السالم : خيال الكتابة أكثر قدرة على وصف المأساة في عذراء سنجار

السالم : خيال الكتابة أكثر قدرة على وصف المأساة في عذراء سنجار

السرديات الأيزيدية جزء من مرويات العراق

حاورته: اسلام عادل

اصدر الروائي العراقي وارد بدر السالم هذا العام رواية تطرقت الى ما تعرض له الايزيديون في حزيزان 2014 بعد غزو داعش. فقد تعرضت هذه الطائفة المسالمة لأبشع انواع الاعتداء من القتل و الحرق و الذبح و التهجير و المساس بكرامتهم الانسانية و حقهم بالعيش. الا ان اسوأ ما عانوا منه هو تعرص الفتيات و النساء الأيزيديات للسبي و معاملتهن كرقيق يباع و يشترى على نطاق الارض التي يسيطر عليها الدواعش في الموصل و الرقة. الرواية التي اصدرها السالم هي المحاولة الاولى الجادة لنقل معاناة هؤلاء النسوة, فكانت روايته “عذراء سنجار” التي تحكي طوال 400 صفحة عن المأساة التي لم تنته بعد. عرض السالم كل ذلك بسرد روائي شيق بعد البحث و الدراسة و زيارة مخيمات النازحين الأيزيدين في كردستان. في حوارنا معه, حاولنا نسلط الضوء على مضامين الرواية و ابرز المواضيع التي نوقشت فيها.

{ لماذا اخترت مأساة الأيزيديين لخلق عالم روائي على الرغم من كثرة الانتهاكات التي تتعرض لها طوائف اخرى في البلد؟

– الحالة الأيزيدية فريدة في نسقها الاجتماعي العام ومتوالياته الدينية والطبقية وهي أنساق ومتواليات تاريخية لا يمكن تجاوزها أو النظر إليها على إنها هامش مجتمعي قديم بقدر ما ننظر اليها على إنها أحد المكونات التاريخية الأصيلة التي ثبتت على هذه الأرض لآلاف السنوات بالرغم من تعرضها الى 74 غزواً اسلامياً داخلياً وخارجياً.

الأيزيدية الطائفة الأكثر تعرضاً للانتهاكات والسبي على مر تاريخها ووجودها القديم.. وبالتالي فإن هذه المأساة والكتابة عنها ليست اختياراً شخصياً ، إنما هو قدر روائي في زحمة الأقدار المحلية ونواتجها العرضية بعد عام 2003 التي شملت طوائف المجتمع العراقي وأطيافه ودياناته بصعود المد الديني المتطرف وتغذيته المشبوهة وإيجاد حواضن كارثية له من الباب السياسي الذي ثبت فشله على مدار ثلاثة عشر عاماً ، لكن الفرق فيما يتعلق بالحالة الأيزيدية هو إن العنف والقسوة التي واجهتها هذه الطائفة كانت خارجية وبوجود تسهيلات محلية معروفة وخيانات مؤشَّرة يعرفها العراقيون ، وبالتالي فقد خضع الأيزيديون الى غزو خارجي وسبي وانتهاك أعراض وموت وقتل وتهجير وفرض دين لا يمت الى الأديان بصلة بتركيبته الدموية وأدبياته الخارجة عن الأخلاق والإنسانية ، ومن هنا يأتي الفرق الواضح لهذه الطائفة التي أوقعوها بين أنياب داعش بغزوٍ خارجي ، في حين بقيت الطوائف (الإسلامية) الأخرى تتقاتل فيما بينها وتتصالح أو تهدر دماء بعضها بعنف طائفي تغذيه سياسات داخلية وخارجية من دول الجوار كما هو معروف.

