تحليل غير أفقي لبنية رواية العرس السري لجيرار كارامارو

تحليل غير أفقي لبنية رواية العرس السري لجيرار كارامارو

العنونة الأدبية والمدخل المضاف و اللغة

محمد يونس

عنونة التبرير الذاتي – كل عنونة تسعى لتميز نفسها، وعلى وجه الخصوص بعد التطورات التي مرت بها العنونة، من ما طرحه امبرتو ايكو حيال كونها قد اصبحت ( ايقون النص) ومن خلالها صارت كما الفنار الذي يشيرنقطة غموض لتبان ملامحها، ومن ثم قدم جان جانيت طروحات ابعد واعمق، حيث مثلت طروحاته ازاء العلاقة بين العنونة والمتن النصي علاقة نصوص، فاعتبر العنونة نصا موازيا للنص، وبذلك صارت هناك توجهات لقراءة العنونة وفق تلك الطروحات، ونونة رواية  – العرس السري -، هي تسعى لتبرير  ما تعنيه اليه من جهة، وتحقيق منطق مقبول عند طرفي التلقي، ومن جهة اخرى هي ايضا تسعى لتبرير الحدث، وهذا يبقى على حدود العلاقة التعالقية بين العنونة والمتن النصي، وكل المباني يبقى توافقها على مستوى حدود العلاقة بين العنونة والنص .كيف نفسر عنونة تتناقض مع الواقع في حدود تلك السرية التي طرحتها، فالرواية هنا حسب مفردتي العنونة، من جهة العنونة الأولى – العرس – والذي طرح معرفا وليس مجهولا، فهو مثال اجتماعي يمتلك صفة تاريخية، وسماته كلها تحمل معنى مفرحاً، بيد أنه يقابل مفردة اخرى دخيلة على مداره الأجتماعي العام على وجه الخصوص، واثارة معنى اخر، قد كانت المفردة الثانية  هي من حققته، بل وسعت افقه، وبالتالي جعلت من الوحدة الدلالية فاعلة، وتحتمل التطور في اكثر من توجه، وعلى وجه الخصوص في المشاعر الأنسانية.

