تساؤلات بلا ضفاف

تساؤلات بلا ضفاف

صلاح الدين خليل

منذ مدة طويلة وانا اقرأ واتساءل او اعجز عن التساؤل والاستقراء الصحيح تلك الافكار التي هي عبارة عن محاورة للطبيعة والاشياء المحيطة وقد انسجم مع ذاتي فاجد ان الوحدة قد غلبت التنوع وقد تستبد بي الهواجس فأجد ان التنوع هو اصل كل فوضى يقع فيها عقل الانسان بحيث يعجز عن ايجاد الخيط الذي يشده الى الحقيقة في خضم هذه الكثرة من المواد الواقعية مضافا الى الصور التي تنعكس عنها مضافا الى مايدركه منها العقل بواسطة التجريد او التجربة بواسطة المحسوس والملموس من الاشياء وما تسعفه منا حواسنا وما نستطيع ان ندركه او نعقله بواسطة الالات الفاحصة للطبيعة او المجسات التي تمكننا من النفوذ الى دواخل الاشياء او داخل الذات ويبدو اننا لم نخترع لحد الان ماهو افضل من –  الكلمات –  التي مر على صنعها الاف السنين واذا اردنا ان نعبر عن افكارنا ولم نجد وسيلة اخرى للتعبير غير هذه الادوات الاصطلاحية وهذا النسق من العلاقات فنحن نعبر بالكلمات عندما نكتب الشعر والقصص والتاريخ والجغرافية والادب والمجتمع والبحوث النفسية والفلسفية والسياسية والسباب والشتائم واعمال السحر والدين .. لانملك الا هذه الادوات . اذ ليس هناك لغات اخرى خاصة بالفلسفة او العلوم الاخرى الا تلك الاصطلاحات التي تزداد غموضا يوما بعد يوم وقد اشتقت من اللغة العادية التي يستعملها الانسان والتي كثيرا مايعتورها اختلاف لانها لاتملك صلاحية كيميائية والجبر والهندسة والتي نعبر عنها ايضا باللغة العادية مع بعض الرموز والمعادلات فاننا لانضطر ان نخلط الكلمات حين نحتاج ان ننتج مركبا من عنصرين او اكثر بل نخلط مواد مما يجعل اللغة التي تعبر عن هذه العملية عملية توثيق كمحصول حاصل فالمسألة الرياضية حتى لو حلت بشكلين وجب ان تؤدي الى نفس النتائج في كل مكان من الارض وكل زمان هذا مايجعلنا نتقبل الارقام المجردة لانا نجدها اصلب عودا ليس في التعبير عن رؤيتنا للعالم او في التعبير عن ذواتنا بل في علاقاتها ببعضعها وفي مجالها وكذلك نجد الامر نفسه في مجال الكيمياء والميكانيك بالرغم من ان كتب الكيمياء مثلا تستعين للتعبير عن مصامينها ايضا بنفس اللغة التي اكتشفها السومريون قبل الاف السنين وذلك في شرح العلاقات بين المواد للقارئ او الباحث كما نشرح احداثا تاريخيا او روايات ومثل هذا في الميكانيك وباقي العلوم النظرية او العملية التي يدخل فيها الرسم التوضيحي اليدوي اضافة الى رسوم الكاميرا مع بعض الرموز ظهر الكهرباء والقاطرة وطرق حفظ اللحوم وحفظ المعلومات والحاسوب والروبوت .

ولكن بقيت هناك ما نسميها الحقائق الخلفية او الما ورائية او المطلقة وربما لاتعد هذه بنظر البعض الا تسميات فارغة لاشياء نتصورها دون ان يكون لها وجود الا في اوهامنا … اين الخلل ربما يكون كامنا في نفس الكلمات التي اخترعناها والتي ليس لدينا غيرها او الطريقة التي سمح لنا بها العقل ان نفكر بها لانه ليس امامه غير هذا وهذا ماجعل المفكرين يحاولون ان يتصوروا ايجاد انساق رياضية قادرة على تفسير كثير من الظواهر بعد ان عجزت الانساق الحيوية او الميكانيكية . وهل نضن اننا قادرين على ان نفهم أي شيء بتقسيم العالم الى اشلاء ممزقة ويختص كل واحد المسخ الذي اختاره ليقول هذا اختصاصي فيغرق في بحثه وتؤلف في هذا المضمار الاف الكتب ولكن تبقى النهاية مفتوحة الى ما لانهاية أي الى لا شيء … مدعين ان الحقيقة في حالة صيرورة وكأن ليس هناك من ثوابت …

ترى متى تعترض الطبيعة على تطبيعها ومتى تعترض الاشياء على اسمائها ؟ رب يوم تجد الاشياء وسيلة ما ترينا بها اننا كنا نتلاعب بالفاض في منأى عنها ؟ يبدو ان المعرفة اصعب الاشياء وان الابداع اقصر مسافة بين نقطتين العقل والذات : ارسم لوحة .. اكتب اغنية الف لنا اخترع شيئا في العلوم العملية تجد ان الامر لايختلف عن الانتصار في معركة او عن لذة الجنس او الطعام الا انه احتفظ في داخله منك حقيقة خالدة .

