هواجس مضيئة في ذكرى الراحل جاسم التميمي
توقيع الموت والوطن
حامد حسن الياسري
ليس غريباً علينا أن نلتقي عبر زمن فرق فينا الكلمة وقاتل فينا الاحساس ، زمن يمشي فيه الواقف …
وليس غريبا أيضا أن نجد أرواحنا تتعانق في عالم الشعر الذي رضعناه منذ الطفولة حليبا صافيا كما وجدنا فيه ملاذنا الوحيد من هاجس الغربة والانكسار ، وليس غريبا للمرة الثالثة أن نكتب عن شاعر مات وهو لا يزال في ذاكرتنا وهذه الكتابة قد اغتصبناها من زمن يأخذ منا العمر ولا ندري ….
الشاعر الراحل هو جاسم محمد حسن التميمي من مواليد البصرة عام 1953م شاعر مبدع وبارع في الشعر ، بدأ بكتابة القصيدة الشعرية منذ الدراسة المتوسطة . كنت أول الذين عرف الشاعر قبل بدايته الشعرية ، أذ كان يسكن معنا في قطاع ( 33 ) في مدينة الثورة سابقا ( مدينة الصدر حاليا ) …
كان يستمع لقصائدي المذاعة من خلال إذاعة بغداد وإذاعة صوت الجماهير ( إذاعة القوات المسلحة ) آنذاك أي في بداية السبعينيات ، وكان يتمنى أن يكون شاعرا مهما في الوسط الثقافي، له موهبة خارقة في حفظ الشعر عن ظهر قلب تعلم على مصاحبتي لسماع الشعر الفصيح وأدت محبته هذه للشعر أن ترك المدرسة المتوسطة عدة سنوات ثم عين عاملا في بريد بغداد المركزي عام 1970م …
كانت بدايته الشعرية عام 1968م عندما أرسلت له أول قصيدة للإذاعة وقد سمع أذاعتها بنفسه من المذياع فأنكب على قراءة الشعر قديمه وحديثه وكان يقرأ كل الكتابات الشعرية التي تصدر في الوسط الثقافي من الدوريات والمجلات المختلفة .
مشاعر وعواطف
فصارت لديه القصيدة كتلة من المشاعر والعواطف الجياشة ، كتب الشعر العمودي (القصيدة الوجدانية ) فكانت روائعه تبكي الاصدقاء ويحفظونها وكتب في الشعر الشعبي أجمل القصائد وكتب هوامش نقدية ومتابعات في الشعر والمسرح والقصة والدراسات الاخرى فأجاد ….
ظل جاسم التميمي مخلصا لشاعريته كثيرا ، فكتب للأطفال قصائد رائعة في الشعر الشعبي والفصيح وكتب التحقيقات والدراسات الفنية والادبية ، وهو شاعر ثر النتاج ، كثير المطالعة والكتابة ، نشر قصائده في أغلب الصحف والمجلات العراقية والعربية ومن خلال المهرجانات الشعرية .
يعرفونه شاعرا سبعينياً ، كتب القصيدة الحديثة أيضاً قبل الكثير من مجايليه ، لا زال في ذاكرتنا رغم حتمية القدر الذي اغتاله ، لم يصدر له ديوان شعري حتى وفاته رغم انه قدم عدة مسودات شعرية لدار الشؤون الثقافية.
