رؤى الحاضر ورصد القادم من الأحداث
معلومات وتوقعات غليان الأفكار
نجم الأميري
ظن المتفائلون أن الألفية الثانية حين انطوت , طوت معها الحروب والنزاعات المحلية والإقليمية والعالمية والمجاعات والأزمات الاقتصادية الدورية والإرهاب وقوبيا الأديان والتلوث البيئي , وما يتبع ذلك من فقر وحرمان واضطهاد واستبداد واستغلال وقتل وتهجير وغير ذلك . ولكن خاب ظنهم , فمنذ مطلع الألفية الثالثة والعالم تسوده فوضى الأفكار والنظريات والحروب والإرهاب والأزمات الاقتصادية العالمية والغلاء والتصحر والتلوث البيئي الخطير , ويبدو كما لو أن هذا العالم قد فقد توازنه وأصابه ( التسونامي ) في كل شيء, وقد أصبحت هذه الظواهر واضحةً للعيان منذ أن سيطرت القطبية الأحادية على العالم والتي مهدت بدورها لليمين المتطرف في أمريكا والبلدان الأوربية الرأسمالية وفق نظريات أثبتت فشلها وعدم جدواها , كالعولمة والمشاريع الشرق أوسطية وما يتبعها من فوضى خلاقة .
فها هي الولايات المتحدة الأمريكية تلعقُ جراحها ومعها حلف الناتو في أفغانستان في حين ما زالت تخوض في أوحال العراق ورماله المتحركة . ولا يخفى على أحد أن نصيب العراق من شرور الألفية الثالثة كان الأوفر حظاً في العالم . ومن هذا المنطلق يرى الأستاذ الفاضل د . عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري , أنه بعد أن أفل وهج الأيديولوجيات وتلكأت مسيرة العولمة بات الإنسان الذي كان محاصراً يبحثُ عن خلاصه بعد أن جرد من إنسانيته عقوداً طوال وأخذ يسعى بوسائله الخاصة باحثاً عن العدالة والمساواة ومقاومة القمع والاضطهاد والتخلف , ومن هذا المنطلق يؤكد بأن ( غليان الأفكار ) يقود بالمحصلة إلى فكر نير وعقل علمي متفتح وفق تقنيات العصر الحديث , ووعي سياسي يدرك قضايا العصر ضمن أطر وطنية وقومية بمضمون ديمقراطي يؤمن بالآخر .ويضيفُ الأستاذُ الفاضل مؤكداً بأن الزمن في صالح الشعوب إذا ما أحسنت استخدامه مع العودة إلى الخصوصيات التي تؤشر في كل أمة الضعف والقوة ويشير هنا إشارةً واضحة إلى أننا في العراق والوطن العربي لنا خصوصيتنا هي تاريخنا العربي الإسلامي هو خير دليل على ما تحمله الأمة من تراث إنساني ثر تمثل في نظرية العمل المحمدية منهجاً وسلوكاً من أجل إسعاد الإنسان وتأسيس مجتمع فاضل تسوده العدالة والمساواة ومقاومة الظلم والاستبداد
لقد استطاع الكاتب أن يسرب رؤاه وأفكاره السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية بكل موضوعية ودقة وبحيادية تامة , وأن يدق ناقوس الخطر معلناً بوضوح بأن الأفكار في درجة الغليان إذا ما أهملت ولم يتخذ بشأنها ما يخفف من غليانها وفق المسارات الصحيحة , قد يحدث ما يحدث وعند ذلك يكون لكل حادث حديث إذ أن القادم من الأيام في منطقة يعمها سونامي التغيير لا بد من وقفة جادة لتصحيح المسارات ومعالجة السلبيات وتعميق الايجابيات قبل فوات الأوان ولمعرفة حقائق الأمور من خلال المعاينة والمعايشة اليومية لتأشير الدمار والفشل الذي أحاط بالوطن والأمة .
هذه الأمة العريقة التي هي ( خيرُ امة أخرجت للناس ) وتحولت إلى أمة يتنازعها الشر وقواه العاتية مسلوبة الإرادة , منهوبة الخيرات , يعم الفقر والجهل والفساد والطائفية والعنصرية في نسيجها الاجتماعي والوطني والذي كان موحداً في وقت من الأوقات , عندما كانت أوطانُ الأمة تعتز بهويتها وتفتخر بانتمائها لعروبتها .
