محمد حياوي في خان الشابندر
للحقيقة وجوه عدة
محمد جبير
لايمكن قراءة سرديات الصديق محمد حياوي قراءة نمطية ، وانما لابد ان تكون هذه القراءة تمتاز بشيء من الوعي المتيقظ الذي يستطيع تلمس الشفرات السرية للنص والتي يمكن ان يبثها من خلال جملة سردية او مقطع حواري ، وهو الاسلوب الذي اعتمده حياوي منذ روايته الاولى ” ثغور الماء- 1983″ مرورا بـ” غرفة مضاءة لفاطمة – نصوص سردية 1986″ و” طواف متصل – رواية – 1988″ و” نصوص المرقاة – 1996″ .
وتتمظهر في نصوصه السردية الفصصية او الروائية الكثير من شظايا التجربة الحياتية اليزمية لتكون مرتكزا او منطلقا للنص السردي ، حيث تكاد هذه المزاوجة بين الشخصي الذاتي والعام الابتكاري هو نقطة الارتكاز في الخلق الابداعي وشرارة القدح لمعظم النصوص التي قدمها محمد حياوي على مدى الثلاثين عاما المنصرمة.
فقد نلمس في تلك النصوص السردية الكثير من الاشارات لسرديات حياتية ذاتية في متن النص السردي ، تمر على المتلقي العادي الذي يقرا وقائع وحوادث ولايقرا نصا ابداعيا يقف منه موقفا تامليا او تؤيليا ، وهو الامر الذي يدعوه الى التوقف وقفات طويلة وليس المرور عليها مرورا سريعا وكانها مجرد وقائع سردية ، تهدف الى اضفاء صور بابعاد جمالية فكرية او تشير الى وقائع لتاكيد خصوصية زمنية لتلك الواقعة او هذه الحوادث، او قد تكون مقطوعة عن زمن الحدث السردي ومتواصلة مع زمن السرد الاني او تشكل مقطعا خارجا عن الاثنين ومحققا استقلالية النص في وحدة التشكيل العام .
يبدأ الكاتب حكايته السردية من لحظة مابعد الابتداء ، وكان الحكاية متواصلة وان السارد ادى فعله السردي من دون انتظار المدون او السامع المتلقي ، فالحكاية هي الحكاية وان عجلة الزمن تدور بحوادثها وشخوصها من دون ان تتوقف انتظارا لقدوم راكب او عابر جديد ، فالفعل السردي ، فعل متواصل مع ماقبل ، المجهول المعلوم ضمن بنية الحكاية الدائرية ، او الحكاية التي تنغلق في النهاية على ابتدائها او بالعكس تبدا من حيث انتهت لتعود الى نهايتها في اخر زمن الحكي .
” ولكن .. اليك الحقيقة” ” الرواية- ص7″ . هذه جملة افتتاح النص السردي ، وجملة المستهل الحكائي للنص ، وهو يشير الى نص ماقبل هذه الجملة ، نص غائب من اصل المدونة السردية يفترض بالمتلقي ان يكون متيقظا ليشكله على حسب تصوره لمجريات الاحداث السردية ، لكن هذا النص الغائب تربطه علاقة تواصلية مع النص المدون ” الحاضر” وماطبيعة هذه العلاقة ، افترض مسبقا ان النص الغائب هو الواقع بتفاصيله اليومية وهو نص تواصلي مع النص الحاضر في المدونة السردية ، فهو نص متكون من تفاصيل حياة يومية فضلا عن تشكلات ذهنية لترتيب التفاصيل وبنائها وفق مقتضيات سرديات الحكاية او مايريد ان يكشف عنه السارد .” اليك الحقيقة” هل ماكان سابقا هو مجرد اكاذيب وخداع وشكل من اشكال السراب الذي تشكل امام العيون العطشى للحقيقة ، وكم من سراب مر علينا كنا نرته حقيقة او توهمنا انه الحقيقة ، وهل ان ” خان الشانبدر ” كمكان وماوى هو حقيقة ام وهم اقتنع الكتاب في تشكليه لتدور الشخصيات القلقة والمنفلتة من دائرة الرقابة الاخلاقية المجتمعية او ضحاياها في نفس الوقت في فضائه الواسع تحت ادارة ” ام صبيح” ، وهل ان تلك الشخصيات حقيقة ام اختراعات من بنات افكار الكتاب اراد من خلقها ايصال رسائل محددة تناقش فيه اشكاليات حضارية؟.حقا يبحث المتلقي في متن النص عن الحقيقة ، الحقيقة الافتراضية او الواقعية ، حقبقة الاقتناع بالنص السردي في تشسكله ومعطياته ، من زاوية معرفة الحقيقة يذهب المتلقي مع السارد الى اغوار الحكاية الى التفاصيل في الازقة المغلقة والدروب الضيقة ، قد تضيق فضاءات الحكاية في الاماكن الضيقة من غرف الخان الا انها سرعان ماتنفتح على فضاءات اوسع في اماكن اخرى ينتقل اليها السارد لاستكمال تفاصيل الحكاية او لجلب وقائع من خارج المكان الى داخله للكمال الحكاية وتبيان حقائق ومجريات الامور ، لككن هل ماقالت به ضوية او المعلمة شهد في خان الشانبدر هو الحقيقة ؟ وهل ماقالت به نيفين في شقة الكرادة او الجريدة هو الحقيقة؟ وهل مانقله الصحفي علي من مشاهدات من هذا العالم هو حقيقة ام نسج خيال ؟ وماذا يقول السارد في نهاية الحكاية؟ واين حقيقة النص السردي ممن نص المتلقي الذي يبنيه على افتراضات واقغية وليست وقائع سردية ؟.
