رئيس الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لـ (الزمان): بإمكان الثقافة تجاوز الخراب وشيوع الفساد

رئيس الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لـ (الزمان): بإمكان الثقافة تجاوز الخراب وشيوع الفساد

رزاق ابراهيم حسن

كنت اود ان احاور الناقد والباحث ناجح المعموري عن نتاجاته وعن مؤلفاته وعن سيرته الذاتية ولكن صعوده الى رئاسة الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق دفعني الى تغيير موضوع الحوار وان يتركز على موقعه الجديد في منظمة تعد من المنظمات الثقافية العربية العريقة ومن المنظمات التي اقترنت باسماء مهمة في الادب العربي الحديث . وكان السؤال الاول عن ظروف قيادة المعموري للاتحاد فهو جاء اليه من خارج العاصمة ويجيب على هذا السؤال بالقول.

  لا أجد ما يثير التساؤل حول انتخابي رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق وذلك لأني من محافظة مجاورة للعاصمة . ولم أكن الأول ، بل سبقني د. نجمان ياسين والفوارق كثيرة في آليات الانتخاب . مع ذلك أعتقد بأن تجربتي مهمة تومئ للإمكانات الكامنة في هذه التجربة ، على الرغم من قناعتي الجوهرية ، بأن الثقافة تستطيع تجاوز خراب البلد وتردي مؤسساته وشيوع ظاهرة الفساد بشكل محدود ، لكننا نعمل الآن بما نستطيع عليه وسط ظروف دائما ما تكون غير طبيعية ، بسبب سيادة الميليشيات وعدم احترام المؤسسات وكذلك تعطل القانون ، المعيار الحقيقي والأول لأهمية الدولة وسيادة مؤسساتها . نعمل وحققنا نجاحات لم تكن سابقاً وما زلت أحلم وسأحاول تجديد جوهر الاتحاد وعدم الاكتفاء بالمظهر الخارجي الذي أشرت له بأحد أسئلتك ، نأمل معا من أجل تجاوز العقبات ونتجه نحو تجربة ثقافية ومهنية تنظر باحترام للتجارب في المحافظات ونقدم ما نستطيع عليه من دعم ، خصوصاً المحافظات ذات الدور الريادي ، والفاعل ، فروع لا تقوى على البقاء بعيداً عن الجديد الثقافي والأنشطة التي اعتقد ضرورة حضورها بسبب الجدة والمغايرة . ولا اخفي سراً إذا قلت بأنني وأمانة الشؤون الثقافية حاولنا تجديد الفعاليات وقد نجحنا لكننا ما زلنا نتعثر أمام بعض الأحلام المعرفية التي أجدها ضرورة لابد أن تكون من أجل تطوير الممارسة الثقافية وتغيرها لملامح  نمطية والذهاب نحو المعرفة والفلسفة وسوسيوثقافة ، والثقافة الشعبية هذه  تأخذنا لمستقبل هو الذي يمنح الاتحاد روحاً جديداً . بودي كشف سر مهم ، له علاقة بضعف دعم الوسط الأدبي والثقافي الذي لا يذهب باتجاه ما نريد ، لأن نسبة كبيرة منه غير قادرة على أداء دور معرفي وتريد الاكتفاء بالجماليات . أنا والاتحاد مع هذا الأمر ، لكن لا يمكن له أن يتسيّد على كل شيء ، لأن ذلك يفتح الأبواب أما التقليد والرتابة، أنا واثق بأن النخبة الثقافية الحقيقية تذهب باتجاه الحلقات والورش لأنهما يشجعان تبادل المعرفة والتباين والأسئلة الكبرى . وهذا ما ذهبنا إليه بالإمكانات المتوفرة ، ومثال ذلك ” منبر العقل ” فعاليات معرفية جديدة ليس في العراق فحسب وإنما في الوطن العربي ، أنا وقيادة الاتحاد سعداء بما تحقق في المؤتمر الأول الذي حقق نجاحاً مهماً ومتميزاً ، وهذا لم يكن رأيي الشخصي وإنما اعتراف شخصيات بارزة في الاجتماع والسياسة والعمل الثقافي وسنذهب أكثر لتكريس هذه الروح الحيّة المشحونة باليقظة وأعلن عن حاجتنا للإمكانات الأكاديمية الشابة والطاقات الحيوية التي نعرفها . فالاتحاد مفتوح للجميع المقتنع بتصوراتنا ، وما نريد وأرجو أن لا يضغط علينا الكثير من أجل العودة للعمل التقليدي . ولهذا أخضعنا برنامجنا القادم للضبط الدقيق من خلال أنشطة موثقة عبر تفاصيل مطبوعة وسنوزع برنامجنا قبل بداية العام القادم . وأنا أشكر الكثير جدا من الأصدقاء الذين اتصلت بهم مباشرة واستجابوا وهم أسماء بارزة في الحياة الثقافية .

