التجديد والإبداع في شعر أحمد مطر
شهاب ثاقب بسماء القصيدة العربية
علي القريشي
ما نشر في احدى الصحف تحت عنوان “احمد مطر” بتوقيع محمد غازي الاخرس كان لابد ان يبعث على الاستغراب وهو يتعرض بالنقد لظاهرة الشاعر الكبير احمد مطر، نظراً لما اتسم به ذلك النقد- وان كان عابراً- بالتسرع والاستخفاف الشديدين الامر الذي يستدعي التوقف عنده ولا سيما ان كاتبه قد تورط باكثر من ادعاء لا مصداق له من الواقع مثل:
- ان احمد مطر لم يكن معروفاً في مرحلة الثمانينات والتسعينات الا على نطاق محدود، والا لاضطر كاتب المقال كما يقول – ان يلاحقه وهو الذي يصف نفسه بانه ما ترك طابوقة في قلعة الشعر الا وتمعن فيها، وما اغفل جيباً من جيوب جلباب القصائد الا وفتشه!
- ان شعر احمد مطر “عبارة عن لافتات تتجه الى اكبر عدد من الجماهير لتثير انفعالاتهم وباقصر الطرق وايسرها”، وهو شعر بطبيعته “اقرب الى المنظومات التعليمية او الاخلاقية التي لا تاخذ من الشعر سوى الايقاع والقافية، اما سوى ذلك من بلاغات واسلوب وآليات تجميل، فلا شان لها به….” “انه مجرد نظم موزون ومقفى.. رسالته سياسية محض…” وجمهوره بالتالي “لاتهمه الصعوبة ولا الاستعارة … لا يحفل كثيراً بالكناية والتشبيه، انما يعنيه الصراخ والمعنى المباشر..”
الظاهرة والتجاهل
أبدأ بالادعاء الاول فأقول: انه على الرغم من ان الكاتب قد زعم لنفسه الاطلاع الواسع على المنتج الشعري، الا انه استثنى من ذلك شعر احمد مطر وما كتب عنه، خلا السماع العابر الذي على ما يبدو قد قيم في ضوئه شعره واصدر ضده تلك الاحكام الحاسمة المتعسفة التي اشرنا اليها.
كان بامكانه ان يطلع على هذا الشعر وقد امتلأ به الفضاء العربي منذ عقود، ويظل الادعاء بانه لم يكن معروفاً الا في الحقبة الاخيرة دالاً على الجهل الصارخ بالشاعر وتاريخه – فمطر كتب الشعر ونشره منذ بواكير حياته في نهاية الستينيات. واذا كان في البداية لم يكن مشهوراً الا في نطاق محيط مدينته البصرة، الا انه قد عبرها بعد عقد من الزمان الى المدى الأوسع لا سيما بعد هجرته الى الكويت في مطلع السبعينيات، حيث ظهرت “لافتاته” على الصفحة الاولى من صحيفة القبس اليومية متناغمة مع ما كان يرسمه زميله ناجي العلي من كاريكاتير على الصفحة الاخيرة من الصحيفة نفسها.
