العسكري المحترف وتنفيذ الأوامر

العسكري المحترف وتنفيذ الأوامر
أيمن الهاشمي
جاء في الأخبار أن رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي ينوي استغلال غياب نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، ليمرر قرار المصادقة من خلال »الدعوجي« خضير الخزاعي النائب الثاني لرئيس الجمهورية، علي إعدام كل من الفريق أول سلطان هاشم وزير الدفاع الأسبق، والفريق أول حسين رشيد رئيس أركان الجيش الأسبق، وقد ورد تصريح رسمي للمالكي يصف “عدم تنفيذ الاعدام بسلطان هاشم وحسين رشيد” بأنه كان لدوافع سياسية، وطالب المالكي بسرعة اعدامهما ليكونا عبرة للضباط!!
وقال المالكي في تصريح لموقع “خندان الاخباري الكردي”، ان “ملابسات عدم تنفيذ الحكم بحق سلطان هاشم سياسية وليست قانونية”، مبينا أن “قرارات المحكمة المركزية غير قابلة للتمييز أو التخفيف أو العفو في أحكامها من أية جهة كانت ويجب أن تنفذ خلال شهر من صدور الحكم وتصديقه”.
وأضاف رئيس الوزراء أن “كتابا من هيئة الرئاسة طلب عدم تسليم سلطان هاشم وحسين رشيد بحجة أن اعدامهما يتناقض مع توجهات المصالحة الوطنية وأنهما عسكريان ويجب أن لا يتحملا مسؤولية قرارات صدام”، مشيرا الي أن “اعفاء الضباط المدانين تعتبر خطورة لأنه ينتهي الي براءة كل العسكريين الذين ضربوا الأسلحة الكيماوية وارتكبوا جرائم المقابر الجماعية وهذا ما نرفضه”.
وكان رئيس الجمهورية جلال الطالباني رفض سابقاً التوقيع علي اعدام رئيس النظام السابق صدام حسين كما رفض التوقيع علي اعدام وزير الدفاع في النظام السابق سلطان هاشم احمد وآخرين، قائلا حينها “انني من بين المحامين الدوليين الذين وقعوا علي التماس دولي ضد عقوبة الاعدام في العالم وستكون مشكلة بالنسبة لي لو أصدرت محاكم عراقية هذه العقوبة”.
وبينما يتجاهل نوري المالكي الأصوات العراقية التي تتصاعد المطالبة بعدم تنفيذ حكم الاعدام بحق وزير الدفاع سلطان في النظام السابق هاشم ورئيس الأركان حسين رشيد، يأتي اصراره علي تنفي الأعدام بالقائدين العسكريين امعاناً في شهوة الانتقام، وارضاءً لأسياده في طهران الذين ماانفكوا يطالبونه باستمرار بالاسراع في تنفيذ حكم الاعدام بالضباط القادة السابقين انتقاما لحرب الثماني سنوات.
مجلس شيوخ وعشائر محافظة صلاح الدين اعتبر تنفيذ الحكم ضربة “قاصمة” لمشروع المصالحة الوطنية، محذراً من التأثيرات السلبية لعمليات الاعدام علي التوافق الوطني. فيما طالب مجلس محافظة نينوي بالعفو عنهم ترسيخاً لمفهوم المصالحة الوطنية، كما حذر نواب من نينوي من تداعيات علي الساحة العراقية في حال تنفيذ الحكم. فيما اعتبر تجمع عراقيون رئاسة رئيس البرلمان أسامة النجيفي اعدام المسؤولين السابقين تأسيسا لدكتاتورية جديدة تستخدم المؤسسة العسكرية لضرب المعارضين، وترك الحدود مكشوفة للعدوان الخارجي، داعياً الحكومة العراقية الي اعادة النظر بالقرار حفاظاً علي الأسس والمبادئ العسكرية.
وتتوقع بعض المصادر المطلعة ان يقدم رئيس الوزراء نوري المالكي علي “حماقة جديدة بتنفيذ الاعدام ضد الفريقين سلطان هاشم وحسين رشيد” مما سيثير ضده غضبة عارمة بين اوساط الشعب العراقي وبالاخص بين العشائر العراقية والمحافظات السنية لكون ذلك يعد دق الاسفين الاخير في نعش ما تسمي بالمصالحة الوطنية التي يتمشدق بها نوري المالكي.
