بعد خسارة الفرصة السانحة
الذاكرة المقوتة بكتاب (رامبو) وحكاياته المتشردة
فاروق مصطفى
لا اتذكر ان كتابآ مثل كتاب (رامبو : قصة شاعر متشرد) تأليف الكاتب السوري (صدقي اسماعيل) سحرني واشعل مخيلتي وما فتىء يشعلها ، واذكر انني عرفت الكتاب عن طريق احدى المقالات التي كتبها (رجاء النقاش) وكيف انه وشقيقته وحيد وعطا كانوا يتزاحمون على الكتاب ويتنافسون في قراءته وعبر هذه المقالة عرفت طريقي الى الكتاب وظللت اقرؤه مرة تلو مرة الى درجة انني حفظت عناوينه والمقتطفات الشعرية التي بواسطتها يمهد لها ، وبقيت الى اليوم اردد هذه المقتطفات واوظفها في العديد من كتاباتي . في قراءتي الاولى للكتاب الذي وقعت عليه عن طريق استعارته من احد الاصحاب ، وبقيت نفسي عالقة بأمتلاكي نسختي الخاصة بي . وانا في احدى رحلاتي الى اسبانيا وفي طريق العودة بسيارتي عبر بلاد المغرب الى الجزائر مررت بمدينة (فاس) ، ركنت سيارتي في احد الشوارع وطفقت اتسكع في اسواق المدينة التاريخية ، استوقفتني واجهة احدى المكتبات فظللت اقرأ عناوين الكتب العربية المعروضة واستعرض عنوانآ تلو عنوان فإذا باصرتي تقع على عنوان الكتاب الذي احلم به (رامبو : قصة شاعر متشرد) ومن مطبوعات كتاب الهلال ولكن يا لخسارة الفرصة السانحة لي اكتشافي ان المكتبة مغلقة وعبثآ اردت ان اعرف من اصحاب الدكاكين المجاورة متى ستفتح ابوابها ولكن جهودي ذهبت سدى ، ولم يكن في مكنتي الانتظار لانه كان لي موعد في مدينة (تلمسان) ولابد من وصولي الى مقر عملي في (قسنطينة) وفي عين الوقت كنت احمل حقيبة دبلوماسية ملأى بالفرنكات الفرنسية بعد ان حولت تحويشات اصدقائي من العملة الجزائرية الى العملة الفرنسية . المهم ضاعت مني فرصة امتلاك الكتاب ولكنني لم ايأس كنت دائمآ امني النفس بالوقوع على نسختي الخاصة ، وفي قسنطينة حيث تشعب الحديث مع الصديق (جروة علاوة وهبي) وهو قاص واعلامي وصحفي يعمل في جريدة (النصر) القسنطينية ، ذكرت له اسم (رامبو) وحكايته مع فرلين وكيف عرب (صدقي اسماعيل) حكايتهما في كتابه المشهور وحلمي بقراءة الكتاب قال لي انه سوف يعيرني نسخته وللمزيد من المطالعة والتعرف عليه قرأت الكتاب وظل عندي اكثر من شهر وعندما اخبرته بأنني اهوى الكتاب قال لي تستطيع الاحتفاظ بالنسخة وهي للعلم من مطبوعات دار الهلال لعام 1969 عندما كان يرأس (رجاء النقاش) طبع هذه السلسلة وانا بدوري اهديت صديقي (علاوة) كتاب (سعدي يوسف) الذي حمل عنوان (الاخضر بن يوسف ومشاغله) وكان قد وصلني من العراق وقد فرح به صديقي كثيرآ . في صائفة 1974 وانا في طريق العودة الى العراق قدت سيارتي عبر شمال افريقيا الى الاسكندرية على امل شحنها بحرآ من هناك الى بيروت واكمال رحلتي الى العراق الا انني وجدت البواخر كلها محجوزة ولم اجد مكانآ لشحن السيارة الا بعد سبعة عشر يومآ من وصولي الى الاسكندرية . دفعت تذكرتي الشحن