{ كيف تبادرت الى ذهنك حبكة الرواية؟

– السرديات الأيزيدية هي جزء من سرديات العراق الكبير ولا ينبغي أن نتعالى عليها أو نبقيها في الهامش الاجتماعي والديني ومن ثم الوطني ، لذلك بحثت عن الزمن الأيزيدي الذاتي في مكانه المعروف وصولا الى تاريخيته الواسعة فكانت عذراء سنجار محاولة لتقصي الجحيم الأيزيدي في زمن داعشي شاذ بخلفية فرمانات تاريخية موثقة . وعليه يمكن القول أن مأساة سنجار عارٌ عظيم على العراق السياسي الجديد برموزه الشبحية الطائفية التي تحمل أكثر من جنسية أجنبية.. وعذراء سنجار تؤكد هذا بوضوح حينما تركتْ – تلك الرموز المشبوهة- المجتمع الأيزيدي وتنصلت عنه وهو يواجه حملة من حملات الإبادة المضنية . وعندما كتبت روايتي (عجائب بغداد) استفزني القتال الطائفي المأساوي في بغداد الذي كشف عن بداية انهيار المنظومة الاجتماعية مثلما كشف زيف دعاة الدين من كلا الطرفين ، وحينما كتبت روايتي ( تجميع الأسد) كنت أنظر الى زاوية الوطن في بُعده التاريخي – الحضاري – الفني وكيف يصارع عملاء الطوائف وأمراء الحرب بأزيائهم الجديدة ، وحينما ابتعدت عن المركز الى الضفة الأخرى من المجتمع العراقي بتسمياته الدينية والقومية والتاريخية استوقفتني سرديات الحالة الأيزيدية بقوة وهي تتعرض الى غزو وإبادة شاملة ، فالصور المأساوية الكثيرة التي كانت تعرض والأخبار المتواترة من سنجار وطريقة تعامل داعش مع هذه الطائفة كونهم (كفاراً) والتي شاهدناها عبر أفلام فيديوية كثيرة من سبي النساء وبيعهنّ في سوق النخاسة وإذلالهن وقتل الأطفال والرجال في مساحة دموية غير معقولة .. ألا يكفي هذا لأن أفكّر كيف أنتصر لهؤلاء العراقيين بالحد الأدنى من الكتابة..؟

{ هل قرأت عن سنجار ام زرتها؟

– لم أزر سنجار من قبل لكنه ليس غريباً عني كمكان له خصائصه ومميزاته جغرافياً وتاريخياً ، وأثناء البحث عن مداخل للرواية تعرفت على الكثير من السنجاريين والسنجاريات واختلطت معهم في مخيمات الهجرة قريباً من محافظة دهوك ، وساعدتني وسائل التواصل الاجتماعي في التعرف على الدين الأيزيدي فقرأت الكثير عنه في محاولة للإحاطة بهذا الدين وفهم آلياته ، كما أسعفتني مصادر جغرافية وتاريخية عن سنجار وطبيعة مجتمعها وتضاريس حياته المتعددة . فالمكان السنجاري وموروثاته الاجتماعية والطقسية حافل بالحركية الاجتماعية والدينية ومهيمناته الشاخصة بمعمارها المتوارث وروحيته الباقية على مدار الحياة بما يشكل بُنية داخلية تتعاضد مع السلوك اليومي وتنشئ معه علاقة ذات خصوصية محلية ، حاولت داعش ومَن معها أن تقضي على المكان وتحوله الى بُركة دماء تحت ظـــــــلال سيــــــــوف إســـلامية هجينة..

{ كيف كنت تشعر و انت تمر بكل مراحل الرواية من بحث و كتابة, هل كتبتها كردة فعل لمشاعر الغضب التي اجتاحتك نتيجة لما حصل في سنجار ام نظرت الى المأساة بموضوعية؟