لقد كان موضوع تنفيذ أحكام الاعدام بحق سلطان هاشم ومن معه موضع شد وجذب بين نوري المالكي والقيادة الأمريكية، وتدخل مجلس الرئاسة العراقي بالأمر من خلال رفضه التصديق علي قرار اعدام سلطان هاشم وموافقته علي تنفيذ الحكم في علي حسن المجيد فقط، الا أن المالكي ظل يرفض مدعيا أن لا سلطة للرئاسة في التصديق من عدمه.
أخبار سابقة كانت قد أشارت الي أن المالكي كان يسعي لتنفيذ الاعدام مع قرب الانتخابات النيابية، وهو يريد من وراء هذا الاجراء تعزيز قناعة ملالي طهران به، لأن ايران هي صاحبة الشأن الأول في العراق من خلال وكلائها وأعوانها، خاصة وان ملالي طهران ابدوا امتعاضهم من عصيان المالكي لأوامرهم بوجوب التوحد مع ما يسمي بالائتلاف الشيعي في جبهة واحدة، لتعزيز قوة الكتلة الموالية لطهران في مواجهة الكتل العراقية العربية والكردية.
وبغض النظر عن موضوع شرعية قرار المحكمة من عدمه، فان مسائلة قادة الجيوش عن تنفيذ أوامر القيادات السياسية هو موضوع قانوني، خلصت بشأنه الفتاوي القضائية بأن لا مسؤولية علي العسكري في تنفيذ الأوامر لأنه ملزم بطاعة ما يصدر اليه من أوامر، وانما تقع المسؤولية »ان ثبتت الجريمة« علي القادة السياسيين. وكل
القوانين الجزائية والعسكرية ــ بما فيها العراقي ــ تنص علي نص واحد متقارب مفاده:
»»….. ــ لا جريمة اذا وقع الفعل من موظف عام تنفيذ أمر من رئيس تجب عليه طاعته، أو اعتقد أنها واجبة عليه… ــ يعفي العسكري من الجزاء اذا ثبت أن ارتكاب المخالفة كان تنفيذا لأمر صادر اليه من رئيسه، وفي هذه الحالة تكون المسؤولية علي مصدر الأمر وحده.««
هذا اذا افترضنا صدق الادعاءات والوقائع المدعي بها، لان ما تسمي بحملة الأنفال كانت في سياق الحرب العراقية ـ
الايرانية، لتهجير واخلاء القري الحدودية المتاخمة للحدود مع ايران ضمانا لسلامة ساكنيها وعدم تعريضهم للخطر.
وكذلك قمع المتسللين والمتآمرين المتواطئين مع العدو. ورأينا كيف أن ايران في الأشهر الماضية تقصف القري الكردية المتاخمة للحدود معها علي ادعاء أنها تؤوي عناصر من المعارضة، وطالبت ايران باجلاء القري الحدودية مسافة 15 كلم داخل الحدود العراقية.
ان عملية السعي الي اعدام الفريق سلطان والفريق حسين رشيد، تعد عملية ثأرية سياسية، للثأر منهما باعتبار أنهما كانا علي رأس الجيش العراقي خلال فترة الحرب العراقية ـ الايرانية »80 ـ 1988«. وللتاريخ فان المعروف للاعلام، ان الجنرال بترايوس، قائد القوات العسكرية الأمريكية في العراق. وكان وقتها »2003« قائد الفرقة »101« في الموصل، أرسل رسالة الي الفريق سلطان هاشم، بعثها بيد احد الوسطاء، وفيها خاطب بترايوس الفريق هاشم بالقول أنا وأنت ضباط وقادة جيوش ننفذ ما يصدر الينا من أوامر من قياداتنا السياسية، وليس لنا الحق في الاعتراض، وأنت قمت بواجبك العسكري ولا تتحمل مسؤولية علي الاطلاق، وآمل أن تسلم نفسك حتي لا تتهم بأنك هارب.. ويفترض بالجنرال بترايوس، وحكومته، وقيادته، أن يكونوا عند التزامهم ويحترموا التقاليد والأعراف العسكرية وشرف الكلمة.
