راهب الخمر يعاقر كأسه في قصائد الركابي.. ملامح نفسية لمعاناة مضمرة
طلال سالم الحديثي
بيني وبين شعر الشاعرة العراقية ميثاق كريم الركابي صلة تمتد الى بضع سنوات إبتدأت بانتباهي إلى شعرها حينما قرأتهُ على صفحتها في ( الفيس بوك ) ، وصرتُ حريصاً على مُداومة قراءته وتتبعهِ دون أن أعرف من أمرها شيئاً . وكنتُ أحسُ كقارىء بمتعة وجدانية حينما أقرأُ ذلك الشعر الذي تنشره لأنني أجدُ فيه ما في الشعر النابض منْ بلاغة الصور وثراء المعاني ورعشة الكلمات .وتوثقت صلتي بشعر ميثاق الذي تنشره على صفحتها الفيس بوكيه بأسم مستعار تبدو فيه ملامح نفسية لمعاناة مضمرة وهو ( بكاء القبلات ) وهذا الأسم أو الكنية هو الآخر فيه صورة متخيلة رامزة جسدت الحياة للقبلات ومنحتها صورة الإنسان الذي تبكي عيناه ، وعلينا أنْ ننظر في أمر هذه العينين الباكيتين ولِمَ تبكي ؟!حتى إذا صدرت مجموعتها الشعرية الأولى عن دار الجواهري في بغداد تحت عنوان ( راهب الخمر )عرِفتُ بل أدركتُ منابع الألم والمعاناة التي تصطبغ بها كلماتها ا والتي تكاد لاتخلو منها قصيدة من قصائد المجموعة ، فراهب الخمر كأسُهُ ملأى بالحزن ، وما بينه وبينها ( تاريخ ألمٍ مجهول )و( بلاد أمنيلتها مثخنة بالجراح ) و( لحنها محترق ) وهو سرُ الشرارة على أطراف قصائدها لأنها كانت وما زالت حرفاً نازفاً يصلي لأله المرارة ، وصدرها ( مختنق بالشعر ) و( الشعر مختنق بالدمع ).ولن تأتي هذه المفردات النازفة من فراغ لأن الألفاظ إنما يستخدمها الشاعر لتتآلف على إيجاد صورة الوضع الذي يوجد فيه ، وهي0 امفردات ) تشكل الصورة في وعيه كوسيلة تنظيم للتجربة التي يعبر عنها بأسرها، فالتجربة ذاتها _ أي أمواج الدوافع التيتندفع خلال العقل __ هي التي تأتي بهذه الألفاظ وتعتمدها ، فالألفاظ إذن تمثل التجربة نفسها لأنها ضربٌ من الإدراكات والأفكار ، ( مناهج النقد ، ديفيد ديتش صفحة 213 ) .هذا الألم مُفتتح التجربة الشعورية التي سوف تأتي عبر مجموعة ( راهب الخمر ) لتجسد التعبير عن الذات ، والتعبير عن الحلم الذي هو مصدر الشعر في نفس الشاعرة ، ومنه أيضاً تنبع الرؤيا التي تتخذ شكلاً ذاتياً أو تأريخاً فردياً منه ينبعث الوعي المتجذر في أعماقها والذي هو نسغ قصائدها التي ستعدد صورها وأشالها في مجموعة قصائدها اللاحقة .فليس الشعر وسيلة للتعبير عما يجيشُ في النفس اللغنسانية من إنفعالات ومشاعر ، في مواجهتها الدائمة مع مظاهر العالم الخارجي وأحداثه فحسب ، بل هو طريقة لممارسة الحياة ، ومفتاح الدخول الى أعماقها ومشعل لأضاءة دهالزها المعتمة ، وجسر لوصل ما إنقطع من وشائج بين الإنسان وبين أشياء الوجود ، منذُ أنْ ظهر الإنسان ككائن مستقل في هذا العالم .