وارد بدر السالم في شبيه الخنزير.. السردية الغرائبية وتفتيت الثوابت

وارد بدر السالم في شبيه الخنزير.. السردية الغرائبية وتفتيت الثوابت

محمد جبير

لم يقدم القاص والروائي وارد بدر السالم  في الطبعة الثالثة لروايته  – التي لااتردد في اطلاق صفة المهمة بحقها –  مسردا بيلوغرافيا عن حياته واصدارته القصصية والروائية ، كما اعتدنا ان نراه في اصدارات كتاب اخرين لتعزيز رصيد قناعات المتلقي بهم ، الا ان كاتبا مبدعا مثل وارد بدرالسالم وبعد هذا المشوار الابداعي الذي تجاوز ثلاثة عقود ومجموعة من الاصدارات التي توزعت بين القصة القصيرة والرواية والنصوص النثرية وكتب الرحلات  لايحتاج  الى تقديم مغريات جذب المتلقي وانما اصبح كل اصدار جديد هو اغراء مضاف للمتلقي .لم تتبلور هذه القناعات بشكل بسيط وانما تاسست عبر مراحل متعددة وتنقلات اسلوبية عدة ليستقر  الى اسلوب يميزه في كتابة النص الابداعي او في رؤيته لعرض الواقع والافكار والرؤى والتصورات التي يحمل بها النص السردي ، ولايمكن لتلك  الرؤى الخاصة ان تكرر في النصوص الابداعية وانما قد تنمو وتتطور من نص الى اخر باساليب متنوعة فنيا لاسيما اذا كان ذلك الكاتب يحمل رؤية ناقدة وفاحصة وكاشفة لادق التفاصيل المجتمعية في قاعه او لدى  نخبه التي تتصدى للقيادة ، لذلك دائما مانرى هناك تصادما بين القاع والقمة لتنكشف من خلال هذا التصادم او الصراع حقائق  كانت غامضة او مغيبة.وغرائبية ” شبيه الخنزير ” ترتكز في جوهرها على هذا الصراع القيمي بين السلطة والانقضاض على مهيمنات السلطة ، لكن النص السردي ليس هذه الجملة فقط وانما في ادارة البنية التكوينية للحكاية في شكلها العام والتي تتشكل امام عين المتلقي  عبر تدفق الكلمات في فصيحها وعاميها المتداول وهو ما  اضفى عليها رائحة المكان وفضائه ومناخه ، فاللغة الدراجة هي ملح الكلام والحياة في هذا المكان او ذاك .لم يكن وارد مستكينا او متماهيا مع الوضع العام منذ ان عرفته في نهايات سبيعنات القرن الماضي فقد كان شابا متمردا على كل الترهات الاجتماعية والثقافية والسياسية ، ودائما الشرود الذهني حتى وان كان يجالسك او يتخطى معك لمسافات بعيدة فقد كان هم التفكير بالاشياء والموجودات التي تحيط بالانسان العراقي هو الشغل الشاغل بالنسبة له ، ولاينقطع التفكير به ومن هنا كان وارد يبحث لنفسه عن خط في الكتابة يميزه عن اقرانه من الكتاب ممن سبقه او من مجايليه ، حيث لايحب ان يكون نسخة مكررة من الاخرين، وانما ان يكون نسيج خاص ، يكتي وفق مايراه او يتصوره ولم يقرا الواقع في يوم من الايام بعيون اخرين وانما كانت عينه لاقطة لما لاتراه عيون الاخرين .واذا اردنا الكتابة عن وارد فاننا نسنطيع ان نلمس مراحل مختلفة في حياته الابداعية ومحطات متميزة في كل مرحلة من هذه المراحل ، وهذا امر قد نعود له في وقت لاحق ، الا ان مايهمنا في هذه الاثناء ، هو نصه المميز الذي يرقى الى مستوى نصوص عالمية خالدة ” شبيه الخنزير” والذي ينتمي الى مرحلة الكتابة عن الاهوار كمكان والى التجريب الواقعي الغرائبي كاسلوب فني ، اذ يعد هذا العمل تتويجا ابداعيا لهذه المرحلة التي ابتدأت بنصوص ” المعدان” و” مولد غراب”  ليرسم قمته الابداعية في هذا النص المدهش ، واذا كانت تلك النصوص قد تمحورت على نماذج انسانية في بيئة مغلقة ، فانها من حيث الهم الانساني العام تمتد الى نصوص سابقة ، بدات مع ” ذلك البكاء الجميل- 1983″ حتى اخر نص كتبه بعد ” شبيه الخنزير” حيث ان الهم الانساني لايقف عند حدود نظام او سلطة مهمينة وانما يعرش في نفوس وذوات مختلة تعيش في كل الامكان والعصور .