بنية الكتابة في رواية طقوس الإثم – علي لفته سعيد

146

بنية الكتابة في رواية طقوس الإثم

تماثل الحكاية وغائية المشهد

23

علي لفته سعيد

ينتهج بعض الروائيين أسلوب الروي الحكائي لينتج روايته وهذا الأسلوب ليس سبة او مثلبة، إذ ان الموضوعة تتحكم في بعض الاحيان في اختيار طريقة للروي ولكن الأهم هوة كيفية ادارة هذه الثيمة الحكائية التي يريد روايتها من خلال صفحات الرواية خاصة إذا كانت هذه الحكاية مستلة من الواقع تماما وهي تبحر بطريقة ما لكي تخرج الى الصفة الاخرى على شكل رواية

ومن هذه الروايات الواقعية رواية ( طقوس الاثم ) للشاعر والروائي منذر عبد الحر والتي جعل لها عنوانا اخر ( من وقائع أيام المحنة في بغداد ) والتي صدرت عن مؤسسة شمس للنشر والاعلام في القاهرة عام 2012 والتي تقع في 230 صفحة

Unknown-2

منذر عبد الحر

الرواية تحكي عنوانها والعنوان يحكي سيرته والسيرة تأخذ بتلابيب الشخصيات لكي تتحول الى متن روائي والمتن الروائي يسير باتجاه تصاعدي من أجل منح الصراع فعله الدرامي الذي يبحث عن نتيجة مفادها متعلق بالعنونة الثانية للرواية أكثر من ارتباطها بالبحث عن متن لغوي وامتياز زماني آخر وعلى الرغم من انه يذكر في صفحته الاولى ان ( جميع الأسماء والشخصيات التي وردت في هذه الرواية هي من نسج خيال المؤلف، ولا وجود لها على أرض الواقع) إلا ان الواقع يأخذنا بتلابيبه ليكون هو المعادل الموضوعي بدءا من العنوان الثاني حيث وجود كلمة بغداد وانتهاء بذكر التفاصيل اليومية للمكان والزمان الذي تتحرك على سطحه الرواية التي لا تتجاوز محنة دخول الامريكان وبدء عمليات التفجير بمعنى انها اختصرت الزمن الى عدة اشهر تصل الى سنة ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق وهي الرسالة الموجهة بالإثم في العنوان الأول حين جعل الإثم يتحول الى طقوس يومية ويقود السرد بحثا عن كل ما له علاقة بالعنوان ( الاثم) وما يمكن ان يوحد الحكاية في خطابها الروائي.. ان الرواية بمقاطعها الثلاثة والثلاثين وهو رقم له انزياح دلالي قد لا يرتبط بالاحتلال الامريكي ولكنه يرتبط بدلالة الحرب عام 1991 وهي ذاتها الدول التي شاركت ايضا في اسقاط النظام لتتحول الى قوة احتلال وما جرى ورغم انها بدأت قبل هذه المقاطع بنصوص نثرية وانتهت بعد المقاطع بنصوص نثرية ايضا ولان الاولى لم يفصح عن كاتبها كما حصل مع النصوص الأخيرة لكن الارتباط المعرفي بشاعرية الروائي التي سبقت كونه كاتبا تحيلنا الى ان الروائي هو منتج النصوص التي فسرت الواقع قبل الاثم وبعدها حين يقول في استهلال نصه الأول

( كنّا نعيش بسطاء

مسالمين

منذ فجر الزمان

كنا أخوة طبعا

وكنا نأكل ثمارنا

ونشرب ينابيعنا ) ثم يستمر ليبز هذا الواقع

(وذات يوم

نزلت الى شواطئنا اسماك القرش

وانتهى السلام ) ص6

في حين ما ذكر على انها ملحق مقاطع مما كتبته رواء في دفتر مذكراتها أيام المحنة يشير بشكل جلي الى كل تلك الاجتراحات التي ادت بتقسيم الايام بحسب النصوص

( خضّبن أيديكنّ بالحناء

واشددن شعوركن

لا وقت..