– الموضوعية مطلوبة في عمل روائي ضخم يستنجد بكل معطيات الواقع وخلفياته الدينية والاجتماعية والسياسية . و ردّات الفعل قد تحفّز على الكتابة ، لكنها تضيّق المجال للكتابة الفنية والخيال الروائي الى حد كبير، لهذا تأملت الموضوع بهدوء ولكن بحساسية مفرطة جداً، وكلما وجدت حالة صاعقة بين السنجاريين كنت أقترب الى الكتابة أكثر بيقين إن الكتابة في كثير من الأحيان تولد من صور صادمة تحفز خلايا الكتابة وتستفز المشاعر الإنسانية . وأعترف إن ردات الفعل هزّتني كإنسان وأنا أتابع هذه المأساة أولاً بأول لكني بالنتيجة احتكمت الى الفن برؤية خيال الكتابة تحت مساحة عريضة من الواقع السنجاري الخاص والعراقي بشكل عام. لهذا لم أقدم على الكتابة إلا بعد إن توفرت أرضية مناسبة وجدتها مساحة روائية فنية ممكن أن يتعاشق فيها الخيال بالواقع برؤية سردية ذات خصوصية كتابية..

{ هل تصنف روايتك كرواية “سياسية” على الرغم من إن صفة سياسية هي صفة زلقة ومتغيرة؟

– لا أهتم للتصنيف كثيراً ولا يعنيني من أمر السياسة إلا بأنها كانت السبب في خراب العراق وتشتيت أوصاله وتقسيمه طائفياً والقضاء على روح الإنسان فيه وإدخاله في متاهات لا نهاية لها. لهذا فمثل هذه الخلفية الفجائعية تتحرك في الكتابة وربما توجّه بعض أطرافها اليها ، لكن عذراء سنجار بالمحصلة ليست رواية سياسية مع إنها تحركت في هذه المفاصل من قريب أو بعيد..

{ تتداخل في روايتك الواقعية مع الخيال الجامح, فمشاهد تعذيب الأيزيديين بالجلد والذبح والحرق هي مشاهد واقعية نقرأ عنها دائما في الصحف, لكن امورا اخرى كالحامل التي لا تلد, علاقة الحامل بالصقر و الغراب, الرسالة التي جاءت بها حمامة الزاجل من خودا الى سربست, كل هذا يثبت لي كقارئة ان الواقع لم يمنعك عن خلق العالم الروائي, , انها واقعية سحرية فريدة, ما تعليقك؟

– تحرك واقع عذراء سنجار على فرشة كبيرة من الخيال الروائي بنسقية فنية ظلت وفية الى المكان السنجاري لخلق مجاوَرَة ممكنة مع الواقع الأسود الذي تعيشه المدينة وهي في حالة السبي والأسر، وللخيال الروائي دوره في تأكيد الواقع وإعادة خلقه صورياً وذهنياً بوصفه نشاطاً حراً وحيوياً عابراً للحدود الطبيعية التي تجري في مفاصل المكان. الخيال يمكن أن يكون انفعالَ الكتابة في لحظات الوصول الى ذروة الواقع المأساوي وتجريده من أجنحته المعروفة وخلق بديل له يتجلى في العبور الى مخيلة اختراقية ضامنة لصناعة صور واقعية بديلة أكثر سحرية في تخليقها للواقع مما هو عليه ، لذا فالعمل الروائي في أحيان كثيرة يجنح الى “صناعة” واقع موازٍ للواقع الأصلي ويتدخل في تركيبه لمواجهة أصل الواقع وتضمينه بطريقة أو بأخرى، وهذا يستوجب طاقة فنية لإعادة ترتيبه والنسج الأسطوري من خلاله عبر آليات المتخيل العابر للحدود الواقعية.إنّ زيادة الشعور لدى المتلقي بأنه منتج أيضاً مع الكاتب في لحظة اللاشعور عنده وهو يقرأ واقعاً انقلب على واقعيته لكنه جُرّدَ منها أثناء الكتابة ، وهو ما يمكن أن نسميه الانقلاب على الواقع بالمتخيل المضمون وإن كان غرائبياً أو عجائبياً أو غير ممكن الحدوث ، لذلك ستجدي الكثير من هذه (الحوادث) في عذراء سنجار حينما لجأت الى رسم خيالي خارج قدرة الواقع على تحميله ، لكنه في الأحوال كلها مستلهَم من ميثولوجيا الأيزيدية ودينها الذي تعرض لتشوهات كثيرة في حقبٍ مختلفة من التاريخ.