{ تحدثت كثيراً عن أحلام ثقافية ما هي التفاصيل المتحققة خلال الفترة الماضية؟

– علينا أن نثبت بأن أصعب ما في مسؤوليات الاتحاد هو عمل الأمانة الثقافية لأنها الروح اليقظة للاتحاد ، وهي المعيار المتعالي للدلالة على جدية الاتحاد وتنوع طموحاته . وقبل الحديث عليَّ التذكير بأن الفعاليات الثقافية الناشطة أسبوعياً في عمل الاتحاد هي : منتدى نازك الملائكة ورابطة النقاد والأكاديميين وفعالية الأربعاء / ملتقى الخميس / نادي السينما / منبر العقل / رابطة الإذاعيين والتلفزيونيين / نادي الشعر / نادي السرد ، وآخر فعالياتنا الجديدة : رابطة دراسات الثقافة الشعبية ،وسنعلن قريبا عن نادي ثقافة الطفل ، هذه التكونات تجعل من الاتحاد فعالية متنوعة ومنتجة لما هو جديد وغير مألوف . ونجاح الفعاليات وتميزها له صلة باستيعاب اللجنة المشرفة على الفعاليات كرؤية الاتحاد وتصوراته ولابد من الإشارة الى أننا نتمنى أن تتمكن هيئة تحرير المجلة من الانتقال بها الى ما هو مغاير في التصميم والإخراج والانفتاح على المعرفة .. هذا هو جوهر أحلامنا . العراق بحاجة للفكر والمعرفة أكثر من حاجته للإبداع والجماليات ، لأن التردي العام بحاجة الى العقل وتطوير التعايش واحترام الآخر .

{ ما هي خطة عمل الاتحاد الثقافية ؟

– أبرز الملامح الجديدة للنشاط الثقافي هي إيقاظ الذاكرة الثقافية التي اندثرت ، كل من يموت لا يستذكر إلا بعض الأسماء القليلة جداً ، وضعنا برنامجاً لاستدعاء العديد من المبدعين ، تحقق منه موسى كريدي / غازي العبادي وسنذهب ببرنامجنا الجديد للقاص يحيى جواد / حمد صالح / خضير عبد الأمير / أمجد توفيق / محمد كامل عارف / منير عبد الأمير / سلام كاظم / محمود جنداري / جماعة كركوك ، وحسب الشيخ جعفر،  الخ وما يفرحنا استجابة الوسط الأكاديمي والثقافي لهذه التوجهات .

{ هل للمنبر وظيفة سياسية ؟

– منبر العقل فعالية معرفية وليست سياسية ، الاتحاد بعيد عن الايديولوجيا الانتمائية ، لكننا أسسنا هذا المنبر للمعرفة ويقيم كل ثلاثة أشهر مؤتمراً والثاني سيكون خاصاً عن ” أنا والآخر ” وفعالية المنبر الأولى أثارت اهتمام شخصيات سياسية ومدنية وثقافية وما يحفزنا أكثر على المضي بهذا المشروع المشاركة الحوارية الواسعة جداً . ومعروف بأن الاتحاد معني بالإبداع والجماليات ، وسنأخذ نحو فضاء جديد ، ولا أخفي سراً إذا قلت سنقيم معرضاً لفترة طويلة للنحت خاص بالفنان محمود عجمي مع جلسة نقدية وتوقيع كتاب وأعلن الآن بأننا انتهينا من دراسة فعالة جديدة خاصة بالثقافة الشعبية بالمفاهيم الحديثة الثقافية والنقد الثقافي وموقف فلاسفة فرانكفورت منها واستكملنا اختيار الأسماء والهيئة الاستشارية من أسماء بارزة ومعروفة بالوسط الثقافي وأوشكت اللجنة من استكمال برنامجها لنصف السنة القادمة وستنطوي فعالياتها على ما هو جديد تماماً وغير مألوف في الثقافة العراقية بالإضافة الى الورش الخاصة بالحكايات وبعض مكونات الثقافة الشعبية ، وستكون الفعالية الاولى في بداية العام القادم وهي احتفالية دراسة الثقافة الشعبية خاصة بالدكتور مالك المطلبي حكواتياً وناجح المعموري قارئاَ.

