نزهة في شوارع مهجورة لأحمد خلف
خوذة لرجل نصف ميت تواصل الحضور النقدي
خضر عواد الخزاعي
القاص والروائي أحمد خلف من الكتاب العراقيين الذين تركوا لهم بصمة مميزة في عالم السرد العراقي، من خلال تجربة ريادية اقترنت بمشروع تجريبي زاوج فيه الأديب أحمد خلف، بين مفردات التراث والفولكور والتاريخ، ليبدع بما عرف به فيما بعد بأسلوب”ماوراء السرد” أو”الميتاسرد” بشهادة الكثير من كبار النقاد العراقيين المهمين، أمثال الاستاذ الدكتور علي جواد الطاهر، الذي قال عنه:إنه من الكتاب الجيدين، وصنفه على انه من جيل الستينيات، رغم انه نشر في السبعينيات من القرن الماضي، بالإضافة الى الكثير من الكتابات النقدية على مستوى العراق والوطن العربي، اشادت كلها بمنجزه السردي، وكتبت عنه بكثيرمن التقدير والإشادة،
قصة (خوذة لرجل نصف ميت) من القصص المبكرة، التي كتبها القاص أحمد خلف في أجواء الإنكسار النفسي، الذي أعقب هزيمة الخامس من حزيران 1967 نشر القاص والروائي أحمد خلف قصته”خوذة لرجل نصف ميت” في مجلة الاداب البيروتية في العام 1969 والتي تنبأت له كمشروع قاص عراقي واعد في حينه. وليس من شك من أن هذه القصة التي أصبحت فيما بعد ضمن أول مجموعة قصصية يطبعها القاص تحت عنوان”نزهة في شوارع مهجورة” في العام 1974 جاءت في توقيتها المناسب في كونها وليدة الظرف الذي تعبأت فيه معظم الطاقات الفنية والأدبية لتكون رد الفعل المناسب، على ما أفرزته تلك المرحلة من إحباطات، وإحساس كبير بالهزيمة، خصوصا في جانبها النفسي والمعنوي.
وهي قصة لم تكن حتما من أنواع “الكتابة” التي يصفها بارت بــ”المصالحة بين الحرية والذكرى” بل هو نص متمرد استطاع القاص أحمد خلف من خلاله أن يقدم بعضاً من ملامح البطل الإشكالي الذي وجد نفسه نتيجة مبتذلة لتجربة تاريخية لم تستكمل مقومات وجودها بعد.
اعتمد القاص أحمد خلف في معالجته لموضوعة النص الرئيسية”الحرب” بكل ماتفرزه من مآسٍ حادة مؤثرة في شخصية الفرد، وانعكاساتها في حياة الاخرين المحيطين به،على مجموعة مفردات حسية، تناوبت على ابراز قيّم النص، كالزمن/ الوحدة/ المرأة/ التذكر/ التطهير. وحاول أن يجمع بينها بوشائج روحية، تعكس الحالة النفسية، لشخصية بطل القصة سلمان، مستعينا لكل مفردة من تلك المفردات بدلالتها السيميائية، المفتوحة على أكثر من احتمال وتأويل، فهناك الساعة كـ(نسق زماني) جعل حضوره السيمولوجي، معلما في الساعة الجدارية، مرتكزاً ومحوراً رئيسيا من محاور النص، الذي كان يفرش ظلاله على معظم مساحة النص، بالإضافة الى الحضور المكثف الاخر لشخصية المرأة ممثلا في الزوجة،والذي أراد له أن يكون ترميزا محاكيا للشخصية الاسطورية”الميثولوجيا”.
الحكاية تدور أحداثها بعد تعرض بطل القصة “سلمان” للإصابة بقنابل النابالم الحارقة وتشوه وجهه، ولقد نجح القاص أحمد خلف في تقديمهما على خلفية اشتغالات متنوعة تقانياً وأسلوبياً، وهذه الاشتغالات الحديثة توفرت لجيل مرحلة الستينيات من القرن المنصرم، إثر قراءات متعددة وواعية للأدب العالمي، ومنها استخدامه للحوار الداخلي/ المونولوج Monologueفي أكثر من مكان والتذكرFlash Backوالانتقالات السلسة بين مستويات الخطاب السردي.