الفريق سلطان هاشم شخصية عسكرية محترفة كفؤ، فضلا عن خلقه العالي وتواضعه، حتي ان الجنرال شوارتزكوف كتب في مذكراته يقول لقد فوجئت بالموقف الشجاع للفريق سلطان هاشم، حين تصرف بطريقة صارمة جعلتني مجبرا علي احترامه وتأدية التحية العسكرية له.
الفريق الركن سلطان هاشم عرفناه عربيا مسلما ملتزما، مثقفا ومتابعا، عسكريا يتمتع بسمات الفروسية، يحترم العاملين معه ويفرض احترامه علي الآخرين بسلوكية الفارس الشهم الشجاع. سجاياه عالية وهي والمكرمات اخاء، له قلب لا يراع لغاصب، هو من الحمائم في السلم ومن الجوارح في الحرب، يتعامل بسماحة الاسلام وهو لها أمين. أباطرة ايران الجدد أعداء للعرب والعروبة جهلة لا يفقهون أن الجوار محبة واخاء. أباطرة ايران الجدد والصهاينة معا ويدا بيد حربا علي العرب والاسلام، وهم ان تمكنوا من الغدر بسلطان هاشم فإن التاريخ
سيخلد الشهداء وسيلعن الغادرون حتي يوم الدين… ان تنفيذ المالكي لأحكام الاعدام، هو تجاوز علي الدستور الذي يتمشدقون به، كما انه لن يؤدي الا الي زيادة تنكئة جراح
العراقيين، ووضع العراقيل أمام المصالحة الوطنية المنشودة. وافشال لمساعي كل الذين يريدون الخير للعراق، وايقاف نزف الدم العراقي، وانهاء مسلسل الانتقام الأهوج.
ذكرت أنباء أن نائب رئيس الجمهورية الخزاعي قد وقع تصديق قرارات الاعدام ومن المحتمل أن تنفذ قريباً، وبغض النظر عن عدم دستورية قرار جلال الطالباني تخويل سلطته في التصديق علي أحكام الأعدام الي أحد نواب رئيس الجمهورية، حيث أن الدستور العراقي النافذ »دستور 2005« قد أناط سلطة التصديق علي الأحكام القضائية الخاصة باعدام المدانين جنائيا، وجعلها محصورة برئيس الجمهورية شخصياً وفقا لنص المادة المادة »70«: »»يتولي رئيس الجمهورية الصلاحيات الاتية: ثامناً. المصادقة علي احكام الاعدام التي تصدرها المحاكم المختصة.««. ولايحق لرئيس الجمهورية تفويض صلاحياته الشخصية لأحد من نوابه الا عند غياب رئيس الجمهورية لنص المادة »72« من الدستور العراقي: »»المادة »72«: ثانيا: يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه««.. أي أن التخويل غير دستوري ويتعارض مع الدستور الذي لايخول الرئيس التنازل عن صلاحياته الشخصية لنائبه الا في حالة غيابه »السفر أو المرض«.
الفريق الركن سلطان هاشم والفريق حسين رشيد يمثلان رمزا للعسكرية العراقية ويشهد تاريخهما العسكري بمهنيتهما العالية. واعدامهما يشكل سابقة خطيرة ويجعل الحكم الصادر سياسياً ولا يستند الي أي صفة قانونية كون المذكورين كانا يؤديان واجبهما العسكري ولم يثبت تلطخ ايديهما بدماء العراقيين. ويتوقع مراقبون ان يثير تنفذ حكم الاعدام بحق سلطان هاشم وحسين رشيد الكثير من ردود الفعل في محافظات الموصل وصلاح الدين والانبار، حيث يتم الاعداد الآن لخروج تظاهرات تطالب بايقاف تنفيذ الحكم والدعوة الي عدم التصديق عليه من قبل الرئاسة.
ولئن تمكن حكام المنطقة الخضراء اليوم بأوامر أسيادهم في طهران، من الغدر بسلطان هاشم… فإن التاريخ سيخلده مع الشهداء.. وستبقي اللعنة تطارد الغادرين حتي يوم الدين.
/2/2012 Issue 4122 – Date 14- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4122 – التاريخ 14/2/2012
AZP07