كل ماتقدم هو وارد من حيث الاشكالية الفكرية التي قدمها الكاتب في المفتتح ” اليك الحقيقة” ومن قال ان السارد سوف يقدم الحقيقة وهل ان النص السردي معني بتقديم الحقائق اكثر من عنايته بتشكيل حياة ، لم تعد الحقيقة تجدي نفعا اذا او قعتنا تلك الحقيقة في مطب رسم الحوادث اول هذه المطبات نمذجة الشخصيات او استنتساخ التمذجة سواء من الادب السردي العراقي او العربي او الاجنبي ، اذ دائما يكون هناك نساء مظلومات في هذا العالم ويعيش في اماكن مظلمة وهن اطهر من نساء يعشن في قصور فارهة .
واذا اردنا العودة الى اصل الحكاية السردية التي قدمها محمد حياوي في خان الشانبدر ، نرى انه استثمر من حياته ومن نصوصه اضاءات محددة لتكون القاسم الاساسي في هذا النص الروائي من شخصية فاطمة او من حياة القاص الشهيد حاكم محمد حسين الذي يمر به كمنقذ وملاذ من حال الضياع في الميدان جراء الانفجارات والتي خرجت عن سيطرة الكاتب في مواقع عدة من خلال تغيير المسميات ، او من خلال ما ورد من اشارة الى الانتفاضة الشعبانية ، وكل ذلك خبره الكاتب وعرف تفاصيله ودروربه مثلما خبر العمل الصحفي ويعرف ادق تفاصيل شارع المتنبي الذي هو الطريق الرابط بين تفاصيل الحكاية وشقة المعاناة في الكرادة ، وهو المغترب العائد ليبحث عن الحقيقة وليس المتعة في خان الشانبدر.
” ان احببتنا ، ولو لبعض الوقت ، لن نتركك تغادر سالما” هذه الجملة قالتها هند في مستهل الرواية ، وهي جملة تثير المتلقي لمواصلة فعل القراءة بغية اكتشاف التفاصيل ” سنحرسك في الليالي الحالكة من دون ان ترانا .. لكن احذر ، لانك لن تعود الى طبيعتك السابقة على الاطلاق .. فاستعد واترك تخاذلك وجبنك ، وتهيأ لاحتراق روحك في كانون محبتنا الموجعة .. فبعد تلك الساعة ، لن تعود كما كنت ولن تعود الحياة كما عرفت ” ” الرواية –ص8″. يبدو لي ان الصديق محمد حياوي قدم الاشارات العامة لمايريد ان يقوله ومايكون عليه العمل في الصفحتين الاولى والثانية من نصه الروائي هذا واما ماتبقى فهو امتدادت لافكار بوقائعها وتفاصيلها الواقعية والمفترضة بين المرئي المعاش والخيالي الذهني ، من خلال العفوية والتلقائية في السرد او من خلال التصميم السردي الذي ينفتح على فضاءات الحكاية ويقدم معنى اخر لاشياء تكاد ان تكون مستترة بين ثنايا السطور ولاسيما في الحوارات بين ” هند وعلي ” او بين ” علي ومجر” ومابين الاثنين من تهويمات ترتقي بالشخوص والمكان الى مناخات خارج حدود الممكن لتكشف عن الاحلام التي تخرج من فضاء مدنس الى فضاء نقي ، كما كان ذلك في المشهد الذي رسمه الكاتب لعلي على سطح خان الشانبدر مع مجر او ماكان يراه وهوفي صحبة نيفين لزيارة الخان الذي قصف اثناء الزيارة ليحلق في الفضاء باحثا عن ضوية اوهند او اية اشارة يهتدي بها اليهما كما اهداه الصديق حاكم في لحظة حلم الى شقته القديمة ليتخذها ماوى مؤقت.






