لقد بزغ نجم احمد مطر تحت سماء الخليج منذ ذلك الوقت، وسرعان ما تجاوزها منذ منتصف الثمانينيات كشهاب ثاقب نحو السماوات العربية الاخرى، حتى غدا شعره على كل لسان، فكيف فات “متسلق القلاع الشعرية، ومفتش جيوب جلاليب القصائد” ان لا يسمع بهذا النجم الصاعد ولا يقرا له شيئاً؟! مع ان نقاداً وكتاباً عديدين تناولوا سيرته وشعره وكان في مقدمتهم الناقد المصري رجاء النقاش الذي التقاه في الكويت وكتب عنه متابعة مهمة نشرتها مجلة المصور القاهرية عام 1987تحت عنوان “شاعر جديد يلفت الانظار” وكتب عنه قبل ذلك سمير ابو حمدان عام 1985 في الكويت، وابتسام عبدالله عام 1988 ومنيرة مصباح في الراي العام الكويتية عام 1985 وعبد الغفور عبد الحميد عام 1989 كما تناوله الناقد الاردني شاكر النابلسي في احدى مقالاته، فيما تناوله في لندن في مطلع التسعينيات ولاكثر من مرة الناقد العراقي عبد الرحيم حسن وقد قدم سعيد ساجت وعبد الرفيع هندي “قراءة في شعر احمد مطر ” نشرت في مجلة المنعطف المغربية عام 1992 ثم قدم الدكتور اسماعيل العقباوي دراسة عنه بعنوان “احمد مطر ثائراً ساخراً” ناهيك عما أُنجز حوله من رسائل جامعية على مستوى الماجستير والدكتوراه نشر منها قبل سنوات رسالة كمال احمد غنيم “عناصر الابداع الفني في شعر احمد مطر” التي اعدها في جامعة النجاح بنابلس، ثم دراسة عبد المنعم محمد فارس الموسومة “مظاهر التناص الديني في شعر احمد مطر” التي اعدها تحت سقف الجامعة المذكورة نفسها، اضف الى ذلك ما أُعد من رسائل اخرى في جامعات المغرب العربي، ناهيك عما تتم اعداده في الجامعات العراقية في مرحلة ما بعد السقوط من رسائل كرسالة الدكتور عبد المنعم الشويلي المعنونة “التناص في شعر احمد مطر”، والتي نوقشت في الجامعة المستنصرية، ورسالة الدكتور عبد الكريم السعيدي الموسومة “شعرية السرد في شعر احمد مطر”، دراسة سيميائية جمالية في ديوان لافتات، وقد نشرت عام 2008 وقد وصف كاتبها شعر احمد بالقول ان “شعره يمثل ظاهرة فنية جديدة على الشعر العربي نظراً لما فيه من ميزات فنية – لا كما زعم الاخرس- تعد جميعها احدث حلقات التجديد في الشعر العربي” ناهيك عن المقابلات التي اجرتها معه صحف ومجلات عربية مختلفة من بينها مجلة الوطن العربي التي كانت تصل الى العراق ايام النظام السابق، ومع كل هذا وكاتبنا الذي يدعي الاطلاع الواسع والمتابعة الدؤوبة لعالم الشعر والشعراء يعترف بجهله وتجاهله بهذا الشاعر وشعره، ويصدر في الوقت نفسه تقويماً عاماً خاطفاً بخصوصه بعيداً تماماً عن الحقيقة والواقع.
أن مما يجدر التنبيه اليه: ان مطر اذا كان قد اعتاد نشر اعماله تحت عنوان واحد هو “لافتات” وجدناه يخرج بين فترة واخرى على هذا السياق ويقدم نتاجات جديدة متميزة نذكر ما نشر منها:
- اني المشنوق اعلاه.
- ديوان الساعة.
- ما أصعب الكلام قصيدة طويلة من القريض في رثاء صديقه ناجي العلي.
- العشاء الاخير لصاحب الجلالة ابليس الاول.
لقد نشرت هذه النتاجات مستقلة وضمن مجاميعها الكاملة التي تم طبعها وتوزيعها من قبل دور نشر متعدده، وفي عواصم عديدة، ولمرات عدة، وهي جميعاً – لعلم محمد غازي الاخرس- متوفرة ومنذ سنوات في سوق الكتاب العراقي، وقد قدم خلالها اجمل الابداعات في عالم القصيدة العربية الحديثة.
فديوان الساعة مثلاً الذي جاء على شكل قصيدة طويلة اتبع فيها طريقة اعطى من خلالها لكل جزء من النص عنواناً خاصاً تمحور حول جزء من اجزاء الساعة الصغيرة.
دائرة ضيقة .
وهارب مدان.
امامة وخلفه يركض مخبران.
هذا هو الزمان!
كما جعل من العمر – في صورة مبتكرة- قطعة لبان.
في حلق الساعة.
والساعة غانية تعلك.
تك… تك
تك… تك
تك…
تك…
والارقام جماهير خائفة من جدران الساعة التي لها آذان، والرقاص مشنوقاً، ودائرة الساعة دولة حاكمها يدور بالعصا على ظهر الجماهير المستسلمة والجرس طبول تاييد لمجلس القيادة.