{ من ابرز المواضيع التي ناقشتها الرواية هو موضوع الدين. و قد انغمست كثيرا في سرد فروقات الاديان عن بعضها و تشابهها بمحبة الانسان والسلام باستثناء دين داعش. ففي اكثر من مرة أكدت على ان داعش لا يمثلون اسلاما, الا تخشى على روايتك من عدم الفهم المتكامل للعقلانية التي تناولت بها موضوع الدين خصوصا بعد انهزام الراهبة نالين و تخليها عن دينها باللحظة الاخيرة فوق الجبل وهو ما قد يشكل صدمة وغضب للمتلقي الايزيدي؟

– لم تنهزم الراهبة نالين وهي العصامية الفذة التي دافعت عن دينها حتى اللحظة الأخيرة امام شخصية سربست المتمرد الذي رأى في الدين عاملاً معطلاً للحياة ، بل وعدّهُ السبب الذي سمح للغزو الخارجي على مر تاريخ الأيزيدية. مشكلة هذه الراهبة إنها واجهتْ ندا صعباً ومن دينها ذاته ، وهو ند معرفي تمكن من اختراق وعيها الجامد وخلخل بنيتها الفكرية وهي ترى عجائب كثيرة تجري امامها وخيالاً استثنائياً لم تتمكن من تجاوزه ومع إنها لم تستسلم إلا إنها أنهت حياتها بطريقتها لا لعدم تمكنها من الدفاع عن آليات دينها و ثوابته ، لكن مساحة الواقع الجديد اختلفت عليها بعد الأسر وسيطرت عليه مهيمنات أخرى بعضها خارجي وبعضها داخلي..

هذا الند المعرفي (سربست) الموجوع في قلبه تمكن من إزاحة أكثر من سِتار عن دين مغلق لا ينبغي مناقشته وفقاً لمن وضع أسس هذا الدين ولا ينبغي التطاول عليه أو نقده أو تصويب بعض فقراته أو إلقاء الضوء على بعض مشاكله.. ومن هنا بدأ (وعي) الراهبة يتفتح تلقائياً لكن في لحظة حرجة من إيمانها مع شخصية لها قدرة على الجدل وإيجاد الثغرات في الدين .

أعتقد إن شخصيتي نالين و سربست تمثلان الصراع العام بين الإيمان والإلحاد ؛ بين نقاء الروح ولوثتها ..

{ ازدواجية الشخصية الأيزيدية بعد غزو داعش كما اوضحت الرواية من خلال حمل الاشخاص لأسمين ودينين والعمل مع الغزاة اضطرارا والاحساس المؤلم بالخيانة, أشار الى عامل نفسي مهم في رسم الشخصيات و هو ما حدث لـ دلشاد بالتحديد, هل هي فعلا ازدواجية او مجرد مرحلة تكيفية عابرة؟

– الإحساس بالخيانة والعمل مع العدو الذي لا يمتلك ولا حداً من الأخلاق والإنسانية هو بحد ذاته شعور بالذل والعار، وقد وضعت ” دلشاد” في هذا الموضع لتعميق مثل هذا الشعور المزدوج عند السنجاري الذي وجد نفسه أسيراً في بيته مع كائنات دموية تحمل شعارات كهفية ذات نسقية مظلمة تكرست مع تتابع الفصول في الرواية، وبما ان الخلفية الفكرية لهذه الشخصية هي التاريخ فقد صار شعوره أعمق من إنه خان مدينته لأنه يعرف ماذا وراء التاريخ وماذا يعني له هؤلاء الخارجون من أنفاق التاريخ ، لهذا صار بشخصيتين ؛ نهارية وليلية ؛ بشعور إنه ممكن أن ” يتخلى” عن هذه الازدواجية كلما أتيحت له فرصة الطعن بالعدو وهو ما حصل بشكل خفي في أكثر من مرة وعلى مدار الرواية.