{ هل لديكم تجربة جديدة ثقافياً ؟

– بالأسماء الغائبة لسبب أو لآخر ، تحرك الاتحاد منذ اللحظة الأولى للاتصال بالأسماء الإبداعية والاحتفاء بهم وسيتم الاحتفال بأحمد الباقري ومجيد الموسوي ومصطفى عبد الله ومهدي محمد علي .

{ ماذا عن دورك سابقاً ؟

– لا أنكر أني أحد أعضاء المجلس المركزي والمكتب التنفيذي في الدورات السابقة ، لكني أتحمل مسؤولية أقل من غيري في قيادة الاتحاد لكني الآن رئيساً للاتحاد أحاول بالتعاون مع الشاعر إبراهيم الخياط لاستكمال مشروعنا الجديد وهو معروف ، لأني أعلنت عنه في الصحافة ووسائل الاتصال ، لكني أنبه بأن التحول ليس سهلاً وإزاحة النمط أمر صعب وباختصار شديد من يحضر فعاليات الاتحاد سيجد ما هو مغاير تماماً .

{ ما الذي قدمه الاتحاد للأعضاء الذين بحاجة للدعم المالي ؟

– هذا سؤال كثير التكرر حول دعم الاتحاد للأدباء وهم كثر . وعلى الرغم من إمكانات الاتحاد المادية البسيطة نقدم ما نستطيع عليه للتكافل ودعم الضروري بمبالغ قليلة ولكن هذا ما نستطيع عليه . الاتحاد يمول نشاطه ذاتياً اعتماداً على إيرادات بعض العقارات والنادي الاجتماعي والاشتراكات . هذا سؤال يفترض توجيهه الى الدولة والمؤسسات المعنية بالثقافة ، مثل البرلمان والحكومات المحلية التي لها حق ضمن الموازنة السنوية . تكرر هذا السؤال الغرض منه إعلان الاتحاد مقصراً أمام الأدباء .. وبكلام صريح المرضى من الأدباء بحاجة الى وزارة خاصة .

ودعني أقول لك بشكل صريح الدولة لا تهتم بالأدباء والثقافة وما يؤكد هذا الكلام عودة سريعة للدستور ستجد اهتماماً بالعشيرة أكثر من الثقافة والتفكير بمنح العشيرة صفة مؤسساتية محمية بقانون ، يعني الذهاب نحو تعطيل فكرة الدولة المدنية ، لأن العشيرة لا تحترم القانون المدني وكانت وما زالت حتى هذه اللحظة تعتمد القانون العشائري العرفي ولا تحترم ما يصدر من قرارات للمحاكم التي دائماً ما تكون غير قادرة على حسم الإشكالية بين الطرفين ، وهي التي تشعل الحرائق في المحافظــــــات الجنوبية .

الحقوق الموضوعية التي تمثل مطالب القاعدة الواسعة للأدباء معطلة الآن ومن غير الممكن طرحها بسبب الوضع الاقتصادي والحرب على داعش ، بالإضافة الى حقيقة معلومة وهي أن الدولة ومؤسساتها لا تعترف بكل ما له علاقة بالثقافة والمثقفين وتعتبر دورهم ثانوياً وللأسف هذا موقف سلبي وخطير ، لأننا نمثل قاعدة واسعة وعريضة لعبت دوراً بارزاً لدعم التحولات وقيادة المعارضة المجتمعية ودعمنا انتصارات القوى العسكرية المتنوعة عند تحقيقها للانتصارات . قناعتي رخوة بالأحزاب والكيانات التي لا تعرف من الثقافة غير الإسلام وتتجاهل الآخر وتلاحقه بالطرد والإقصاء والتهميش ، بينما الحقائق الموضوعية تذهب باتجاه وحدة الهويات مع وجود ما يميز الواحدة عن الأخرى ، لأن التنوع الثقافي حقيقة تاريخية ولا وجود للعراق بالواحدية ، تاريخه العميق متنوع وحضارته منفتحة على الآخر العرقي والاثني والديني وتعاملت معه بالقدر الذي يعطيه من انجازات وابتكارات لكنه سيظل هكذا تحت سطوة المقدس وإلا ماذا يعني بقاء المثقف المختلف سياسياً مطروداً بالكامل ومعاقباً هو وعائلته بسبب انتماء سياسي مختلف ، العقوبة الجماعية للمختلف الثقافي والسياسي  جريمة ، لكني كمثقف أدعو لمحاسبة المتهم قانوناً وعدم التجويع الجماعي … هذه جريمة يحاسب عليها القانون الإنساني .