فتمعن !…
رشاقة وتجديد
انه ومع انتشار هذه القصائد التي تشع جده ورشاقة وتجديداً نجد من يزْوّر عنها عامداً لا سيما بعض من تحكمت في وجدانه النزعات اليسارية او البعثية او السلطوية او السلفية او حتى “الحداثوية” واذا كان بعض هؤلاء قد حاول الاقتراب من العالم الشعري لاحمد مطر الا انه سرعان ما وجد نفسه متراجعاً حين لم يجد عند اقترابه ذلكم التناغم الروحي أو النبر الموحد فيما بينه وبين ذلك العالم، فيما يحتفي بشعره اولئك المرهفون الذين منحوا الأولوية لقيم الحق والروح والجمال لا سيما من لم يقع منهم في اسار العصبيات المللية او الآيدلوجية، ولم يفتتن بالانخراط في جوقات الجنرالات او السلاطين.
وعلى الرغم من ذلك الموقف المتجاهل او المرتد عند من ذكرنا، الا اننا لم نر أيا من اولئك من يجرؤ على مس طرف من اذيال احمد مطر الشعرية او يجاهر مستهيناً او مشككاً بشاعريته ولو بذريعة المباشرة او الصراخ او النظم التعليمي او الاخلاقي كما فعل صاحبنا غازي الاخرس.
ان الكتابة مسؤولية، ومن صفات الكاتب الملتزم ان لا يبادر الى نشر ما يدور في خاطره قبل ان يلم بموضوعه ويتعمق فيه، حتى ولو كان ذلك الموضوع قد أعده لصحيفة يومية، او قدمه لينشر على مستوى عمود صغير، او كان متعلقاً بشأن عابر او متصلاً بشخصية عادية، فكيف اذا ما تعلقت الكتابة بأدب شاعر مبدع كبير مثّل ظاهرة جديدة في الشعر العربي المعاصر كاحمد مطر.
المعادلة الكاذبة: الشعرية والغموض
يبدو ان الوضوح والبساطة في شعر احمد مطر، مع الالتزام بالاوزان والقافية والموسيقى قد اوهمت محمد غازي الاخرس بان مثل هذه السمات لا تمثل الا مؤشرات على افتقار الشعر الى البلاغة والروح والبلاغة ما هي الا “تأدية المعنى الجليل بشكل واضح ومن خلال عبارات فصيحة وجديرة بان تترك أثرها في النفوس. وهل عناصر البلاغة غير “لفظ ومعنى وتاليفاً للالفاظ يمنحها قوة وتاثيراً وحسناً، ثم دقة في اختيار الكلمات والاساليب”؟
ان الشعر البليغ لا يرتبط بالضرورة بالالفاظ الغريبة او التعابير الغامضة او الصياغات المعقدة، بل بوسعنا القول انه كلما كان الشعر واضحاً وسهلاً ممتنعاً كلما كان اكثر شاعرية وبلاغة وتاثيراً، ومن الخطأ الظن بان الكتابة الواضحة مرادفة للخطاب المباشر.
ان عبقرية البلاغة الشعرية عند احمد مطر تكمن بما ينطوي عليه شعره من ايحاءات ما كانت لتصدر إلا عن وضوح لغوي وصياغات مفهومة، وهذا ما لا يعيه دعاة الحداثة الموهومة.
لقد استشهد الاخرس بقصيدة احمد مطر “صدمة” ليدلل على ان شعره مجرد نظم يخلو من الشعرية والبلاغة .
شعرت هذا اليوم
بالصدمة
فعندما
رايت جاري قادماً
رفعت كفي نحوه
مسلّماً
مكتفياً بالصمت والبسمة
لانني اعلم ان الصمت
في اوطاننا … حكمة
لكنه رد عليَّ قائلاً.
عليكم السلام والرحمة
ورغم هذا لم تسجل ضده تهمة!
الحمد لله على النعمة
من قال ماتت عندنا
حرية الكلمة…!
ان هذه القصيدة ليست كما يزعم الاخرس مجرد نظم موزون ومقفى بل تنطوي على تقنية بلاغية تدعى بـ “المفارقة التصويرية” التي يظهر فيها صاحب المفارقة ساذجاً الى الحد الذي يظهر دهشته من رد جاره التحية عاداً ذلك الموقف دليلاً على حرية الكلمة!
