجة سمير المنصوري وإبنتها الصغرى 17  سنة  شيرين  اللتان كان لهما دور  مهم في الرواية. في  البداية بدت لنا أم هاني إمراة قوية حذرة في تعاملها مع المرزوق كزوجة غاب عنها زوجها وكذلك واعية لدورها  كأم لبنات غاب عنهن ابوهن ،  بيد انها تراخت أمام  إغراءات المرزوق الذي راح يغدق عليهم المال من غير تردد، ولم  تستسلم له تماما على الرغم من كل محاولات إغراءاته  بيد انها تستسلم له بعد ان تتداعى الجدار الذي كان تستند إلبه  ، إخلاصها لزوجها طوال سنوات  غيابه ، بعد  ان تكتشف خيانته  لها مع زوجة بواب العمارة وعلى سريرها ، وتدرك انه خذلها على الرغم من إخلاصها له .ص 222  من الجدير بالذكر  انها شجعت زوجها على الموافقة على زواج شيرين من المرزوق لأن ثروته بالكامل ستؤول لها لآنه لا وريث له .  ص 215.  وللتستر على علاقتها مع المرزوق الذي فض بكارتها. شيرين أصغر بنات أم هاني الثلاثة، فتاة طائشة ونزقة مندفعة نحوأحلامها من غير وعي وتروي،  أنها مسكونة بحرمان كبير ووجدت في شخص وحيد المرزوق أولا صورة الأب الغائب ثم الفرص السانحة لتحقيق ما تحلم بالحصول عليه حين أخذ يغدق عليها  المال ببذخ كبير مما شجعها على التمادي في نزواتها وخاصة العاطفية إلى الحد الذي  جعلها تستسلم له  طواعية وتنتهي بها تلك الرغبات  في لحظة غياب  الوعي إلى فقدان عذريتها غير انها سرعان ما تندم على فعلتها  ص 164  إلآ انها تعود إليه لممارسة الجنس معه مرتين في شقته  ص 168  وعندما تخبر أمها بما حدث  لها مع المرزوق تنجح الأم بعد تهديده  في حمله على الزواج منها .  وبعد الزواج ، تتغير مشاعرها نحوالمرزوق وتحن  ثانية الى حسام الدين ألشاب  العراقي وأخ صديقتها وزميلتها في المدرسة الذي تجد فيه الإستقامة وتجد ان خلوتها معه تخاطب الروح وليس الجسد كما مع المرزوق ص 171   وتدرك الفارق الكبير بين المرزوق و بين حسام الذي هوبعمر ولده وعندها تشعر بأسى وندم كبيرين لأنها  قدمت جسدها سلعة رخيصة ليعبث بها المرزوق فتبكي ندما.ص 171 ويسهب الروائي في وصف أحاسسها ونوبة تقريع الذات ولوم النفس  عندها عند المقارنة بينهما. عند مقتل المرزوق على يد مجهول تصبح هي على ما يبدوالوريث الوحيد  لثروته وأملاكه.  بما  فيها اموال نادية شرهان وممدوج الجمّال  التي اصبح المرزوق وكيلا لهما ,هنا ينطبق عليها المثل العراقي ” يا منْ تعب يا منْ شگه ويا منْ على الحاضر لگه أن غالبية شخصيات هذا الملاذ ، الفيل الأبيض شخصيات أشكالية تعاني  بشكل وآخر من عطب أخلاقي  حيث  يهيمن عليها حب المال وحب الجنس غير المشرعن بما فيه الزنا بالمحارم  فما من واحدة منها ارعوت عن ممارسة الجنس غير المشرعن بما فيها الشيخ عبد التواب ، إمام وخطيب المسجد ، وكذلك سمير المنصوري عند عودته من السعودية مع زوجة بواب العمارة.ولم يفت الروائي ان يشير إلى  الشخصية السوية  وسط هذا الكم الهائل المتهافت على حب المال والجنس  شخصية اللاجئ العراقي  نجيب العراقي الشيوعي المستقل  الذي  لا تشيب سلوكه وسلوك افراد عائلته أية شائبة .