دلشاد نسق فردي ضمن أنساق متعددة مثّلتها شخصيات الرواية ، وهو النسق الأكثر مواجهة مع الذات بشعور الخيانة التي هو فيها ومحاولته الخروج من هذه الأزمة النفسية والفكرية التي حولته الى كائنين لا يتشابهان..

{ تعمقت جدا بوصف الرموز الدينية ووظفتها في الرواية مثل معبد الالش, ضريح عدي بن مسافر, ماء زمزم, العين البيضاء و شجرة الكوجكين, كيف خدمت هذه الرموز التشكيل الواقعي للرواية؟

– هذه أيديولوجيا دينية لا يمكن أن أتجاوزها ، وهي الحاضنة الأثيرة للأيزيديين على مدار التاريخ الديني لهم ، مثلما هي خلفيات واقعية ضامنة للعلاقة اليومية بين هذه الطائفة المتعلقة بتلك الرموز التي كانت مرجعيتي الروحية للرواية.

ضريح الشيخ هادي والعين البيضاء وما سواهما في معبد لالش هي مهيمنات روحية ضاربة في وجدان الأيزيدي ولا يمكن التغاضي عنها لأي سبب أو تبرير ، لذلك ظلت هذه الرموز تشدّ من أزر الرواية قبل أن تشد من أزر السنجاريين ، للوصول الى تقنية داخلية ترسم علاقات الشخصيات بها بشكل واضح ، كما كانت حائطاً مكّنني من أرسم عليه كل الصور الروحية التي يعيشها السنجاريون سواء من كانوا تحت ضغط الأسر أو الذين تمكنوا من الهرب .

{ لم وظفت شخصية “عيدو” المجنون للهزء بداعش وشريعتهم؟ وما هي رمزية انقاذ الصقر لعيدو والنيران في اطراف ثيابه ..؟

– لأقول إن هذا الكائن الضعيف والمستلب على مدار حياته هو أكثر متانة إيمانية من هؤلاء المسخ الذين يحملون راية الذبح الإسلامي بطريقتهم القذرة.. ولأحيل الى ميثيولوجيا أيزيدية رمزية إيمانية تقضي بأن الأرواح الطيبة التي تغادر الحياة ستتحول الى أرواح طيبة ومصيرها الجنة ، لهذا فرمزية الصقر لم تتوقف عند شخصية عيدو المجنون بل أيضا يبقى الصقر على مدار الرواية يتحرك مع الحامل التي لا تلد ، وهو رمزية عظيمة للأرواح المغدورة التي طالتها سيوف داعش الدموية..

{ تكلمت ايضا عن العرب الذين خانوا سنجار و ساعدوا بغزوها رغم سنين من العِشرة و الالفة مع الأيزيديين, الا تعتقد ان هناك من قد يتحسس لصراحتك رغم عدم شمولية الفكرة؟

– هذه حقيقة وواقع يجب ان لا نغض الطرف عنه. وقد مرّت الرواية على مثل هذه الحالات بوثائقية معينة ، فبعض العرب السنجاريين كانوا خلايا داعشية نائمة وقد انتفضوا بطريقة الغدر تحركهم طائفيتهم الوسخة فجعلوا من أهل سنجار بين فكّي كماشة مميتة ، لهذا فهم خونة تاريخيون ينبغي أن نسميهم بأسمائهم وفعلت هذا في الرواية بشكل نسبي لكي لا تفقد الرواية طريقها الفني في تتبع الأثر الداعشي وإجرامه ..

{ لماذا لم تختر نهاية محددة لنشتمان الشخصية المحورية في الاحداث؟

– أوضحتُ في أحد هوامش الرواية إن معنى نشتمان باللغة الكردية هو : الوطن .. واضطررت لهذا التوضيح لجهلنا نحن العرب بهذه اللغة ، وبما أن الأيزيديين السنجاريين يتكلمون الكردية كونها أصلهم القديم لهذا فمعظم تسمياتهم كردية وهذا طبيعي في بيئة وحاضنة تاريخية لهم .