أدعو للتفكير بذلك واعتباره قاعدة كبيرة ممهدة للتسوية التاريخية، الحلم الذي لن يتحقق، وفي استطلاع ثقافي نشرته جريدة المدى ، كنت المثقف الوحيد اعتبرت قانون الاجتثاث جريمة كبرى ، حصل هذا بعد سقوط النظام بأشهر، وعلى المخطئ الاعتراف والاعتذار من الشعب وهذا يمنحه القوة والاستعداد للتصالح ،  وأدعو لجنة التسوية التاريخية ولجنة متابعة وتنفيذ المصالحة الوطنية / مكتب الثقافة والإعلام للنشاط باتجاه محاكمة المتهم ورفع الحظر الاقتصادي عن الذي لم يكن متهماً … وللمعاقب حقوق على الدولة بسبب خدمته المدنية وأدعو العقلاء الى الكف عن تجويع العوائل وعدم ملاحقة الاختلاف .

{ شهدت علاقتكم في الدورة السابقة توتراً مع وزارة الثقــــــافة ، كيف هي الآن ؟

– العلاقة مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار جيدة جداً والاتحاد ممثل بأهم اللجان كما تربطني علاقة ممتازة مع الأستاذ فرياد راوندزي واستجاب مشكوراً لتلبية احتياجاتنا لتغطية نفقات منبر الفعل في مؤتمره الأول مع استعداد لتلبية دعم اجتماعي لمن هو بحاجة إليه .

أما علاقة الاتحاد مع الهيئة العامة فهي ممتازة ونستمع ونتبادل الحوار ومساحة المشاركة بالأنشطة الثقافية واسعة وسنذهب بالتشارك معهم نحو تقدم وتطور هذه المنظمة الحيوية . سيبدأ الاتحاد في بداية العام القادم جرد جديد للعضويات من قبل لجنة يختارها الاتحاد من خارجه وستكون من أسماء مشهود لها بالنزاهة من أجل تقليص العدد الهائل والكثير لا يستحق العضوية ، أخيراً أدعو كل أعضاء الهيئة العامة في اتحاد الجواهري الى تبني المواطنة وحقوق الإنسان والتعايش وقبول الآخر المختلف والدفاع عن الحـريات اليومية العامة .شكوى الأدباء من الايفادات وعدم توسيع المساهمة ما قلته صحيح . وكان هذا في الدورات السابقة . وأتمنى على الأصدقاء أن يدركوا بأن رئاسة كل الوفود لحضور المؤتمرات من خصائص رئيس الاتحاد وأنا ضمن اجتماع المجلس المركزي اعتذرت عن ذلك واستجبت لرجاء المكتب التنفيذي لحضور مؤتمر دبي ليتعرف عليَّ من لا يعرفني من الوفود وإذا وجدت الاختيارات لائقة وجيدة سأظل بعيداً عن ذلك وبعكسه سأعاود وظيفتي الممنوحة للرئيس .

أما سؤالك عن الفروع فهي تتمتع بدعم من المركز العام ولكل منها ميزانية خاصة حسب أنشطته للفروع في المحافظات ميزانية مقدمة من المركز وحسب الأنشطة وكل فرع يعد برنامجاً لأنشطته ولهم مشــاركات ضمن فعالياتنا التي تحتفي بمبدعين من خارج المركز .

لويس ماسنيون

المسكون بـروح الحـلاّج

عــلاء لازم العـيسى

مستشرق فرنسي ولد سنة 1883م في نوجان سور مارن إحدى ضواحي باريس لأبٍ فنّان كان يوقع تماثيله باسم بييرروش ، وقد تمتع بشهرة لا بأس بها بسبب الأعمال الفنيّة الغريبة والشاذة التي نفّذها في باريس . عمل بييرروش تحت إشراف جول دالو ، الفنّان الفرنسي الشهير في القرن التاسع عشر ، وهنالك مجموعة من النصب والمنحوتات والتماثيل تدلّ على عمله ، وقد ذكر ماسنيون في إحدى رسائله إلى الأب ماري إنستاس الكرملي أن كنيسة ( سان برو ) في المونمارتر عزيزة عليه لأن البراويز السفليّة للأعمدة والمحراب والأروقة كان صنعها والده .