ملتقى عضوي

 وهنا ايضا ميزت تلقيها، حيث تحددت العلاقة بالتلقي العضوي، اي إن السمة الأدبية للعنونة، هي من اكدت ذلك النمط من التلقي، حيث تجد إن عنصر الزمن هنا تغير من ثبوت تمثل بالمفردة الأولى، ليختفي ثبوته في العنونة الثانية، وتكون المفردة الثانية كما فراغ زمني يحتمل عدة ازمنة، وطبيعي ذلك الفراغ يرسم معنى معين، ومن ثم يمحوه ليرسم بديلا له، وهذا ما يعطي العنونة ميزة اعتبارية، وبالتالي ليكون ذلك الفراغ متيحا لتعالق غير نمطي، ما بين العنونة والمتن الموازي، ويجعل التوافق ما بينهما راهنيا بالمعنى الذي هو يرسمه، وليس لألية السرم والمحو من تدخل مباشرفي عملية التعالق، وإنما ما تهدف اليه تلك العملية من تحقيق رسم ومحو، يحيل الى فكرة أن المضمون يحتمل هكذا اطار، وهو فعلا وعلى وجه الخصوص، في ماتمثل من وصف واسع استثمره الروائي لغايات تأهيلية للمشاعر للمشاعر والأحاسيس، وما يرتبط بالفعل الأيروسي الذي يتطلب زمنا مختلفا، وهنا يتوافق الرسم والمحو مع ما يتطلبه الفعل الأيروسي وتصورات الراوي – السارد عنه، وتلك هي واجهة التعالق بين العنونة بوصفها نصا موازيا وبين المتن النصي ومضمونه . المدخل المستحدث وكسر قاعدة الأستهلال – لقد قدمت رواية – العرس السري – لجيرار كارامارو – نقضا لما معهود في تاريخ المدخل، او ما يسمى تراثيا بالأستهلال، حيث استهلت الرواية بفصل تقنيا لم يحمل اسما او ترقيما، بل بدأت الرواية بتسمية الفصول بما تلى ذلك الأستهلال غير النمطي ومستحدث، وينسب هذا الأستهلال او المدخل، الى ما اسميه  المدخل الخارجي، والذي هو مستوى تقني طارىء ، حيث يتربط برؤيا الروائي اكثر مما يرتبط بالرواية، برغم وجوده متصلا بكيان الرواية عضويا، وكان له وجوده المكتوب، وذلك الوجود المادي يشكل حالة استثنائية، وليست واردة بشكل طبيعي كما عهدت بنية الرواية، وحتى الجديدة منها .نحتاج الى تساؤل نبدأ به تفسيرنا لذلك المدخل الطارىء، فكيف تقبل بنية الرواية ذلك السياق الطارىء، ووفق اي تفسير يكون؟، من الطبيعي ليست هناك اجابة ثابتة بشكل توافقي كليا مع غاية السؤال ومغزاه، فالرواية وكما هي تعرف بكون الجنس الأوسع كيانا، والذي يمكنه دون خلل احتمال اجناس اخرى، وللسعة دور تقني من جهة، وكما إن للأحتمال الفني ايضا دور من جهة اخرى، فالرواية عبر تطوراتها التاريخية تجاوزت تلك الصفة الأرسطية، والبقاء على مفصل البناء الأفقي التقليدي، وعبر البناء تلك السمة التدرجية، والتزام المنطق الأرسطي، والتتابع من بداية القصة الى خاتمتها، لبلوغ النتيجة النهاية، ويشعر التلقي بالسعادة والرضا والشعور بالأمتنان للقيمة الوجودية الفاضلة. ولكن الرواية منذ مرحلة زمنية واسعة قد تجاوزت معاني البطولة والملاحم والفروسية والاخلاقيات الكبرى، وصارت انموذجا ذاتيا، يهتم بفرد معين فقط، وليس بالمجتمع بمجمله، وتلك التغيرات لابد من أن يصطحبها تغير بالمقومات الفنية، فبنية الرواية صارت ليست وجودا ضاجا، بل مشاعر واحاسيس وافق وجداني، هو مضمونا يراعي الأفق المختلف، اي لايسعى لواقع محض، بل واقع مختلف بتندر ومفاجأة وغرابة، وهذا طبيعي له تأثيره المباشر على المدخل او ما يسمى سابقا بالأستهلال، وهنا يمكن أن تكون الأجابة ضمنا وافية عن السؤال، حيث سعة الرواية تعني احتمال كل ما لايحتمل .لقد فكرت بعدما مر الأستهلال بتطورات غير افقية، وفيما أن المدخل قد تعدد، وصار هناك مدخلا خارجيا، وكما في رواية – العرس السري – يحتمل تمثله لذاته، وإن كان افكاره هي تقترن بالمضمون الروائي، بل هي وكأنها مستلة منه، وتعبر عنه بصياغة مختلفة المعاني، لكن لايختلف البعد الدلالي المشترك بينهما، وإنما هو اكثر من مشترك، بل إن المعنى الأساس كان ذاته، وإلا لكن هناك وجود مناصات متقابلة، ويبقى التقابل الدلالي بين المدخل الخارجي والمتن واردا عبر ضمان المدخل الداخلي للمتن النصي للخارجي وتأهيله .أن يكون ذلك المكتوب المفترض مدخلا خارجيا، يلغي أن يكون نصا طارئا ودخيلا، والا لكانت هناك مشكلة نوعية في بنية الرواية وما هو طارىء عليها، وبرغم ما اعتاده المدخل الخارجي من أن يكون مختصرا بكلمات تعبر عن رؤيا المؤلف عن مضمون نصه، او تكون مادة مضمنة كما لو مقطع شعري او حكمة او جملة بليغة فلسفيا، ولا يكون بتلك الحدود الواسعة، بيد إن علة الأمر ليست مرتبطة بمساحة المدة المكتوبة، لكن قلنا قد اعتاد الكتاب على الأختزال، فصار ذلك الأختزال سياقا عرفيا، ويبقى لرؤيا المؤلف اساس المقصد والغاية والهدف، وذلك الأستحداث هو لم يخل ببنية الرواية، كونها تحتمل ما لايحتمله اي جنس ادبي، ثم هي تقنيا ابقت لرصانة اطار التجنيس حدودها التامة، فكانت سمة تحديث المدخل الخارجي هي مثال نوعي لتمثيل افاق كينونة بنية الرواية في اطر ما بعد الحداثة .   اللغة البينية شاعرية السرد – لغة الرواية التقليدية تهتم بتفعيل افعال الكلام، وتدويل تلك الأفعال في واقع النص، كي يكتسب حقيقته الفعلية، ، وبتطور افاق الرواية تطور متن اللغة، وصار اشبه بلغة تشترك فيها لغات ثانوية، وإن لأشتقاق لغة من رحم اللغة العامة صار متحققا في اللغة المعاصرة، بل أن هناك لغة بديلة تأكد استخدامها وتوظيفها في رواية – العرس السري -، وهذي اللغة تختلف ـ في سياق علم اللغة ـ عن النمطية ، أنها منتجة لضرورات واسباب، وهي ليست اللغة العادية التي تتكأ على الأصول التقليدية من مفردات , ومن ثم يصاغ منها جملا، بل أن تلك اللغة لغة جمل لا تتصل بعلم اللغة كنمط لغوي من انماطه، وهي ليست الا توصــــــــيف للغة مفترضة اوجدتها ضرورات وسببية ملحة في كيان الرواية.