أما إني لم أضع نهاية محددة لنشتُمان المفقودة أو الأسيرة فهذا يتطلب أن أجد أولا الوطن المستباح الذي غزاه الطائفيون الجدد كمتنٍ عام ، وبالتالي أجد هوامشه الأخرى أو أبحث عنها ، لهذا نبقى نشتمان سراً روائياً ربما سأبحث عنه في كتاب آخر لعلي أجد الوطن المفقود بين العمائم الطائفية الشرهة.

{ توحي لي قصة الخال “عفدال” بالرغم من غموضها الى ان الحياة الأيزيدية ستزهر من جديد من خلال وجود مزار جديد شاهد على الحقبة المؤلمة التي يمرون بها وهو بالفعل ما تتكهن به ذات الحمل الطويل؟

– هو خيال افتراضي تجسد من واقعة سنجار المؤلمة كوّنه الشهيد عفدال بعد مقتله الدراماتيكي ومن ثم كوّنه بالتدريج أيزيدو المدينة سراً بوجود شجرة تين وهي رمز سنجاري معروف..

أريد من هذا خلق بدائل واقعية عن طريق الخيال الفني واستلهام بعض المعطيات الروحية والنفسية ، ومثلما كرر “سربست” المتمرد بأنه يمكن خلق دين انساني جديد من معطيات سنجار الأسيرة والاستغناء عن رموز قديمة لم يكن لها دور في حماية الأيزيديين ، لكن البعض يرى أن هذا تطرفاً وانقلاباً على ثوابت دينية معروفة ، غير إن سربست ومَن معه من الأسرى الأيزيديين يرون إنهم تمكنوا من خلق دين جديد وضريح جديد عبر رجل سنجاري فقير استشهد لأنه لم يتخلَّ عن دينه.. وفي حقيقة الأمر إن سربست كان يطمح لبناء علاقة أخرى مع دينه ويصحح كما يرى بعض الإشكاليات فيه ، فبرّر إن الشهادة هي القيمة الأكثر سمواً عن غيرها ..

{ الى ماذا ترمز علاقة الحامل بالصقر الذي يجوب سنجار والذي تربطه بها علاقة غريبة, الفراشة التي كلمت نالين عند صعود الجبل, و نجمة سنجار التي تحدث اليها سربست؟

– من يقرأ ميثيولوجيا الأيزيدين ويتأمل دينهم سيجد انهم يؤمنون بتناسخ الأرواح ، هذا التناسخ سيؤدي بالإنسان الى أن تتقمص روحُه روحاً طيبة إذا كان صالحاً وبعكسه ستتقمصه روحٌ شريرة ، لهذا وجدت إن إيضاح الكثير من فقرات الدين الأيزيدي (جمعتها) في فصل (دردشة في فوبيا) وهي معارف أولية لهذا الدين رأيت من الصحيح أن يعرفها القاريء ؛ لذا فالصقر الذي يمتد على مساحة الرواية ونوافذها وعلاقته بالمرأة الحامل هو علاقة روح بروح يشير ربما الى زوجها المذبوح ؛ مثلما تشير الفراشة المتحدثة في الجبل الى روح أخرى غير معلومة أو معلومة في الرواية وكما هو الحال مع نجمة سنجار التي تحدثت مع سربست ذات ليلة .. كل هذه الأنسنة مقصودة ولها رصيد في ميثيولوجيا الأيزيديين ودينهم .ففي ظروف الحروب واستثنائية الحياة فيها يتحدث حتى الحجر والشجر ..!