الموت يطرق البواب

ليتحدث:

عن الطائرات

ومصائر لا تؤدي

اعلمن

ان الذهب الباهت

والفضة المركونة

والعطر المتخاذل

امام البارود

لا مأوى لها

سوى انين طفل) ص214

مستويات الروي وروح الحكاية

تبدأ الرواية بمستوى تصويري إخباري كتلك التي تبدأ بها الأفكار الواقعية التي تنسل من فمٍ يروي الى الآخرين؟..؟ وهذا المستوى يحمل ترقّبا ومشاكسةً للمتلقي في ضخّ معلومة الخوف.. منذ المفتتح / الاستهلال يكون الخوف والليل هدفا لمعنىً قادمٍ سينتج الموت وسيدور حول دائرة الروي المثبّت في لهات العنوان ( الإثم ) حيث علامة التوقّف للحياة وديمومتها.. الاستهلال يوضح ما ينسحب عن حالة الجنون أو حالة الشذوذ أو حالة الترقب أو القتل لشخصيات الرواية وهو الأمر الذي أخذ على عاتقه الراوي أن يوضح معالم ما يطلّ على المتلقي لما هو آتٍ من الأحداث التي تبدأ بالظلام لتنتهي به أو يشبهه من انحسار للنهر وسيوف مشتعلة ونوارس هاربة وأفاعٍ عملاقة مع تبيان كتم الانفاس في كل ما يصاحب الشخصيات التي تتحرك وفق منظومة ما يحيطها بها من هلع وخوف حتى ان المدينة لا يتحرك فيها فجرا إلا المعتوه في دلالة على انهزامية الواقع أمام الاحتلال في ليل بغداد ونهارها والتي تبدأ أيضا بمقتل ضابط شاب وعدد من جنوده ) ص10 بقصف جوي وهم داخل سيارة الايفا.

ان المستوى الاخباري هو الأعلى شأنا في بنية الكتابة، حيث يقود تشعب الصراع بين الشخصيات التي ترتبط جميعها برابط المكان لكنها لا تتصل برابط المعرفة وتتصل برابط المحنة ولا تتصل برابط التشابه مع بعضها ومن هنا تتشعب الثيمات داخل الحكاية وتقترب من السرد في بعض المفاصل حين يبرز المستوى التصويري للواقع أو يتخذ من الفعل النفسي تلويحا لما هو ضامر من الإثم ليكون القاتل والمقتول معا.. وما بين المستويين يكون الصراع فعلاً دوارا ومتصاعدا ومراقبا ومتسلسلا ليحكي حكاية كل شخصية وارتباطها بالمكان ( مدينة الحرية ) من بغداد لتتشعب الحكاية الى بقية بغداد من خلال فعلي الروي المرافق لشخصيات الرواية حيث يتحركون الى أماكن أخرى ليتم الكشف عن الحياة الجديدة الآثمة ليكون رأي الراوي هو رأي الروائي بما حصل.وعلى الرغم من ان الرواية كشفت القاع وكشفت العلاقات الكاذبة مرّة والصادقة مرّات وتلك الحالة الثقافية المتأرجحة والمأزومة أو المتمثلة بالوعي من جهة أخرى فان الحب كان حاضرا بقوة حتى لو كان على شكل قتيل مثلما يحضر عنصر الصراع الدرامي في هذه الحكاية من خلال وضع علامات دالة على الحياة العراقية سواء ما هو مرتبط بقِدَمها في زمن ما قبل الاحتلال وزمنها الجديد في زمن الاحتلال وكيف يتحول السجين السياسي الذي تعذب الى حد قتل ذكورته الى مزواج يتمرد على نفسه ويعذبها حين تتحول نساؤه الى مومس أو كارهة له ويطلبن الطلاق منه بطرق دراميةان بنية الكتابة تعتمد على شرح المتن الحكائي وإعطاء المعلومة من قبل الراوي الذي يتحرك وفق حكاية الرواية ويريد فرش لغته مثلما يريد تحقيق هدف تحليل الشخصيات وارتباطها بالواقع مثلما تعتمد على تداخلها في عملية ترتيب إخبارية، أي ممازجة بين الخبر الصحفي والبناء وقد درج الراوي على إدارة متنه بما تضمنه الإخبار بطريقة الروي المعلّق والمكدّس بالمعلومة الواقعية وتقريب الواقع والخروج من الحكاية الى الواقع من خلال ذكر الأسماء.

كما تعتمد بنية الكتابة على توزيع مستويات الصراع بين الشخوص وتوزيعها على مقاطع الروي من خلال سبيلين مهمين أولهما الصراع التصاعدي للحكاية المتمثل بمنحه صيغة الفعل الدرامي كمن يكتب والثاني انتهاج سبيل اقرب الى السيناريو في متابعة حركة الروي والشخوص كون هناك مقتربات بين الروي للحكاية والفعل العمودي للصراع إذا ما أريد تحويل الحكاية الى سيناريو خاصة وان عناصر المشهدية من تقطيع وتلاصق وحوار وفعل ومراقبة وتصوير فضلا عن وصف الحركة الظاهرة والمصاحبة للشخصية ودواخل الشخصيات وأبعادها بما يشير الى الفعل المضمر من الروي والتي تريد الخروج من الإثم أو الباحثة عن الخلاص قبل الانغمار الكلي..