درس في باريس وتونس والجزائر والمغرب الذي زاره سنة 1904م ، أشترك في مؤتمر المستشرقين الرابع عشر في الجزائر وهو في الثانية والعشرين من العمر ، حيث تعرّف إلى جولدزيهر ، وآسين بلاثيوس فأصبحا مع سيلفن ليفي وسنوك والفرد دو شاتليه ، أحبّ أساتذته إليه . ولما نال دبلوم اللغة العربية فصحى وعاميّة  سنة 1906م من المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحيّة أُلحق بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة فانتظم في سلك طلبة العلم في الجامع الأزهر واستمع إلى الدروس بالزي الأزهري . إنتدبته الجامعة المصرية أستاذاً لتاريخ الفلسفة فألقى بالعربية أربعين محاضرة في تاريخ المصطلحات الفلسفية . ألقيت عليه مسؤوليّة كبيرة بعد الحرب العالميّة الأولى كخبير بشؤون الشرق العربي ومستشار لدى جورج بيكو وهو أحد طرفي الإتفاق المعروف باتفاق ( سايكس بيكو ) الذي تمّ في سنة 1916م وقسّمت به أراضي الدولة العثمانيّة بمشاركة من روسيا القيصريّة .   تولّى سنة 1919م تحرير مجلة العالم الإسلامي وفي نفس السنة خلف أستاذه الفرد دو شاتليه على كرسي علم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دوفرانس .

قصد بغداد وتعرف على العلّامة الآلوسي والأب ماري انستاس الكرملي فاستفاد وأفاد . عنى بالفكر الإسلامي ، ولعله أشهر الذين شغلوا بالتصوّف الإسلامي فقد كتب فيه كثيراً حتى صارت دراساته في هذا الباب مرجعاً للدارسين في كلّ مكان كما أنه عدّ من المشهورين في دراسات خطط المدن الإسلاميّة بعد أن جاب بنفسه هذه المدن وزار أنقاضها وفتّش عن مواقعها الأثريّة فاهتدى إلى معظم النقاط والمواضع المندرسة ، إنتخب في مجامع علميّة كثيرة ، منها : الجمعية الآسيوية ، والمجمع اللغوي بمصر منذ إنشائه سنة 1933م ، والمجمع العلمي العربي في دمشق . وحاز أوسمة رفيعة ، كان من المكثرين في الكتابة والتأليف حتى ربت آثاره على ( 650 ) أثراً بين تأليف وتحقيق وترجمة وبين مقالة ومحاضرة ونقد وسيرة ومقدمة  منها : الطبوغرافية التاريخية لبغداد  آلام الحلاج شهيد التصوف في الإسلام وهي رسالة دكتوراه من السوربون ، ديوان الحلّاج ، تفسير خريطة البصرة ، خطط الكوفة وشرح خريطتها ، جغرافية المغرب في الخمس عشرة سنة الأولى من القرن السادس عشر نقلاً عن كتاب وصف أفريقيا لليون الأفريقي في 305 صفحات ضمّنه ثلاثين خريطة ، الكنيسة الكاثوليكيّة والإسلام . التصوف الإسلامي والتصوف المسيحي في العصر الوسيط ، تقويم العالم الإسلامي ، وهو أحصائي تاريخي إجتماعي إقتصادي في 356 صفحة . ونشر في دائرة المعارف الإسلامية مباحثاً عن : القرامطة  والنصيرية ، والزندقة ، والكندي ، والمحاسبي ، والزمن في التفكير الإسلامي ، وغيرها . وبعد مسيرة علميّة حافلة بالكثير من الإنجازات العلمية الرائدة توفي العلّامة ماسينيون سنة 1962م .

لقد كان المستشرق لويس ماسنيون مسكوناً ومشغولاً بروح الحلّاج وتأثيرها عبر الزمان على المكان الإسلامي في العراق وفارس وتركيا والهند الى حد إستشارة كميّة ضخمة من المصادر المطبوعة والمخطوطة ، المعروفة والمهملة ، حتى خرج بنتائج فريدة ومذهلة تتعلق بأدقّ تفاصيل الحلّاج الفرعيّة والشخصيّة .

المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون

لقد كان أبو مغيث الحسين بن منصور الحلّاج الزاهد المشهور ـــ المولود في بيضاء فارس سنة 244ه ، والمقتول صلباً في بغداد سنة 309ه ـــ كثير الترحال ، ويبدو أن سفراته الطويلة ، والمتعددة أغنت معارفه فكان عالماً بالكيمياء ، والسيمياء ، والطب ، والأخبار ، والعلوم الغريبة ، وكان يُخبر عن أسرار الناس وما في قلوبهم ، ويعالج ما استعصى من الأمراض ، لذلك افتتن به خلق كثير وظنّوا فيه الكرامات ، ولكن ما هو سرّ انجذاب الفرنسي ماسينيون له ؟

لم يكن الحلّاج مجرّد شخصيّة تاريخيّة ومقدّسة فقط بالنسبة إلى ماسينيون ، وأنّما كانت هناك أسباب أخرى أدّت إلى تعلّقه به، منها : أنّ طريقة الحلّاج الصوفيّة التي اتّسمت بالزهد والتشديد على( المعاناة ) ، واستمرار أقصى العذابات الجسديّة للبرهان على إمكان التحرّر الروحي ورفض الواقع الفاسد ، وعلى ( الإنعتاق عبر المعاناة ) ، إندمج في ذهن المستشرق المسيحي مع الكاثوليكيّة الزاهدة ، فمفهوم ( جهاد النفس ) الذي قرأه في سيرة الحلّاج ، هو مفهوم مواز للسعي في طريق القداسة في الكتاب المقدّس وعند السيّد المسيح .

هذا من جانب ؛ ومن جانب آخر فإنّ إختلاط الجوانب الصوفيّة في حياة الحلّاج بالجوانب السياسيّة والإجتماعيّة ، والذي يؤيدّه إلتفاف خلق كثير حوله أينما حلّ ، وانحيازهم إليه ومنهم عدداً كبيراً من علية القوم في مقر الخلافة العبّاسيّة بغداد ، لعلّ في مقدّمتهم السيّدة شغب ( أمّ الخليفة المقتدر ) التي آمنت به وبقدراته ودعواته ، إضافة إلى بعض الأمراء والوزراء والحجّاب وولاة الأمصار واصحاب النفوذ ، جعلت المستشرق الفرنسي ماسينيون يظنّ بل يعتقد ، أن وراء محاكمة الحلّاج السريعة وضربه الف سوط وصلبه وتقطيع أطرافه ثمّ حرقه ،  قضيّة أخرى غير الشطحات الصوفيّة ، بدليل أنّ صوفيّة آخرين كالبسطامي وذي النون المصري ، وغيرهم ، لم تعرّضهم شطحاتهم وأقوالهم إلى العقوبات والسجن ، فكيف الأمر وعقوبة الحلّاج كانت الموت وببشاعة ؟ .لقد اعتقد ماسينيون أنّ الحلّاج كان يخطط لإقامة حكومة مثاليّة كالمدينة الفاضلة ، إذ قال : (( كان الحلّاج يحرّك الجماهير ، وينادي بالإصلاح ، ويبشّر بفكرة الحكومة المثاليّة التي تقيم الشريعة على نغمات المحبّة والعبادة الخالصة لله )) ، وإن كان غير ماسينيون ـــ من الباحثين المعاصرين ـــ يذهب إلى سبب سياسي آخر يقترب من هذا الرأي ولكن ليس بمعنى التخطيط لإقامة دولة ، بل أنه رأى أنّ تعاظم الصراعات بين أركان الدولة العبّاسيّة واشتداد الخلافات والتحاسد بينهم ، دفع ( الوزير حامد بن عبّاس  ) العدو اللدود لمؤيدي الحلّاج من الوزراء والحجّاب وخاصة ( علي بن عيسى والحاجب نصر القشوري ) ، لتجميع التهم والقصص الملفّقة ضدّ الحلّاج ، ومن ثمّ إستحصال فتوى القتل والصلب رغماً عن قاضي البلاط العبّاسي .

 أخيراً ، لقد صلب الحلّاج سنة ( 309هـ ) وما زالت أقوال الكتّاب والباحثين مختلفة بشأنه ، فمنهم من عدّه من السحرة المنسلخين من الدين ، ومنهم من عدّه من العارفين الربّانيين ، ومنهم من صحّح حاله ودوّن أقواله .