والركوب وعاينت جيبي فوجت امتلاكي القليل من الفرنكات الفرنسية فتنازلت عن مذياعي وساعتي اليدوية المبرجزة حتى احصل عن طريقهما على بعض الجنيهات المصرية لأنظم حياتي . نزلت في فندق متواضع يستلقي على طرف من اطراف شارع عباس محمود العقاد وفي نفس الوقت لم ابخل على نفسي في مشاهدة اجمل الافلام التي كانت تعرض في صالات السينما فأنا مجنون السينما وعاشقها بأمتياز وكل هذه الايام كان كتاب رامبو انيسي وصديقي ومخلصي اقرؤه في غرفتي او انا ارتاض على شواطىء البحر وحتى وصولي الى كركوك ومباشرتي في مدرستي القديمة عرفت تلاميذي على الكتاب وقصصت عليهم حكاية الشاعرين (رامبو و فرلين) وكيف عدا من الشعراء المنحطين وكنت دائمآ اتوتر واقشعر وانا اردد مع نفسي قول رامبو ” لم اكن انا الذي يكتب بل كان يملى علي ” وهذا ما يفسر سكوته عن الشعر وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره وقام احد تلامذتي ممن احبوا حكايات الشاعر ومغامراته بتجليد الكتاب بغلاف انيق وهذا التجليد مما وقى الكتاب من عثرات الزمن وتشققاته المفسدة فالكتاب يبدو الان انيقآ بالرغم انه مر اكثر من اربعة عقود ونصف على طبعه . ولم ينقطع هواي عن الكتاب بقيت اصحبه معي في جولاتي فبعد رجوعي من المدرسة في الظهائر المتعبة وبمجرد تناولي الغداء كنت اخرج الى منطقة (عرفة) واتردد على المكان الذي تخرج منه سكة الحديد حيث القطار الفضي المخصص لنقل العمال في شركة النفط الى مقرات عملهم الا ان القطار احيل الى التقاعد وترك يقدم ويتهرأ تحت امطار الشتاء ، ثم هناك الكهريز الساحر الذي تتسقسق امواهه بعذوبة وروية وبين السكة والكهريز امد يدي الى درج السيارة فاخرج الكتاب ثم اتلو الفصول التي لا ترتوي منها النفس فأتخيل رامبو و فرلين وبودلير و مالارميه وفكتور هيجو واشعارهم الرمزية واقوالهم التي تبلسم الروح والجسد الحزين ، ولكن في احد الايام وقف عندي احد ضباط الشرطة فسالني ماذا تفعل هنا؟ قلت له كما ترى انني اطالع قال هذه منطقة عوائل فانت تعكر صفوهم وهدوءهم ورفعت رأسي فوجدت البيوتات بعيدة عني فكيف اعكر صفوها وهناءها . قال لي لا تعد الى هذه المنطقة ثانية قدت سيارتي وانا اودع الكهريز الساحر ولم ادر انه يأتي يوم وينسف الكهريز بأكمله ويغتال هذا المعلم الكركوكي بهذا الدم البارد وفي وضح النهار . في رأسي تتسكع المقتطفات الرامبوية وانا مع نفسي ارددها في صباحاتي ومساءاتي ويقفز مقتطف منها على طرف لساني ويعلو صوتي ” فتحت عيني على نافذة بيضاء ” وإذا نافذة غرفتي تنفتح على مصاريعها فأرى العصافير التي حلم رامبو بتغريدها وارى الصحارى والبحار والبراري الفساح ثم اشاهد اطفالآ يتدحرجون على معارج كركراتهم وزهورآ تهدى الى سيدات كركوك وهن يهبطن من منطقة المصلى الى شاطرلو واشق طريقي الى حلم ادخله اتوسده واتسول عينيه المرنقتين بالكلمات المفرحة .






