 من الجدير بالملاحظة أن اكثر الشخصيات النسوية المتزوجات قد توقفن عن الإنجاب طبيعيا  عاقرات : زوج الشيخ عبد التواب  أوغير طبيعي  ام هاني، عقد رحم تعكس الرواية فوضى استخدام الجنس ويسلط الروائي الضوء على دوره دافعا لتصرفات الكثير من الشخصيات ، ويشكل الجنس عنصرا بالغ الأهمية وخاصة عند الرجال حيث نجدهم اكثر إستسلاما لأغراء الجنس بعد المال من المرأة، فهذا وحيد المرزوق يرغب بالنوم مع كل نساء العالم ثأرا لجسده وروحه معاً ص  236  وكذلك الحال مع رجل الدين  الشيخ عبد التواب المتزوج الذي نجده يمارس الجنس مع زوجة البواب لأكثرمن مرة  ص132  وكذلك الحال مع سمير المنصوري .وممدوح الجمّال ونادية شرهان.. بدت للباحث الشخصيات النسوية في الملاذ ، عمارة الفيل الأبيض ، رخوات الإرادة أمام الجنس  وكن سهلات الإنقياد له.

يعد  الروائي الكبير  ناطق خلوصي واحداً من الروائيين العراقيين المعروفين بخبرتهم الكبيرة لذا إننا إزاء روائي يمتلك معرفة دقيقية بدواخل كل شخصية من الشخصيات التي تعامل معها فيسبر غورها بدراية تامة محاولا أن يكشفها للقارئ من خلال الحوار الخارجي Dialogue فيما بينها والحوار الداخلي   الذاتي   Monologue  اللذين يجريان بشكل تلقائي  ومن دون إقحام وإفتعال..ويعد الحوار الذاتي شكلا من أشكال السرد المعاصر ويسهم مع السرد في تحقيق البناء الفني المتوازن في تطور الأحداث والحبكة للكشف عن طبيعة الشخصيات .  ويوظف الروائي سرد الأحداث بإستخدام المزاوجة بين ضمير الغائب  وضمير المتكلم  للكشف عن الشخصية ورسمها من الداخل والخارج ومن الجدير بالملاحظة ان الحوار الخارجي هنا  يقترب إلى حد كبير من الحوار الذاتي   بمفرداته الشاعرية.

اسلوب الحوار

يوظف الروائي  في أكثر من عمل روائي اسلوب االحوار المباشر بين الشخصيات الذي يجيده بمقدرة عالية  وسيلة للكشف  عن رؤى كل شخصية  ومكنوناتها  الفكرية والوجدانية ودواخلها.يمتاز هذا الحوار بجمل قصيرة دقيقة  التعبير من غير إطناب أوإسفاف وهذا ما يجعل القارئ يلم بتفاصيل الحدث  فضلا عن دواخل الشخصية.لقد نأت الرواية عن النزعة التقريرية الجامدة وتصفت بالبساطة والسهولة والوضوح ولم تجنح إلى التجريد والغموض والإبهام بدت الرواية متاسكة البناء الفني فتجنبت التفصيلات الزائدة واستطاع الروائي الإمساك بقتدار عال بالحدث الروائي المركزي على الرغم من تعدد الأحداث  الثانوية في الرواية طوال زمن الرواية   وينجح الروائي بجعل تلك الأحداث مرتبطة  بالحدث المركزي إرتباطا  عضوياً تماما. ونجد  ان الأحداث تتطور في إتجاه  معين من دون فقدان وحدتها وإرتباطها  عضويا بالسياق العام  فما من حدث يقع صدفة عشوائية لقد تم رصده  وعوالمه من ثم الكشف عن تفاصيله الدقيقة وينجح  الروائي ان يثير لدى القارئ تساؤلات عديدة فيما يتعلق بحياة المواطن العادي الذي يعيش تحت هيمنة هذه الطغمة الفاسدة من السياسيين والمتسترين بمظهرية التدين الذين إستباحوا كل شيء من غير وازع أخلاقي ، فما نجد أحدا منهم مجرد شكل وجسد بل مجموعة تقاليد وممارسات تعبر عن منظومة قيمية خاصة بكل منهم  وعن المتغيرات التي طرأت  في تلك المنظومة بعد عام 2003   على مستوى الأفراد والجماعات خاصة تلك الني تسنمت مقاليد الحكم .بكلمة أخيرة تعد هذه الرواية احدى  الروايات ذات المنحى الإجتماعي لواقيعة  شخصياتها ،شخصيات  موجودة في الحياة العامة تماما، حيث غلبت عليها تماما الرؤية  الواقعية الإنتقادية من حيث المضمون على وجه التحديد غير ان الروائي ، في الوقت ذاته، ينأى عن تقديم أفكار إصلاحية وبذلك يختفي صوت الواعظ والمصلح الإجتماعي فيها .