عمل مصححا في عدة صحف عراقية آخر أيامه ، كتب عنه الشاعر كاظم أسماعيل الكاطع في جريدة نبض الشباب في العدد ( 131 ) في 8/11/1999م وكتب عنه الشاعر كاظم غيلان الدراجي في ملف خاص ( ثقافة شعبية ) في جريدة الصباح العدد 968 في 31 تشرين الاول عام 2006م…
رحم الله شاعرنا أبا فيروز، من أصدقائه الشاعر والكاتب المعروف رزاق ابراهيم حسن والشاعر المعروف عريان السيد خلف والشاعر كريم العراقي والشاعر فاضل عباس الكعبي والشاعر جليل خزعل حمود والروائي جمعه اللامي والشاعر حسن المرواني وغيرهم …
لا أستطيع أن أعدد لكم كل شيء في شخصية جاسم التميمي ، مات الشاعر ولا زالت في نفسه قصائد كثيرة ولا زال فينا ينشد الشعر ويؤلف الكلمات ويلحن الموسيقى الشعرية ويغني للوطن والناس …
يعد الشاعر جاسم التميمي من شعراء جيل السبعينيات وكما عرفناه شاعرا مبدعا يكتب الشعر كما هو سائد في الوسط الادبي وهو يستنطق ذاكرته الرؤيوية بمخيلته
يستحضرها في عبارات مكتنزة وحداثوية بعناصر تأويل وأنساق ودلالات تحليلية تسبغ على النص الشعري جمالا فضائيا يتجول في عتبة النص بمونتاج مسرحي
وأسلوب تنويعي يضفي على فضاء المكان والزمان مغايرة توصيفيه تتحكم في العنونة وبؤر القصيدة وبناءها الدرامي ..
أن قصائد جاسم التميمي تنحو منحا إبداعيا حداثوي التقليد والمعاصرة درامي الصفات والمرجعيات الادبية ، يتخذ الشاعر جاسم التميمي مكابداته الشعرية من تمرد القصيدة على السياقات والمرجعيات القديمة ، متخذا قصيدة الحوار والمنلوج الدرامي ، وهو أسلوب نص وبناء في مهيمنات الوعي واكتمال المعنى والادهاش وتمثل الانزياحات المرتبطة بالدلالة الشعرية ومتتاليات القول الشعري والعبارات المحملة بالصور والتراص الشكلي الذي ينساب فيه ويتدفق الشعور والاحساس النسقي الحامل للشحنة الشعرية المكتنزة بالوصف والتمرد الحداثي الذي يشغل الافكار بالوعي مبتعدا عن جادة التقليد الشعري ومحملا بالثنائيات والتوصيفات الصورية
التي تثري النص وتحرك سكناته الحيوية المستديمة بتقابلات تأويلية نابضة بالحس الشعري كما في مقطع من قصيدة ( كوكب زارني ) … ( أغني لك …. وصوتي ليس جواز مسافر … لان الجوازات قابلة للتنكر … وأنك يا سيدي ، خفقة في العيون … وحلم تعرش فوق صدر الحفاة .. ) …
ويواصل الشاعر تقلباته التجديدية في معظم قصائده …
ففي قصيدة ( أبن الشهيد ) يقول : … ( لماذا النحيب يا أبن الشهيد وتحفر عيناك نهرا … على باب مقهى الرشيد .. وريش الابوة يكسو جناح القطاة اليتيمة … أن كل النجوم توارت …….. وما زال من فوهات البنادق دبً الخلاص … فيا آخر الريح .. يا وطني العرس … نامت جباه الشواطئ … والرمد أحتل عين اليمامة …. وها أنا بين الثرى والنجوم … شقائق دفلى … دمي رخصة … للعبور الكبير ) …
كذلك يتعالى صوت الشاعر في قصيدته الاخرى ( للوطن الساخن ) أذ يقول … (كان الثلج جيوشا … لكن الفرح القادم من الان الورشة يصنع تموز … يزرع في
دمعة الطفل الحائر غنوه .. . فيروز …كان الليل طويلا … وطوابير العمال … طعنوا جوف الظلمة ….. صار الوطن الساخن في أعينهم وشما .. بلل قمصانهم
العرق الحلو .. وعانق ملح أصابعهم صوت الشمس يعلمني … للوطن الساخن رائحة لا يعرفها الا أوسمة الشهداء ) …
ملامح وطنية
أن الشعرية عند جاسم التميمي ملامح وطنية حولت السياقات الدلالية الى رؤى من التراكم المهني الى الوصفي من خلال تداعيات الوطن والبنادق والطلقات المخيفة اذ يقول في قصيدة :
( مملكة البرق ) ، ( هل أثرت الطلقات بجوف البنادق جرعة ماء … يقابلها عشرة من ضحايا المخيم ، هو الحزن علمنا لغة صعبة … المواكب قادمة للهيب .. تدوس بخطواتها ثكنات الجليد .. تلوح كل المناديل صوب العريف المعبأ بالنار … نزً الدم المستقر .. على الدرع والزعتر … انفتحت أرضه لقدوم الشهيد … آن الموعد أن تمسح وجه الارض ، الحزن نفض الاقنعة السود عن الكهنة ) .