ولا أشكُ أن هذه الرؤية للشعر هي وحدها التي تستطيع تفسير ذلك التلازم العجيب بين وجود الإنسان ، وبين ممارسته لهذا الفن السحري .وإذا كان الشعرُ رؤيا لأدراك الحلم القابع في الأعماق ، فإنه أيضاً الضوء الذي ينير الأعماق ويكشفها لينبعث منها النور .سيسيل دي لويس أعتبر الصورة الشعرية ( رسماً بالكلمات ) إلا أنَّ هذا الرسم لن يكون رسماً يتعلق بالشكل دون المضمون، ولكنه الرسم الذي يحقق تكاملاً بين الشكل والمضمون وهو التكامل الذي ينتج نصاً مؤهلاً لحمل معطيات الشعرية الفياضة التي تمنحه قبول القارئ .فالصورة الشعرية في شعر ميثاق الركابي تجسد المعنى وتزرعه في ذهن القارئ واضحاً بملامحه ومضمونه ، وهي ليست صورة شكلية فالاغة أو مبهرجة ، ومن صورها الشعرية النابضة قولها في قصيدة ( كيف أصفك ) :
أدق صخر المحال
فينبع حبك
ويُضيءُ همسك بظلمة شقائي
وقولها في ذات القصيدة :
بعينيك ألفُ كوكب
وكل كوكبٍ بلونٍ يسطع
وقولها في قصيدة ( جرحي ثورة :
ضجرة صباحاتي
وهي تحتضنُ ذبول زنابقي
من حقول النوائب
أسرق رحيق الشعر
وقد استطاعت الشاعرة ميثاق إستثمار الخيال وتطويعه في خلق كثير من الصور والبنى الشعرية بشكل واضح وخاصة في قصائدها التي تستوحي تأريخ العراق القديم لتقدم صوراً شعرية فيها نبض الحياة .
وهي تستثمر أيضاً لغتها لتصوغ ألفاظاً غنية الدلالة ورهيفة التعبير وشفافة تعتمد الجِرس وتتناغم بالموسيقى لتجعلها تحتضن تجربتها الراعشة .
وإذا كانت اللغة بإعتبارها وسيلة الشاعر وأداتهُ في التعبير عن أغراضٍ بشمولها الإنساني ، فإن الإختيار الملائم للألفاظ وترابط الصوت مع المعنى فيها هو جزء من الطريقة التي يحققبها الخيال بلوغ النظام الأمثل ، ويجعلها قادرة على إيصال التجربة الشعورية الى المتلقي وخلق حالة من التقارب والإنسجام بين الشاعر والقارئ .
تقول في قصيدة ( أَدينُ لكَ ) :
أدين لك …
بوطنٍ من الورد
ومائة معجزة أذهلت
جنون الشعر
اليوم الشمس تغازل نافذتي
وأنا أقطف من شفتيك
رياحين الشغف
أحبك أغنية .. لحنهُها
عشرون عاماً من الحزن
وليس هذا كل ما عند الشاعرة في مجموعتها البكر ( راهب الخمر ) ، فالمجموعة غنية بالصور الشعرية التي تصوغها بشفافية تُنبىء عنق تجربتها الوجدانية الثرة بينابيع الشعر الصافية ، وهي رغم معاناتها على المستوى الشخصي والعام إلا أنها تحاول أن تبدو شاعرة تجيد السباحة بمياه الشعر الصافية ، وهي بمجموعتها الأولى هذه تضع قدماً ثابتة على أرض الشعر متطلعة الى آفاق تمتد الى مشارف الشمس.
وإني على يقين أن مجموعاتها اللاحقة ستحقق الإنجاز المرجو من شاعرة شابة حفرت إسمها بإصرارٍ وعزم لم يتهيأ لمثلها . فلها تقديري كشاعرة بين الشعراء .. شاعرة واثقة الخطى والعزم






