صراع الزمن وتناوب الخطاب

حسنا فعل الروائي حين وضع العنونة الثانية لأنها هي المحيط الأعم لمستوى السرد والدائرة الكبيرة التي تحتوي الحكاية ولذلك فان كل شيء مرتبط بالإثم كما أوضحنا والاحتلال هو المركب الأعظم له والاستهلال بدأ بلحظة اضطراب ثم فرش سجادته لتتوسع دائرة الصراع ويتم تضييق بؤرة المشاهدة على عدة عوائل وشخصيات وكلها يبثها الراوي الى المتلقي لكي يجمع معادلات الإثم ويركبها على واقعه خاصة وان الصراع يتحول الى لحظة كونية اسمها الحرب والحرب تبدأ ليس بسقوط النظام بل بما حصل بعدها من نهب وسلب وقتل وخطف وظهور عصابات الجريمة المنظمة وتراجع الهم الوطني حتى ليبدو الزمن وكأنه يمتد من لحظة التدوين لما بعد نيسان 2003 حتى ما قبل منتصف العام الدراسي الجديد أو بعده بقليل حيث نرى التاريخ واضحا في هذه الثيمة حين تقول ( سيكون رحيلنا في عطلة نصف السنة التي ستبدأ بعد مدة وجيزة) ص186

ان الروي لحكاية الرواية تتحرك وفق ما يمليه الراوي من تصاعد أفقي للزمن المرتبط بالمكان وعمودي بما هو مرتبط بالعنصر الدرامي أو الصراع المتداخل مع الشخصيات ولهذا نرى ان الفعل الآني للروي الذي يبدأ به المتن الروائي سرعان ما يعود الى الماضي لمعرفة تفاصيل ومرجعيات وما حصل للشخصيات من فعل دراماتيكي ليكون مؤولا جديدا لما يحصل من حدث قادم، أي ان اللعبة الزمنية في بنية الكتابة محاولة لاستحصال أكبر قدر ممكن من الإثم كثيمة حكائية وربطها باستحصال الزمن المحصور بما بعد الاحتلال للبدء بتقشير العلاقات بين الشخصيات والمكان وكلما زاد عدد الشخصيات زاد الصراع وتوسعت بؤر المكان وتفتت الزمن وتبين القصد وتوصلنا الى التأويل خاصة وانه يبدأ فعله الدرامي في بث الحكاية من تاريخ معلن ومفهوم ( أنه يوم الثلاثاء المصادف الثامن من نيسان/ ابريل 2003 هذا اليوم الذي صحا فيه رشيد مع عائلته على هلع لا مثيل له) ص14 وهو يوم معروف يسبق يوم التاسع من نيسان الذي أعلن فيه على انه يوم احتلال بغداد أو الاطاحة بالنظام السابق أو يوم سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس لتنكشف العلاقات بين الشخصيات لتوضيح علامات تقشير الواقع وتجميع محمولات الإثم الذي حل ببغداد ( وصارت الشوارع والأزقة في عموم بغداد عبارة عن حقول ألغام واسعة مكشوفة) ص15 وهو ما يعني ان الصراع في الزمن يعتمد كذلك على خاصيتين ترتبطان بالعنوان الأولى الحرب وتأثيرها ومشاهدها المرعبة والثانية حياة الناس المستلة من الواقع ليكونوا ابطال الرواية.ان بنية الكتابة من جهة أخرى تعتمد على روي الشخصيات على لسان الراوي مثلما تعتمد على حركة الشخصيات في كشف ما هو موجود في الواقع من متغيرات جديدة حدثت سواء ما قبل الاحتلال أو اثناءه.. إن الراوي يترك شخوصه يتحركون ليكشفوا للمتلقي تفاصيل الحياة اليومية وهو ما ارتكزت عليها إدارة الحدث في الحكاية الروائية.. ولان الزمن يتحرك بتراتبية تصاعدية في مفهوم روي الحكاية فان المكان لم يكن فقط ثيمة بل هو توقيع لخدمة واقعية الحكاية حيث المنطقة والزقاق كأسماء لا تذكر ويذكر الحي لمرة واحدة لكن الملامح متواجدة وكأنها جزء من كل وبالإمكان ان تنطبق الحكاية على أي جزء أخر وأبطال آخرين وهي بهذا تريد رسم مشهدية وصورة للخراب لما بعد الاحتلال مثلما تحاول إعطاء رؤية الراوي لما حصل من هلع ودمار وتخريب وسرقة ونهب وخطف منطلقا من عيون الشخوص حيث لكل واحد منهم ما يمكن إغناء الحكاية بما يضمن له استمرارية الروي.