عالم الحيوان بلا لغة وبلا ادوات وبلا ملكية خاصة أي بلا تمايز خلقي ربما يستأثر القوي بالانثى والطعام فيقبل خصمه الامر لانه يفهم بلا لغة ان قانون الاختيار والقوة الطبيعي يتطلب هذا … نحن لانريد ان نكون نسخة من هذا لاننا بشر ملعونون وان كون الانسان انسانا أي انه مالك للقدرة على التفكير شد عن الطبيعة وشق عصا الطاعة على طبيعة الطبيعة ليصبح لا طبيعيا بل انسانيا فهو عندما يشاهد يبدأ بالتفكير وعندما يبدأ بالتفكير يحاول ان يفهم وعندما يجد الوسائل للفهم يحاول ان يستعملها وعندما يستعملها يشخص الخلل يصيب او يخطئ وعندما يخطئ يبرئ غيره لهذا الامر فيدلو بدلوه وهكذا تتولد الافكار وتتغذى على بعضها البعض وتتلاقح وتستمر في حالة جدل مع الذات والمحيط ولا بد من ايجاد حل لمشكلة الانسان وعندما تستقر اموره يعود الى التفكير بما نسمح لانفسنا بتسميتها بالامور المطلقة فيعود الى التفكير ببنيه كل الاشياء وخلفياتها ولا اعني كل الناس يفكرون بهذا بل اكثر البشر يعتبرون التفكير في هذا مضيعة للوقت .

الفلسفة هي اخر ما يلجأ اليه الانسان لمعرفة بواطن الاشياء ومعناها وقد تخطر على بال الطفل وهو يسألك من الذي خلقنا وخلق كل شيء فان قلت له –  الله –  سأل ومن الذي خلق –  الله –  فهل تقول له بان الله قد خلق نفسه وهذه مغالطة فكيف يخلق الشيء نفسه اذ يقتضي ان يكون خالق الشيء موجودا قبل ان يخلقه وان وجد هذا الشيء فهو لايخلق نفسه اذ لابد له من واجد وهذه ملابسة شديدة التعقيد اوقعنا فيها طفل بمجرد سؤال واحد فكيف اذا واجهنا الكون بعديد من الاسئلة مثلا: من اين جاءت مواد الكون الاولية .. لقد اوجدها الخالق الذي هو ليس مادة من العدم فكيف يأتي الموجود من اللاوجود ؟

حسنا لنفترض ان الله الذي هو روح منبثة في كل مكان قد اوجد المادة .. حسنا من اوجد المكان ؟ كيف تكون الفضاء ؟ هل نستطيع ان نقول ان الفضاء كان غير موجود حتى اوجده الله .؟. اين كان الله قبل وجود المكان ؟ نعم ان الله روح والروح غير متحيزة أي انها لاتشغل حيزا من الفراغ فهي ليست بحاجة الى حيز يحتويها؟ ولنقل ان الله قد اوجد الفراغ فكيف كان اذن شكل الكون؟ ، كان عبارة عن عدم أي انه بالتعبير الرياضي –  صفر –  هل يمكنك ان تتصور كيف تحول هذا الصفر الى اللاوجود فاصبح بهذا الحجم اللانهائي؟ اذ ان الكون ليست له تخوم وهو بلا بداية او نهاية والاقرب للمنطق ان الفضاء ذو وجود مطلق أي انه ليس بحاجة الى من يخلقه، لان العقل لايمكن ان يتصور عكسه وحتى الفناء هو ليس عكس الفضاء اذ ان الفضاء ليس له كلمة منافية لانه واجب الوجود ولايمكن عدم تصوره او الغائه كما اننا لايمكننا ان نقول عن المكان او الفضاء بانه لاشيء، لان له ابعادا وهو محتوى الاشياء ولايمكن ان تضع الشيء في لاشيء فالحيز هو شيء … اذن فالفراغ او المكان هو شيء وعكسه هو اللاشيء ولايمكننا ان نتصور –  اللاشيء –  اذ ان الفضاء هو من نوافل الموجودات في الكون ولكن ببساطة يمكنك القول ان عكس الحيز هو العدم وعكس النور الظلمة وعكس الكثرة هي القلة كما يمكنك ان تتصور ان عكس –  الحذاء –  هو عدم وجود حذاء ولكن كيف تتصور عكس الفضاء او عدم وجود فضاء؟ وكأن الامر امر تصور بشري.

لنأتي الى اشكالية اخرى … ما الذي استغرقناه من الوقت منذ ان بدأنا نفكر بهذه المشكلة حتى هذه اللحظة ؟ انه الزمن .. فما هو الزمن ؟ هل هو لاشيء ايضا ؟ وكيف نعرفه ؟ وهل يمكن ان نتصور ان الله قد خلق الزمن ابتدأه من نقطة معينة … فماذا كان قبل هذه النقطة ؟ الم يكن هناك زمن ؟ قبل هذا الزمن ؟ ببساطة نعترف ان الزمن ازلي وابدي وسرمدي ليس له بداية ولا نهاية كالمكان الا ان هذا يعرف بالمساحة والاخر يعرف بالاحساس او باي شيء اخر.. مثل الساعة وحركة الشمس بشكل اصطلاحي اذ لانعرف ماهو الزمن المطلق فما زلنا نتكلم بالنسبي لاننا نسبيون وربما لايوجد ماهو مطلق الا في تصورنا المحدود ولا وجود للأشياء في المكان فقط اذ لابد لها ان تستغرق زمنا كي نعرف به اذ ان رؤيتها ليست متوقفة على المكان الذي تحتله فقط بل على الزمان الذي يستغرقه وجودها فيه او رؤيتنا خلاله لها …