بدءاً هناك رجل عاجز يتمدد على السرير وحيداً في حضور زمن ثقيل يمثله بندول ساعة حائط، سيتكرر حضوره على مدار النص”قبالته على الصفحة الجدارية تماما،يتأرجح بندول ساعة حائطية، يهتز كخيط هزيل، مثل مشنقة يهتز ببطء نحو جهة الشمال وبالعكس، ينتهي كانتفاخ لبطن حبلى بالسفل” وهذا الاهتمام بتفاصيل الساعة الجدارية، ينبع من حرص الكاتب على ابراز هذه الثيمة كونها المقارب الموضوعي للجو النفسي الذي سيعيشه البطل بعد اصابته في الحرب وخلال عودته الى البيت، حتى تتحول حركة البندول المستمرة الى ضربات متتالية في الرأس تعيده دوما الى الواقعة التي شوهت انسانيته”أيصح ويكون هذا الوجه رجل في الخامسة والعشرين؟”.
وسيبقى هذا الزمن مرتبطا بكل التفاصيل التي تحيط بالبطل، الزوجة/ الأم/ الأب/ محنته وهو يواجه مصيره قبالة الزوجة، وتحيله دوما الى وحدته وأزمته الشخصية التي هي امتداد لأزمة أكبر وأعمق “النكسة”، والحرب التي خسرها هناك “وكانوا قد أخذوهم في الناقلات ، محتضنا كل واحدا منهم جراحاته وأوسمة الحرب معا ، قال في داخله بعد نهاية الحرب آه وجهي لقد شوهوه بالمرة”.
بينما تقوده دقات الساعة في موضع آخر من النص، الى أزمة أكبر يواجه فيها مصيرا آخر متوحدا مع ذاته، بعد أن تخلت عنه زوجته”عوت العجوز أمامه،الأب ظل صامتا لايحرك طرفة عين، بينما اختفت عنه زوجته كلية، حبل المشنقة الطويل عاود تأرجحه ثانية ليعلن دقاته الثلاث برتابة”.
الى جانب نسق”الزمن” تبرز شخصية الزوجة وهي هنا لاتقل تأثيرا في بنية النص، وتأتي في سياق النص في اللحظة التي يتعرض فيها “سلمان” للاصابة بحضور مكثف، وهي هنا ليست المرأة المجردة بكينونتها الانسانية (زوجة-عشيقة-أم)بل محاولة اسقاط روحية للهروب من وقع الهزيمة، تكون فيه المرأة دلالة كبيرة تستمد حضورها من الانكسار الحاد في نفسية البطل، الذي يسعى الى بديل يزيح عنه الهم الثقيل الذي ابتلي به مرتين، لخسارة الحرب في المرة الأولى وتعرضه للتشويه في المرة الثانية، حتى لتغدو الى جانب الزمن وكأنها “متوالية قصصية” كما عند تودوروف، مع استمرارها على المحافظة على التناغم والتنظيم، فالمرأة الى جانب كونها الزوجة التي عليها أن تؤدي الجانب الوظيفي من وجودها الى جانب الزوج، في أزمة مثل هذه، فإنها تتقدم على الفعل عند القاص وتقدم على انها رمز سيميائي، يحمل الكثير من الدلالات”ولكنه يتذكر جيدا:ان الدنيا بأسرها تحولت بين أصابع القنابل والقاذفات الى امرأة تخلت عن كل شيء .بسبب الجزع الذي سقطت فيه تركض بسرعة جنونية باتجاه الشيخوخة،ثم الموت، سقوط نهائي في حضرة الظلام الرهيب”.