أن الشاعر في أغلب قصائده يعتمد على خيال خصب ولغة مركبة بانزياحات شعرية وبنية متآزرة مع العبارات النصية والجمالية التي تتراص مع السياق العياني لذاكرة الاحساس المتوهج في المختبر الشعري الذي يعيش في ثنايا العبارات النسقية…
وهو هنا يقود النص الى مخاض الهوى والفقراء في لحظات الخوف الساكنة في قلب الوطن .. بين الشهادة وصك الميلاد النازل من مملكة الفجر الغارق في الاحزان ….
يقول في قصيدة ( شهادة لرب النار والميلاد ) :
( طالعت عيناك سرا … سورة الاعصار في لحظة خوف … كنت نخلا في دمي … يمتد ما بين الهوى والفقراء … أيها الهابط في مملكة الفجر ليسري … كان في المقهى وفي الشارع ….. في ريش الوسادة … لا تلوموا القلب .. لو مد الشرايين لرب النار والميلاد صكا وشهادة .. ) …
لايزال الشاعر يهتف من أعماق حزنه بالوطن وحبيبته المعلقة في مشاعره الوطنية ، متخذا منها علامة فارقة لاستحضار الوعي الشعري الذي يتدفق من مشاعره النبيلة … ثم يتحول الى فلسطين فتهتز مشاعره بغضب وحماس فيناشد الاهل والمدن والغاصبون من خلال قصيدته ( أغنية فلسطينية ) أذ يقول :
( أيها الغاصبون على الجمر … تأتي الوطاويط والراجمات وغزة تمرح بين الندى والحريق .. أيها القابضون على الجمر والمنجنيق … ويرحل طير الظلام .. فزيتونه في الجليل يغني .. أموت ويحيا الوطن ) .ويظل الشاعر التميمي يستنطق الاشياء في خطاب شعري تتماهى فيه الانساق والتأويلات التعبوية الذي حتم على الشاعر أن يوصفها بالتحريضية والانفعالية فيقول في قصيدة ( ابن الشهيد ) ( هي الحرب … فلتترجل كواكب أشعارنا … فهي في الصمت والحلم والمقصلة … وهي كل الحلول .. وفيها أنطفت رغوة الاسئلة ) .