{ حبس سالار لأولاده في البئر له دلالة ايضا, ما تعليقك؟

– أعرف إن الشرح والتعليل يقتل الكثير من متعة القراءة ، لكن لا بأس أن أشير هنا الى أن الأيزيديين الأسرى في مدينتهم ابتكروا الكثير من طرق الحياة والبقاء على قيد سنجار الأسيرة ، فـ سالار الذي حاول أن لا تهتز شخصيته ويفقد دينه مع داعش وجد إن المنطقة الرخوة فيه أولاده الذين سيتعرضون للذبح أو التجنيد الإلزامي وتلقينهم مفاهيم دينية دموية باسم الإسلام ، لذلك آثر أن يخفيهم في بئر البيت شهوراً طويلة وكان الغناء وسيلتهم لمواصلة الحياة وهو نوع من المقاومة الجمالية إزاء القبح الداعشي لإيصال فكرة إن الحياة تستمر بالغناء وهو نوع مستوطن في نفوس السنجاريين التواقين الى الحرية والجمال..

{ من الامور البارزة التي تطرقت اليها الرواية هو ختان السبايا, اخصاء الاطفال والقتل بكل انواعه لمن يخالفهم وهي احداث بالفعل حصلت في سنجــــــــار ولكن الرواية وثقتها انسانيا, هل تعتقد ان عذراء سنجار ستصبح مرجعا يوما ما للانتهاكات التي تعرض لها الأيزيديون؟

– كل شاردة وواردة وكل خبر مهما صغر وكل فيلم تسجيلي او حقيقي وكل قصاصة ورقية او ومضة فيسبوكية لابد أن تصبح وثــــــــيقة ومرجعية لكل الأجيال التي عليها أن تعرف إن داعش فصيل حيواني عالمي متوحش ابتكرته دول إقليمية و جوارية وخيانات محلية وطائفية ومخابرات عالمية لتقويض الأثر الإنساني والحضاري في بلاد الرافدين والمنــــــــــــطقة العربية عموماً ؛ وأطمح أن تكون عذراء سنــــــجار ولو قصاصة من قصاصات التاريخ العراقي في تدوينه لهذه الفترة السوداء من عمر العراق.

لو سمحت علق على التالي:

{ اي دين هو فكرة قد لا تعجبنا مع تقدم العمر و التجربة والاحداث” ص32.

– هذا استنتاج .. وأعتقده صحيحاً ..

– كنت ابحث بينهن على نشتمان فوجدتهن كلهن نشتمان.. كلهن يصرخن تو تكي دري بابو”. ص64.

– إنه تجرد عن الأنا وصولاً الى النحن بالهاجس الجماعي..

– عندما تغير دينك لسبب ما تصبح كائنا آخر. تنغمر بشعور لا تعرفه على وجه اليقين و انت تمارسه كما لو انك في حفلة ختان وانت الراقص الوحيد فيها…” ص73.

تغيير الدين بالإكراه يشبه تغيير الجنس من ذكر الى أنثى أو بالعكس..!- يا ابني ممكن أن تكون الحياة اغنية طويلة وممكن ان تكون بكاء لا ينتهي” ص114.

في الحالتين يجب أن يكون الإنسان بذرة عظيمة في الأرض بحرية مفتوحة لا قرار لها .

-جريمة داعش فتحت في عقلي نوافذا ورياحا.. لقد تكسر الزجاج في رأسي وأصبح حرا” ص152.

الغزو والاستعمار والاحتلال يفتح في الروح إشراقات مكبوتة غير معروفة وطاقات خلاقة للمقاومة.

-السياسيون بارعون بالكذب و الدجل و اللاشرف.. و اكثر منهم رجال الدين.. لم يقل احد منهم شيئا منذ استباحة شنكال وهتك اعراض النساء وسبيهن و بيعهن… الان يخلقون الشرف لصبايا مسكينات امتلأت بطونهن بنفايات و وساخات الغزاة… هل هؤلاء اللقطاء ايزيديون ام مسلمون؟” ص225.

هذا سؤال كبير وحرج سيواجه المجتمع الأيزيدي ورجالات الدين فيه .. إنه سؤال مفتوح على فجيعة أخلاقية أخرى ستظهر مع طرد داعش…