لقد رصد الكاتب الأديب عبد الجبار عبد الوهاب والتقط كل ما يعانيه المواطن المسحوق والمحبط , وتناول هذه المعاناة بالتحليل والتدقيق وصولاً إلى مسبباتها التي تقود بالتالي إلى نتائج تؤدي حتماً إلى (غليان ) إذا لم تأخذ بناحية الزمن ولم تبحر بمركب الديمقراطية و إذا لم تحارب بسيوف مشرعة حرباً شعواء وبلا هوادة ضد الفقر والتخلف والجهل والطائفية والعشائرية والعنصرية وتحرير الوطن بكافة الوسائل المتاحة من هذه الأمراض ومن الاحتلال بالأفكار النيرة وبالمواطنة الصالحة وبالعدل والمساواة .لقد سطّر المؤلفُ أفكاره وخواطره ورؤاه عبر فصول أربعة من خلال عناوين امتازت بدقة الاختيار وغنى المضمون ورصانة الأسلوب ورشاقة التعبير الذي ينم عن ثقافة موسوعية امتازت بها كتابات الأستاذ الفاضل عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري منذ بداياته الأدبية في مطلع شبابه في خمسينات القرن الماضي . لقد افتتح الكتاب بالمختار من الآيات البينات من القرآن الكريم والأحاديث القدسية الشريفة للرسول محمد ( ص ) ومن أقوال الإمام علي (ع ) وبعض الأقوال المختارة للعلماء والعظماء من القادة والمفكرين في العالم . وجميعها تحث على ضرورة توفير الحياة الحرة الكريمة للإنسان في الأرض وعلى تحقيق العدل والمساواة ومحاربة الفقر والفساد وإحقاق الحق لأن الإنسان خليفة الله في الأرض .
أما عبارات الإهداء مؤثرة نابعة عن عاطفة إنسانية تنم عن وفاء لا حدود له نابع من عراقة الأصل وسمو الخلق وعظم الذكريات وخلود الحب والوفاء .
وأما المقدمة بقلم الناقد الشاعر المبدع حامد حسن الياسري الذي استطاع بأسلوبه النقدي المنهجي أن يبرز الخصائص التي امتازت بها كتابات الأستاذ عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري وأن يقدم تغطية للموضوعات من خلال خلاصة وافية لمضمون كتاب ( غليان الأفكار ) وباستنتاجات ذكية وموفقة أعطت للكاتب والكتاب ما يستحق من جهد مبذول ومصداقية في مضامينه كافة.الكتابُ يحتوي على فصول أربعة كل منها يمتاز بعنوان دال يؤكد المضمون وهي :
الفصل الأول ( الاعتدال ) والثاني (المعذبون ) والثالث ( عدم المساواة السياسية ) أما الفصل الرابع فتحت عنوان ( لماذا نفرق بين الناس ) وقد توزعت هذه الفصول على82 موضوعاً تحت عناوين مختلفة ومنوعة ولكنها لا تخرج عن عباءة الفصول الربعة ..
ففي الفصل الأول ( الاعتدال ) عشرون عنواناً لمواضيع مختلفة يجمع بينها قاسم مشترك يدور حول معنى الاعتدال في الحياة السياسية والمجتمع والقانون والأديان وذلك من خلال مبدأ (الوسطية ) الذي وجد ليوفر للإنسان فرص الحياة الكريمة عبر ممارسة سياسة الاعتدال في حركة الدولة وتطبيقاتها في كل ميادينها الداخلية والخارجية مستندة بذلك إلى استيعاب كامل لواقع الناس وظروفهم وطبيعتهم .ويستنتج الأستاذ الفاضل عبد الجبار بأن هذه السياسة هي بنت العقل والبصيرة والذكاء والحكمة والموعظة الحسنة ويضيف بأن سياسة العنف والفوضى والتشدد بنت التحجر الفكري والتحزب المجرد من المبادئ الإنسانية والقائم على العنف والثأر والانتقام . ويضرب مثلاً على ذلك , إن نظام الحكم في الدولة العربية الأولى التي بناها الرسول محمد ( ص) وقادها في المدينة كانت من أكثر أنظمة الدول أصالةً في الحكم وإدارة البلاد التي تجمع بين الشورى والديمقراطية المركزية ( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل ) .وإن دل هذا على شيء إنما يدل على نجاح القيادة في ممارسة سياسة ( الاعتدال ) وهي السبيل لخلق مجتمع العدالة الاجتماعية , وفي الفصل الثاني ( المعذبون ) رصد من خلال موضوعات هذا الفصل وبذكاء عدة فئات من المعذبين في الأرض العربية وخصوصاً في وطننا العراق الجريح .