أن الصراع في الرواية يأخذ خاصتين الأولى العمودي للفكرة والحكاية وحركة الشخصيات وارتباطها بالأحداث وكذلك المكان والزمان والخارج المؤثر.. والثانية الأفقي المعتمد على ضخ الصراع في المتن بطريقة تراتبية للحركة الواحدة المعنية بها الشخصية في تظهير الفعل الحكائي لها، والإثنان يتعامل معهما الروائي من خلال راويه الذي يعطيه مفتاح القيادة للروي والتداخل مع الشخصيات ليكون معبرا عنها في بعض الأحيان.

الشخصيات وحراك الفعل الدرامي

تكاد لا تكون هناك شخصية بطلة محورية واحدة فكل الشخصيات تلعب أدوارها في الكشف عن المخفي والكلام عن الطافح والتحديد لما هو حاضر وإظهار ما هو غائب ولذلك فان الشخصيات هنا تتعامد مع الحكاية في انطلاقها السردي وتتخذ من حالة الروي مفهوما لتسطير معلوماتها والاتكاء على عنصر الروي الغائب من قبل راوٍ كلي العلم يحضر في الكثير من الاحيان بين طيات الروي ليكون الراوي الحكاء الى المتلقي بطريقة مباشرة ( سقطت عينا رشيد على هذا الجزء المكشوف من الصدر، أو لنقل على وجه الدقة أن البياض المشرب بالحمرة ولثغة نهدها الفتي هي التي جرت عيني رشيد) ص59 وغيرها

وحين نبدأ بالشخصيات نجد الحاصل الأول في جميع عناصر الفعل الدرامي يبدأ من رواء التي تعد العامل المشترك الأكبر لما هو مقموع بالإثم سواء منه العائلي حيث الأب الهارب من الجيش وقتل حلمها من قبل أخويها واستشهاد الحبيب الأول لها في الحياة وكلها في زمن ماض لفعل الحكاية الآني المرتبط بالاحتلال الامريكي ليزيدها الإثم الجديد حين تحاول إكمال دراستها مع صديقتها سحر ليكون الإثم القاتل والمدمر لحياتها في الزمن الجديد حين تموت هذه الصديقة بعبوة ناسفة فيكون الإثم الجديد مكملا للإثم السابق لتدمير الحياة العراقية بماضيها وحاضرها ومستقبلها .

وهناك ايضا شخصية رشيد التي تعد المثقفة والتائهة التي لا تعرف ماذا تفعل غير التمسك بالأخلاق والوعي والصمت ايضا رغم عدم غياب الغرائز التي تمنحها شخصيات أخرى مثل أم جابر المجنون، المرأة التي ظلت مثار حيرة من كونها مومسا غير معروفة رغم ان الراوي العليم يذكرها لنا ويفصح عنها.. ولذا كان رشيد يشكّل المستوى المعلوماتي لما يحصل في بغداد حيث يذكر الأحداث نيابة عن الراوي الذي يحركه وسط المدينة، ومن خلاله يتم التأكيد على واقعية الحكاية لأنه يذكر أماكن بأسمائها كمطعم الساعة ودخول القصر الجمهوري وشارع فلسطين ومقهى حسن عجمي وجسر الاحرار حتى تكاد تكون اسماء المناطق التي يذكرها رشيد هي مساحة بغداد فيجمع الزمن في بؤرته ليعطيها المعلومات الواجب ذكرها لتأطير الحكاية بالمواقع التي يريد الروائي ان يتركها على لسان راويه في بثها بطريقة الإخبار وتحميلها اللغة الهادئة في الروي وأن تأخذ قرار الروي في منطقة ساخنة. ورشيد الذي لا يختلف عن الآخرين في ملاحقة ملذاته ولكن بطريقة أكثر ترددا وخوفا ووعيا ايضا لكنه لم يحقق المبتغى حين يريد كشف ما يشعر به لأم جابر أو نوال.. لكنه في الواجهة الأمامية لفعل الروي هو حلقة الوصل الصادقة بين زمنين والشاهد على تحولات المثـــقف وانتهاك الاخلاقيات .