ويستمر الشاعر في دوامة الوطن المحاصر بالخوف والانكسار .. اذ يقول في قصيدة ( غضب الفاو ) … ( فتصير قطاة الفاو حمامة .. ويحيل الاعداء هشيما. والفاو يكون قيامة)…
ويتمدد الشاعر في دائرة المغايرة ليرسم للإنسان دلالات معنوية تتداخل في أحضان الحداثة الشعرية وهي نسيج ابداعي يتمحور في بناء النص الشعري وتحريك القصيدة الدرامية نحو ذاكرة الوعي المنلوجي في الحوار وتعدد الاصوات اذ يقول في قصيدة ( عند سقوط صافرات الانذار ) ، ( تساءلت لماذا هذا الغموض .. يكتنف وجوه الاصدقاء … ؟ لماذا تكون التجاعيد كركرات الطفولة … متسكعا بالشوارع الموحلة تمتمت بسؤالي المستديم … الى متى أواصل التعب والانتظار واستيقظت الاشياء الراقدة في قاع الذاكرة … فشاهدت صافرات الانذار … تتحطم قرب النهر ) …
خطاب الحماسة
بينما يستمر الشاعر في خطاب الحماسة والتحريض الذي يشيء ال متعة النص السردية التي توفر للمتلقي متعة جمالية يتمتع بتأملها القرائي وعواطفها الجياشة فأصبحت هذه المؤاربة الكنائية ثراءً فنيا مقتربا من نسق الخطاب الحماسي فيقول في قصيدة ( تراتيل للفاتنة كردستان ) … ( هنا حجر – هنا ذهب – هنا لوز – هنا عسل – هنا عنب – … هنا الاكراد والعرب – هنا فتح من الرحمن يقترب … هنا ثلج بقوة جندنا الافذاذ يلتهب – هنا كل العراقيين فوق عدوهم وثبوا) .
أن الشاعر جاسم التميمي يتعانق مع الوطن في أكثر من روح شعري تختزل الكثير من مجتزئات الدفق الوطني الذي تستصرخ الضمير الانساني وتدعوا الى ادانة الحرب والقهر والاستبداد الذي يتجلى في ضمير الشاعر ضمن تجربته الجادة التي تدفع الشاعر للتساؤل عن هموم الوطن المغدور ونجده يقول في قصيدة ( خطاب الى سيدة النذور ) … ( هنا بانتهاء الشوارع والحافلات التي أتلف السهر ركابها .. كنت كالجرح والخجل القروي .. استباح العيون .. هل تركت …. سوى وحشه في الكراسي وخربشة خطها قلم من جنون .. يحق لي الان … أن أخلع الاحترام من العمر …. حان لي الان أن أرفع الاحتجاج قميصا … لتلبسه الطفلة الغافية .. ترى هل ستذكر طعم النذور التي كنت سيدها ؟ تنحني الذاكرة ) .
بقي أن نقول أخيرا … أن الشاعر جاسم التميمي أفاد من تجربة الحرب التي مر بها العراق تجربة ثانية في استغلال البناء الاسلوبي الشعري وتوظيفه في تشكيل القصيدة الدرامية ( درامية الحدث ) والحوار الكنائي الذي يدور حول الاحداث والصراعات الداخلية وبنية الامكنة والاحداث ، كما أن مشهدية القصائد في نسقها البنائي وترتيبها جاءت برصد التعاقب الزمني والمكاني وهناك مسعىً آخر يعتمد على المهيمن الاسلوبي والذي يربط عتبة العنوان بمضمون النص المتقنع بحداثته وبناءه الشعري بأشكال درامية جديدة وسريعة الومضة الشعرية …
لقد استطاع الشاعر الراحل جاسم التميمي من بين مجايليه أن يخط له طريقا شعريا لا يشابه غيره من الشعراء خاصة في قصائد وشعر المعركة … اذ أن أغلب سماته ومفرداته الشعرية جاءت على أنساق تداولية بتأويل سردي متقن الحركات والانتقالات الشعرية على مستوى العبارة والصورة الشعرية التي أغنت منجزه الشعري وقلبت مواجعه المنطقية لاستجلاء المسرات والاحداث الصادقة في مفردة القصيدة العسكرية وهذا ما أكسب منجز الشاعر وطوره للارتقاء والوصول الى حفريات الشعرية الجديدة التي انظمت الى خطاب الشعر الجديد وفقهه الحداثوي في المشهد الشعري العراقي .
من اخوانه توفيق التميمي الذي ترأس في ما سبق الملحق الثقافي في جريدة الصباح فسلام عليك ايها الشاعر الرقيق يا صديق الطفولة والشعر والاغنيات ، وسوف لن تنساك الكلمات والمشاعر والوطن .






