وكما يأخذ الزمن أكثر من امتداد ودلالة في مساحة النص، فإن المرأة كذلك تتوزع أدوارها في أكثر من دلالة فإلى جانب كونها الزوجة، فهي هنا في هذا النص حالة مقاربة للخيبة في انها “عاقر” غير قادرة على الانجاب، في حين يحاول الكاتب أن يستثمر رمزيتها التاريخية الأنثوية، في أن يجعل منها مُطَهِّرا من أدران الحرب والهزيمة”تركض أمامه المرأة متجهة صوب النهر ووجد نفسه يتبعها يلاحق ظلها المتخطي لوجوده هناك بعد صمت المدفع وتعطيل الحرب بالنسبة له وهي تقذف ثيابها في الهواء ،هاهو ذا يصرخ بحدة أشبه بعويل مستغيث أنتِ طالق طالق، طالق، لم تسمعه وهي تجتاز الشارع الترابي الممتد حتى نهاية النهر الذي الذي اختلطت الوانه .أحمر بلون الغرين.أتكون هذه دماؤه؟”.
وكِلا الشخصيتين، الجندي وزوجته، في النص يمكن اعتبارهما تجربتين انسانيتين غير ناضجتين ليس على مستوى الوعي، لكن على مستوى التحدي، وخوض تجربة حياتية حقيقية، فالجندي يسقط في تجربته الأولى في مواجهة العدو الحقيقي في ساحة الحرب، بينما المرأة تسقط عند أول اختبار لها حين لم تستطع أن تصمد في مواجهة الحالة الجديدة، التي أصبح عليها زوجها، بعد عودته مشوها من الحرب.من خلال الاسئلة التي تواجه بها زوجها وهو يتحدث لها عن الحرب وكيف انها لم تفارق مخيلته حتى وهو هناك في ساحة الحرب(حلمت بك مرتين …سمعت أغنية رددت أسمك …) فتجيبه برهبة( يا الهي، أتنوي أن تبقى هكذا؟ … أنت تقتلني الان).في حين تخيم أجواء الحرب على تلك الحوارية غير المألوفة، وكأنها تستمد عناصر استمراها وحضورها من أجواء تلك الواقعة، وتتماهى في صياغتها كنتيجة حتمية لها، ففي حين تتحدث المرأة عن نفسها بطريقة تحاول الايحاء بها لزوجها انها غير مستعدة للاستمرار في العيش معه وهو في هذا الحال، فإن الزوج كان يربط كل ماحدث من هزيمة وتشوه شخصي، بصرخة رفض واحتجاج ضد كل ماوقع(وركضت ورائك بقوة رجل مدفعي …) متجاوزاً الرد الطبيعي لزوجته، انها لم تعد تطيق البقاء معه(وصحت بك أنتِ، طالق، طالق، طالق).
ولن يكون في تخلصه من زوجته الحل الأمثل لمأساته، فهناك النسق الشاخص. الذي ظل عالقا به ويذكره على الدوام بمحنته/ الزمن/ متمثلا في الساعة الجدارية، التي عليه أن يتخلص منها، في ذروة تطهير اخرى عليه أن يخوضها،(ينتفض سلمان من فوضاه، بينما تطلق فوهة المسدس اطلاقاتها الثلاث، تخترق زجاجة الساعة الطويلة، تترك ورءها ثلاثة ثقوب عريضة تهشم الهيكل الملاصق لنظراته ويهدأ كل شيء من حوله).
قصة(خوذة لرجل نصف ميت)تجربة سردية، امتزجت فيها عناصر السرد الحداثوي، مع مايسميها الناقد العراقي الدكتور علي جواد الطاهر،عناصر الاصالة والتنوع، التي تميز بها جيل القاص أحمد خلف، لتقدم واحدة من النماذج القصصية المبهرة، التي استطاعت أن تفرض حضورها وتجددها، رغم مرور حقبة زمنية طويلة على صدورها.






