لغة عامة

 فهي ليست لغة عامة بل هي لغة قاصرة عن اللحاق بذلك الاطار، وإنما هي ـ كبديل نوعي ـ تزيح لغة جنس ما من موضعه لتحوله الى موضع في جنس اخر تحله بديلا لها، والرواية بثراء لغوي جعلها كقطعة شعرية. فكانت اللغة البينية تسهم في افراغ النص الروائي او القصصي من لغة طارئة قد تربكه، على الرغم مما تقوم به من دور بنائي .الرواية هي رواية بنيت وفق سرد روائي تصاعدي، ، احتمل لغة ليست تقليدية، وتلك اللغة المشتركة ودورها في أن يتداخل فيها السرد بلغة عالية الحس حيث هناك في كيان الرواية صوت داخلي، كان حساسا بشاعريته، واحاليا تنسب تلك اللغة الى اللغة المتعدية، اي لغة الشعر، التي تمتلك لغة حسية، وبما أنها متعدية فهي تفصل نفسها عن لغة السرد الروائي، وهي هنا تؤكد ما كتب بها هو شعر . تبئير الحدث الأيروسي – قدمت الرواية عبر سيرورة تفاصيلها الى الأمام، سعيا لبلوغ النتيجة، حيث تعامل كيان الروائي داخليا وليس خارجيا، فكان راوي- سارد، وكل هو له دور يقوم به في توظيف خارج السياقات التقليدية، في مسارين تقريبا متوازيين، حيث يوازي الراوي السارد، فنجد أن الراوي قد قدم لنا مقدمة برؤية نظرية تقترب كثيرا من تأكيد دور السارد وترسم معنى يعادل وظيفته، لكن هناك فارق بين المشاعر المبثوثة من قبل الراوي، وبين افعال الكلام المسرودة ووصف ما صار مشهودا، وهنا تمكن الروائي من تحقيق لعبته بتبئير الفعل الأيروكي، وأن يقوم بالمناورة باحالات جانبية غير مباشرة، كي لاتكون الرواية بفعل محددن فقد قام الراوي برسم ملامح متعددة لمعنى الحب اجتماعيا وتاريخيا ومعنويا، حتى أنه رسم له صور صوفية، وكان السارد يعكس فعلا قريب من معادلة تلك الصور، والتقابل في تبئير الفعل الأيروسي، ينعكس احيانا بوجه معاكس، حيث يقوم الراوي بروي مشاهد مستعادة ذاكراتيا، والسارد يقوم بالفعل وترجمته الى واقع عياني، ولكن هناك كانت مناورة من بل المؤلف، بسياقات اساسا هي لغوية، حيث لعبت اللغة دورا مهما في إتجهاين، كان الأول منهما هو سردي الصفة، حيث هناك فعل التزم الحالة الأساس تقريبا بين الشخصيتين المحوريتين، حيث اكد السرد واقعهما المكشوف والبائن، وكذلك ما كان شخصيا بئرت منه بعض المشاهد، ومن جهة ثانية كان هناك افق الوصف، والذي تطور مرة في مسار وصف نيابة عن كيان ما، اي هو محدد، فيكون هنا نمط الوصف ظاهراتيا، ومرة يكون وصف عام سيان كان خارجيا، او كان داخليا، لكن كل من الاتجاهيين، سعى لتبئير حسب الرؤية الداخلية للكاتب، اي مضمونه الروائي.