لا انكر اني احب قراءة وارد ونصوصه وقد اجد تطابقا او مشتركات فكريه بينه وبين سراد  نصوصه وهذه من حسناته الابداعية ، لكنه لم اره في يوم ما بعيدا عن الهموم الانسانية العامة سواء ان كان يكتب عن الريف او الاهوار او المدينة او مدن وعوالم خارج بلدته ، وهو مايبقي خيط التواصل مستمرا بين كل نصوصه وان اختلف نوع ولون تلك الخيوط الانسانية الرابطة في النص وارى في اتقانه لصنعة التعبير عن عوالمه المحلية وتقديمه لها باحترافية عالية منطلقا نحو العالمية ، اذ ان العالم يريد ان يعرف مايدهشه ومايصدمه في عالمك المحلي المغمور والغائب عن عين المتلقي.سحر هذا النص يكمن في عدة عوامل ساعدت على تميزه ، اولها جرأة طرح الموضوع الغرائبي ، وكذلك تقديم وعرض خلفيات الحال الانسانية ، وماتلا ذلك من حوادث وتداعيات وصراعات قد تؤدي الى حقيقة كشف الامور الغامضة في الصراع بين الشيخ وسليمة زوجة شبيه الخنزير ، وانكشاف عورة سلطة الشيخ امام رجال القرية في نهاية المطاف عندما قرر المواجهة مع ” لازم- شبيه الخنزير” واطلق يد رجاله في البحث عنه داخل الاهوار وقتله، ولكن هل يمكن عد حكاية وارد هذه حكاية برئية ، تتحدث عن واقع اناس في يعيشون في مجتمعات مغلقة في الاهوار؟ ام انه يمكن ان نقرأ الوجه الغاطس من هذه الحكاية الغرائبية عن طريق المقاربة الواقعية ؟لم يكن هذا النص بريئا كما هي نصوص وارد الاخرى والا فانه لن يكتبها ويرمي بها في سلة المهملات كما انه لايكشف عن  عدم البراءة بسهولة امام عين الاخر لاسيما اذا كانت عين السلطة او ادواتها المهيمنة هي اعين خنازير محمرة غضبا مستعدة للانقضاض على الاخر في اية لحظة من اجل سحقه ، لذلك تبدأ لعبة السرد وتنويعاته في سرد الحكاية في وجه متعددة حتى ان من كثرة التدفق السريع في الحوادث وتلاحقها تزرع الشكوك لدى المتلقي في ان هذا النص هو نص واقعي وان الاخرين ينظرون الى هذا الانسان الراقد على فراش المرض ” لازم” بانه تحول الى خنزير او شبيه له ، هكذا شبه لهم ، وتداولو الحكاية واشاعوها بين العشائر حتى ان السارد راح يتماهى مع هذا الوهم السردي ليرسم القناعات الواقعية لتحولات لازم وتمادي الشيخ الطامع بزوجته الجملية والتي رفضته وارتضت لازم زوجا وحبيبا وبقيت مخلصة له حتى بعد ان اشيع عنه هذا التحول الذي تالفت معه.يكتب وارد نصه هذا من منطلق رفضه للواقع ومهيمنات السلطة على مقدرات الانسان ، ذلك الانسان الذي يريد ان يتحرر من ذل وعبودية تلك السلطة مهما كان شكلها او وظيفتها ، وبغية اتقان هذا النص ، بقي يشتغل عليه لمدة اربع سنوات منذ” 1997_ وحتى 2002″ لتكون وثيقة ابداعية دامغة لدموية سلطة ارادت قتل الانسان وتشويه انسانيته في هذه المناطق عبر تجفيف منابع الحياة ، لكن هذا الانسان يستنهض قواه الداخلية ويتمرد على سلطة الشيخ والعشيرة من اجل اثبات وجوده كانسان وهو مارسمه وارد في المشهد الاخير من هذه الحكاية حين جثم ” لازم – شبيه الخنزير” على صدر الشيخ ” شبوط” وبقي منتظرا بين الوجوه باحثا عن الفرح في عيون زوجته ” سليمة”  فقد” اطلقت سليمة بلسان صاف ، كانت هلهولتها تشق الصباح المحترق .. فيما اطلق اولادها الثلاثة صليات من اطلاقات ، ضل صداها مترددا في الفضاء الازرق الفسيح ، وكان لازم شاخص النظر اليها بعينين اغرقتهما الدموع ، وكان واضحا لنا انه اخذ يتململ وانه سيترك الجثة وينهض متعافيا ليعانق سليمة”” الرواية- ص168″.