إنها طبقة واحدة ذات تصنيفات ومسميات مختلفة , فقراء , مساكين , يتامى , أرامل , مهمشين , عوائل الشهداء والمفقودين , وإن من أهم أسباب تفاقم هذه الحالات غياب الديمقراطية , حلول الاستبداد , سوء توزيع الثروات والفساد , والفوارق الطبقية الحادة , إضافة إلى ما تركته الحروب العبثية والنزاعات العرقية الإثنية والطائفية التي أدت إلى تخلخل نسيج المجتمع الذي كان في وقت ما موحداً ومتجانساً .
وفي الفصل الثالث وبعنوان ( عدم المساواة السياسية ) ومن خلال العناوين الفرعية التالية :
ثورة الأغلبية , خطايا غاندي , غاندي يكتب التاريخ , الآداب والنظام العام , عدم المساواة السياسية , فصل القضاء عن السياسة , وخيالُ اليوم أغرب من حقيقة الأمس , وغيرها من العناوين تشير مضامينها إلى أن عدم المساواة السياسية تؤدي إلى ظاهرة المحسوبية الحزبية والمنسوبية العائلية والمذهبية , وتشجع على الفساد الإداري والمالي وتجعل من الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية والثقافية مهزلة ولعبة . بحيث تمكن الجهل والتخلف والأمية والتزوير والفساد من الهيمنة على الحياة العقلانية في أكثر مؤسسات الدولة التربوية والعلمية والسياسية والثقافية والاجتماعية .
أما الفصل الرابع والأخير فهو (لماذا نفرق بين الناس ) إنه سؤالٌ مشروع في زمن الضياع وخلط الأوراق وتداخل الخنادق حتى صعب تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود وجاء هذا التساؤل عبر عناوين متعددة منها , لغة السياسة المتعددة الجنسيات وقيمة السياسي بما يحسنه , العولمة والاغتصاب الثقافي , لا ..ما مات العراق , مدينة تتنفس تحت الماء , ولمصلحة من تسقط الوحدة العربية وغيرها .ينطلق الكاتب المبدع المحامي عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري في المحور الرابع مستندا إلى صرخة أطلقها الإمامُ علي بن أبي طالب (ع) أطلقها بوجه صديقه الحميم (ميثم التمار ) عندما رآه يفصل بين التمر الجيد والتمر الرديء في كومتين مجموعتين ) في الطبق الذي يبيع فيه , فأمره أن يخلطهما معاً ويبيعهما بثمن معتدل . بل قام بنفسه ( ع ) بخلط التمر ,ويتساءل المؤلف عما تعنيه هذه الصرخة وهذا الاحتجاج فيجيب على ذلك بكل وضوح فهي تمثل أعلى نظام اشتراكي في تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة في الإنتاج والاستهلاك معاً. وإن (( الناس سواسية )) وإن هذه الإشراقة الرائعة في تحقيق العدل والمساواة ومقاومة الظلم والظالمين تشرفنا كعرب كما تضيف شرفاً إلى تاريخ الإنسان في مقاومته للظلم ونصرة المظلوم . والعمل على تقويض الاستعباد والاستغلال .يختتم هذا الفصل لمقالة تحمل كلً هموم المواطنين وبالذات المثقفين والمتصدين الحريصين على تراث الأمة وحاضرها ووجودها أمام هجمة ( العولمة والاغتصاب الثقافي ) هذه الثقافة التي تمهد للعنف وتمجد الفردية الأنانية وتعمل على تهديم كل ما هو وطني وقومي وإنساني من خلال الاهتمام بالإعلام ووسائل الاتصال الحديثة وتوظيفها لإحداث تغييرات فكرية في الثقافات الوطنية والقومية والإنسانية . إن كتاب ( غليان الأفكار ) جديرٌ بالقراءة فهو بحق ( بانوراما ) تؤشر الواقع المرير في كل مفصل من مقاصل المجتمع ومعاناته اليومية . وفيه توصيف كامل مباشر للمسببات الذاتية والموضوعية التي أدت إلى مثل هذه التداعيات التي أوصلت حالة العراق إلى درجة (غليان الأفكار ) .إنّ وطنية الأستاذ عبد الجبار وغيرته القومية جعلته يتصدى بقوة وجرأة لمواضيع على حافة الخطوط الحمراء فاقتحمها بشجاعة الكاتب المؤمن بقضية وطنه . والباحث عن خلاصه مهما كان الثمن . وهذا ديدنُ الشجعان المخلصين .






