نمط السرد

 وقد اجتهدت اللغة في أن تكون بينية وحسب المتاح لها، فأحتملت نمط السرد الشاعري، والذي يسعى لترجمة احاسيس ومشاعر، اضافة الى تأكيده وقائع وحقائق، وهنا كانت بؤرة الراوي مالت الى التبئير اكثر مما مالت الى التكشف، وذلك عبر انهمام السارد المتعدد الصفات الروحية بحبيبته، والنيابة عنه في اكثر من موقف، وحيث كان هناك احالات دلالية وليس اشارات، من قبل السارد في رسم صورة معنوية لحبيبته، وليس الأشارة لصورة واقعية لها.   الخلق النصي – يكون الخلق هنا ابعد من التخليق، الخلق فني- قيمي – جمالي , فيما التخليق نتاج غرض جاد محافظ على موضوعيته، فحيث إن الكاتب يسرد ما يشاهده ويراه او ينقل من خزين ذاكرته، لكنه ليس بمدون كما في العرف التدويني، بل هو ينقل رؤيته للعالم، لكن نجد إن النص ككيان انتاجي يسعى لإنطباع مرن يتوسع لأبعد من سمته الأساس، وهذا ما اده لنا كيان رواية – العرس السري -، فهناك تخلييق مستحدث، وهو غير نمطي بسياقه، فكيان النص برغم الفكرة الأساس تحث على ترجمتها، لكن نحى النص الى تطوير عاطفة الراوي – السارد، حيث جعله يميل الى لايقف حائلا، كونه له القدرة على فرض ما يهدف هو اليه، لكن هناك مايعجز هو عنه، وهنا مؤكد سيكون للنص دوره، وأن مادة التخلييق هي غير يسيرة بالنسبة للسارد، بل تكون عادة عصية عليه، فلوسيل المرأة التي لا يمكن لغير كيان النص اتاحتها لعرس سري يتم بين عاشقين، وتكون دون الدور التخليقي حالة بلا منطق موضوعي، ولا هي واضحة اجتماعيا، بل إن النص هو من يبث فيها قدرة أن تكون حقيقة جازمة، ويبث فيها ايضا نفسا واقعيا مشهودا .  إن النص الروائي يتأمل نفسه كمحتوى داخلي، ثم يهدف لكشف قيمته ومضمونه ، وارى أن الشكل الفني يناور كاتبه او يثيره ليتجاوز شخصيته وامتلاك قدرة فنان في نسج صور لتفاصيل اعلى من ادراكه الشخصي، ومن طبيعة الرواية الجديدة الا تخفي سعيها لعملية انتاج الخلق الأدبي ، وهنا في رواية – العرس السري – ثمة دافع الى مهام الوصف المتطورة حد التحايل والتلغيز، فكان النص الروائي مصدر أحاجي وافكار روحية، يقف الكاتب , فيما بعد, مبهوتا، ويسأل هل انا من كتب ذلك، وهنا كان المؤلف – جيرار كارامارو – مؤكد هو مقرا باندهاشه لبلوغه حدا من الانقياد الى النص متأثرا به، ومن ثم أقر بأن النص الروائي لوحده من تمكن من هذا، وأن قيمة الأبداع مرتبطة بما ينتجه النص من قيم، قد تبلغ درجة اذهال القاريء العضوي، وتكون هنا كأنساق ابداع غير افقي، وبالتالي تواجه القارىء العضوي كاشفة عن قيم قد تعادل ـ موضوعيا ـ قيما كبرى، وهنا يتأكد أن الخلق عادة ما يختلف عن الصنعة في الفن الروائي، حيث القيمة الجمالية لا تبدو الا عبر تطور الخلق الفني، وبعد تجاوز التصور التقليدي لوحدة الوجود، وتماهي الخيال الابداعي يكون ساعيا الى التكامل الجمالي، والذي احالنا اليه النص في رواية – العرس السري – عبر القراءة التحليلية المواكبة لجميع افاق تركبيته وعناصر البناء فيها، والذي جعلناه كدرس نقدي، انا من استفاد منه .