في حين أخذت شخصية جابر المجنون لتكون نقطة ارتباط بين ماضيين تسببا بكل هذه المآسي والإثم الذي لحقت بالفرد العراقي وهو يمثل ايضا التراجع العقلي ووقوف الناس بوجهه وهو ضحية زمنين وهو ضحية أكبر لزمن الاحتلال حيث يتم العثور عليه مقتولا في زمن القتل الفوضوي، بمعنى إن سلوك الماضي وتأثيره على الحاضر مرتبط بالسلوك الاجتماعي أما أمه نوال فهي تمثل ضحية الحياة برمتها التي تضعها في موقف لا فرار منه أن تكون بهذه الحالة من بيع الجسد وهي ابنة بيئة لا ترحم (فالجميع يعرف بأنها سارت في طريق الهاوية، وارتكبت اخطاء متتالية لذلك احتقرها رجال المحلة ونساؤها وظلت بعيدة عن انظارهم بدعوة العمل المضني في النهار من أجل لقمة العيش) ص28 ربما نجد في هذه السيرة المقتطعة إنها امرأة لا تريد أن تكون مومسا ولكنها تريد العيش لأن زوجها الذي يموت فقيرا ولديها ابنة صغيرة وابن يرى أمه وما تفعله وهي تعمل في بيت تاجر وابن مجنون وحتى حينما تختطف من قبل ثلاثة شبان فأنها تدعهم يفعلون ما يريدون لان لا سبيل آخر أمام مواجهة المجتمع.. وكذلك هناك شخصية محمود( الشاب الانيق الهادئ المثقف الذي يدرس الماجستير في ” علوم الحياة ” والذي لم يعبأ بهذا أبدا ولأن بيته مقابل بيتها فقد صار مضطرا لإلقاء التحية عليها كلما شاهدها بالمصادفة ) ص32 ويمثل محمود كما تقول نوال الشاب الهادئ الذي لا يعبأ للأشياء ولكنه ايضا يكون فريسة الإثم الجديد.

وتأخذ شخصية حازم الوافي طريقا أبعد من الآخرين لأنه ليس فقط ضحية نظام ومجتمع بل ضحية تاريخ بلد وضحية نفسه التي تعذبت كثيرا وهو الذي ارتبط بزيجات عديدة وهو فاقد للرجولة بسبب السجن والتعذيب ثم يفقد شرف زوجته مع الآخرين ومع أصدقائه ثم تهرب منه في إشارة الى ان الواقع هنا واقع آثم جعل مثل الزوجة سهام التي كانت هي زميلة للأصدقاء في الكلية لكن حازم تزوجها دون ان تعرف ما به من مرض وما نزل عليه من إثم النظام السابق فيكون الوافي معادلا موضوعيا للماضي المأزوم لأنه حتى لا ( يدري حتى الآن من فضّ بكارتها، وهو حتما تنبه الى حقيقة زوجها العنين وهو لا يريد إلا المزيد من الهرب والتسكع والانتقال من وكر سكر الى وكر آخر) ص145وصديقه ناصر السامي الذي يتحول الى عاشق لسهام وهو الصحفي ( الذي ترك الصحافة مدة طويلة ليعمل مع أهله في اسواق الشورجة ) ص48 ليكون هناك محمولان لمعادل الإثم لما بعد الاحتلال وسهام في علاقة استغلال الواقع والهروب منه في الوقت نفسه.

انها شخصيات أما أصابها الإثم أو هي مأثومة وتصيب الآخرين بإثمها ولكن الجميع ضحية سلطة ومجتمع واحتلال. وسهام هنا معادل موضوعي عن فحوى الإثم المركب لأن السلوك الحاضر بتحولها من امرأة سوية الى امرأة بائعة لجسدها وهاربة من زوجها في محاولة للتمرد على واقعها والانغماس في الملذات والقبول بما يسكت عنه الزوج حتى وإن شعرت بأن المتاهات صار عنوانها ولا مستقبل لها.