ان المفارقة التصويرية – كما يرى علي عشري زايد- تكنيكاً فنياً يستخدمه الشاعر المعاصر لابراز التناقض بين طرفين متقابلين بينهما نوع من التناقض، وتلك صيغة بلاغية، وقد سبق ان اهتمت البلاغة العربية القديمة بهذا التصوير البديعي القائم على فكرة التضاد وجعلته في صورته البسيطة “طباقاً” وفي صورته المركبة “مقابلة”.
وهذ اللون من البلاغة شائع في شعر احمد مطر، كما في لافتته “خطاب تاريخي” التي يقول فيها:
رايت جرذاً
يخطب اليوم عن النظافة
وينذر الاوساخ بالعقاب
وحوله
….. يصفق الذباب!
والحقيقة ان مسائل الغموض والتقعر وادعاء اللامباشرة في لغة الشعر الحديث كانت في ذهن الشاعر احمد مطر، وكان له موقف نقدي منها، حيث استهجن الشعر الذي يتعمد الألغاز والغموض ويُكتب بلغات الرياضة او الكيمياء او الهذيان. كما سخر من تاويلات الحداثيين الشعرية التي لا تحمل اي معنى وذلك تحت عنوان “ترجمات” حيث يقول:
“ليل… وبدر ساطع… وانجم”
ياشعراء ترجموا
يقول فيها الخدم:
عباءة السلطان، والدينار والدرهم
ويشرح البهائم:
مائدة السلطان
ثم الصحن، ثم اللقم!
وينهق الحمائم:
سفينة السلم، واسرائيل ، والمغانم !
فكل هذه القراءات التاويلية كانت لثلاث كلمات هي “ليل، وبدر، وانجم”
اما تاويلها عند الحداثيين – كما يقول مطر:
“فالليل لديهم “يالمشي”
والبدر “كرسي الثقب”
والانجم “خيط غائم”
اما قراءة الشاعر التأويلية للكلمات الثلاث نفسها فهي:
وهكذا أترجم
الأنجم الغراء … اشعاري
والبدر … انا
والليل… هم كلهموكما نعى احمد مطر في مقالة له بعنوان “الشعر بين طاووس وغراب” -نشرتها مجلة الناقد اللندنية – على القائلين بنظرية “تفجير اللغة” طالما كانوا يقصدون بذلك الثرثرة والهذيان المحموم. مرة اخرى نؤكد خطأ من يتصور بأن وضوح الشعر وسلاسته يعنيان المباشرة التي تهدر المعاني والإشارات الجمالية التي لا احرص من احمد مطر عليها. لقد شملت ابداعات شاعرنا عناوين دواوينه وقصائده وافتتاحيات كل ديوان وما يتضمنه من رسوم وخطوط، حيث تمثل هذه العناصر “عتبة النص” ان لم تكن “نصاً موازياً” يمثل منطقة استراتيجية في عملية التلقي بحسب “جيرارجنيت”.
اعجاب قباني
ان نزار قباني لم يخف اعجابه بالشاعر احمد مطر حتى انه كان يهدي اليه دواوينه بخط يده تحت عبارة “الشاعر الجميل” كما اطلعني على ذلك احمد نفسه حين التقيته في منزله بلندن صيف عام 1988 كما كان من دلالات ذلك الاعجاب اعتزاز قباني بديوان لافتات الذي ظهر معروضاً على وجهه في مكتبة نزار بمنزلة بلندن وذلك اثناء لقاء تلفزيوني اجري معه قبل وفاته بقليل، ومن له إلمام بتحليل شعر قباني سيكتشف ان بعض قصائده الاخيرة قد استلهم فيها المنحى الشعري لاحمد مطر، واذا كان احمد قد تاثر بشعر نزار في بداياته، فان نزار – كما اعتقد – قد تاثر بشعر احمد في نهاياته !! لقد تجلت معالم الابداع الفني والجمالي واساليب اللغة الشعرية الرفيعة في شعر احمد مطر بعناصر جديدة منها : الاشارة والمفارقة، والتناص، والومضة، وغيرها، وكان من اهم سمات شعره اللغوية: الاختزال، والرمز، والتكرار، والترادف، والتضاد، والاشتقاق، والتلاعب بالحروف والكلمات، وكتابة الاصوات وغير ذلك من بلاغات واساليب وآليات تجمّل بها شعره وارتقى، وقد نحتاج لمقاربتها أكثر من دراسة ومقال””.
