ان مجموع الشخصيات الرئيسة والمساعدة تؤلف عالما وهذه الشخصيات لها ماضٍ وحاضر متغيرين مثلما لا شخصية لها سلوك واحد حتى البطلة رواء أو رشيد فهما ضحية ما حصل في الماضي وما يحصل في الحاضر لان الحاصل مكتف ومفتت بل ومميت للمستقبل وهذه الشخوص مبتلاة بالإثم شاءت أم ابت فإنها منغمسة فيه لأن الواقع مطمور بآثامه يأتي الاحتلال ويفقأ عين الحقيقة وتفوح نتانته وتفوح الروائح الأخرى ويبرز الإثم المعتق والجديد

اللغة وامتداد الفعل

ما تقوم به اللغة هو منح الدهشة وتقريب المعنى للمتلقي وهي التي تحول المتن من كونه حكاية الى سرد روائي ولذا فان اللغة محمول قابع في قدرة الراوي على الأخذ بيد السرد لكي يعطي ملمح الرواية على ما ينتجه من حكاية.. وإن اللغة في الرواية كانت هادئة إخبارية وصفية معنية بما هو مشتعل في العنوان الثاني كما أسلفنا وصيغة الغائب كمن يتحدث عن سيرة ذاتية ولكن بطريقة الجمع لمجموعة من الشخصيات والعنوان الأول والثاني مع المتن يمنح اللغة بأن تأخذ طريقة الروي وفق مفهوم مقصود ومعبأ في علب الفهم التي يراد من المتلقي ان يفتحها بهدوء ليكتشف من اللغة المزاحة عن هدوئها إن هناك اشتعالا كبيراً.. واللغة هنا أخذت سبيلا سهلا لمعاينة الصراع وإعانته ليكون مسؤولا عن اقتطاع الجزء من المحنة لان الحكاية هنا وطريقة رويها لا يمكن لها إلّا الإحاطة بكل أيام المحنة.. في الكثير من الأحيان تكون اللغة صاحبة القصدية التي يريد الروائي ان يوصلها الى المتلقي ( قالت مع نفسها: سقط النظام لتنهض الفوضى) ص23 وكذلك ( فكرت ” رواء” وقالت في داخلها وهي تتأمل فوضى الشباب الذين يمرحون امام نظرها: يا لخيبة الجيل الحالي الآتي على حبل مهرج، والراقص على البذاءة والسذاجة، يا لخيبتهم ) ص111وغيرها

ان اللغة تابعة للراوي المسيطر على الأحداث المقسم لأرزاق شخصياته على الفصول والمتون بطريقةٍ واحدة وتصاعد متعمد للروي، وهذه اللغة الراوية تأخذ في الكثير بعض مفاصله منهجية طرح السؤال الذي يراد من خلال إجابة المتلقي كشف خيوط التعالق بين الحدث والشخصيات وبين الشخصيات والواقع وبين الواقع والاحتلال وبين الاحتلال والماضي ( ما لهذه الدنيا، وما الذي حلّ بما في هذا البلد العجيب الغريب، أي كابوس نعيشه جميعا؟) ص207 وفي ذات الصفحة ايضا (( ترى بماذا شعرت لحظتهاـ هل تذكرت صديقتها، هل شعرت بالندم لأنها لم تتأخر معها؟) بل ان اللغة معنية أيضا بإظهار ما يحتشد من خراب في مشهد تصويري متخيل سواء ما يتعلق باغتصاب أم جابر من قبل الثلاثة أم مشهدية الخراب في وسط بغداد (( دخل شارع المتنبي، الذي يحتفي بالبقايا من الأوراق المتطايرة والمحلات المهجورة، شاهد قططا وكلابا وعددا من المتشردين ينام كل منهم بجوار عمود كونكريتي ضخم، عليه آثار بول وأوساخ..

ابتعد عنه، ووصل الى ساحة الرصافي، شاهد التمثال وكأنه يدير ظهره للنهر ويحاول النزول من عليائه، والهرب من مواجهة الناس)ص 212 وهو مقطع يفصل القصدية العالية التي تخرج من المضمر الى العلن ليصل الى نهاية الرواية في رسم مشهدية إعلانية تصويرية غائية (شاهد النوارس وهي تهرب من أفعى عملاقة، غير مرئية، فحيحها ريح حارة تلفح وجه البلاد، فيما سكن النهر، وقد بدا فيه صياد وحيد، في زورق رمادي، كان يرتدي ملابس التتر، ويحمل سيفا مستلا، فيما يأخذ النهر تحته بالانحسار التدريجي، ليفصح عن الغرقى والاسرار، وعشاق بغداد الذي ماتوا كمدا) وهي نهاية التصوير وبداية الفجيعة المستمرة والاثم الذي طوق الناس من خلال صراع أدى الى حتمية الخراب وان النهاية هي انحسار وموت مرتبـط بمأساة بغداد.

مشاركة