الكاتب والروائي الكبيرعبد الرحمن مجيد الربيعي: مئة عام من العزلة أصابتني بالدهشة
حاوره – عذاب الركابي
. عبد الرحمن مجيد الربيعي .. الكاتبُ والروائيّ الكبير ، صوت الإبداع العراقيّ الأنقى ، وابن الجنوب المفتون بفضاءاتهِ ، وهموم أناسهِ ، وهو يضبطُ نبض قلبهِ على إيقاعاتِ أمواج الفرات ، ويحلمُ بصباحٍ ممطرٍ دافئ لكلّ إنسانٍ ، عشقهُ صلاةٌ واجبةٌ .. قلتُ عنهُ في حوارٍ سابقٍ ، قبل سنواتٍ – تصدّرَ كتابي المعنون “عبد الرحمن الربيعي وأسئلة الزمن الصعب ، الصادر بتونس عام 2004: إنّهُ سفير الثقافة العراقية بامتيازٍ!
كاتبٌ غزيرُ الإنتاجِ ، مثابر بحماسٍ مِن أجل التواصل الدائم ، حميميّ وهوَ يبني كلّ يومٍ علاقاتٍ صباحيةً جديدةً، الإبداعُ الجاد والمثير ليسَ لهُ عمر لديه ، ولهذا هو صديق الكلّ ، يشرعُ نوافذ قلبهِ لشباب المبدعين ، وللكبار في الآن .. نزيفٌ لا يتوقف ، سكنهُ الدائمُ الكلمات ، وطنهُ الأمثل بجغرافيا كلّ الأكوان .. الكلمات كلّ ما يملك ، وحدها الّتي يُفوّضُ إليها أمره ، ويُفضي إليها بأسرارهِ ، ومكنون قلبهِ وهواه العروبيّ والإنسانيّ ، الطافح بآياتٍ الحميميةِ والتواصل ..!!
عبد الرحمن الربيعي رمزٌ كبير من رموز الثقافة والأدب والإبداع العراقي والعربي ، رصيدهُ أكثر من خمسينَ كتاباً في القصّةِ القصيرة ، والرواية ، والشعر، والنقد ، والسيرة الذاتية ..حاضرٌ في المشهدِ العراقي باستمرار ، رُغمَ بعدهِ عن العراق ، وبقوةٍ في المشهد الثقافي – الإبداعي العربي .. وهو سندباد خفيف الظلّ ، ألغت ذاكرته وثقافته كلّ حدودٍ من خليج الوطنِ وحتى محيطهِ .. إبداعهُ المثير سبقَ اسمه إلى جغرافيا المكان ، مجموعته “السيف والسفينة 1966تؤرّخُ للتجريب في القصّة العراقية والسرد العربي بجدارةٍ ، وروايتهُ ” الوشم”1970 ضمن أفضل مئة رواية عربيّة ..تُرجمَ لأكثر من لغةٍ أجنبية ، وكٌتِبَت عن إبداعهِ عديد الدراسات النقدية ، صدرت في كتبٍ مستقلةٍ ، بالإضافة إلى كتابات غزيرة في بطون الصحف والمجلات .. شغلَ إبداعهُ الدارسينَ العرب والأجانب ، فتعدّدت رسائل الدكتوراه والماجستير ، وقدْ شملت جلّ إبداعهِ القصّصي والروائي ، تجاهلتهُ لجان الجوائز العربية المتعددة ، ولم يشغلهُ ذلكَ أبداً ، وهو جدّ سعيد بجائزة القارئ ، وهي الأمثل والأخلد والأبقى لديه !!
أمارسُ الكتابة بمحبّةٍ نادرة .
{ تعددت إبداعاتك الأدبية في القصة القصيرة إلى الرواية إلى قصيدة النثر إلى المقال النقدي إلى السيرة الذاتية والأدبية إلى اليوميات الصحفية الثقافية والسياسية .. قل لي أية مغامرة هذه ؟؟ وهذه الرحلة الطويلة مع صخب الكلمات وفسفور الحروف ماذا أخذت منك ؟؟ وماذا أعطتك ؟؟
– أنا من جيل لم ينصرف إلى جنس أدبي واحد يكرس له كل حياته رغم أن هويتي الإبداعية تقول أنني سارد، أكتب القصة القصيرة والرواية , بهما بدأت ومعهما كان استمراري وتواصلي , قبل أيام أصدرت آخر مجاميعي القصصية ” الشعارات تتبارى ” وقد وصلتك نسختك منها , وبين يدي أكثر من قصة جديدة فإيقاع الحياة اليومية التونسية المتسارع يجعل القصة القصيرة أقرب إلي , ومن المؤكد ضمن اشتغالي في مختبر الكتابة أن كل مجموعة تبحث عن تميزها وخصوصيتها , تحدثتُ قبل أيام في ندوة تونسية بمناسبة صدور هذه المجموعة أنني اشتغلت فيها على ما سميته ” القصة الأستقصائية ” وقبلها أصدرت عام 2004 م في دمشق مجموعتي ” وجوه مرت ” التي تمحورت حول ” البورتريه” ولذا وضعت تحت العنوان عنواناً ثانياً شارحاً هو ” بورتريهات عراقية ” .
إذا كانت القصة القصيرة والرواية تشكلان هويتي الأدبية ،فأن الكتابة في الصحافة كانت اهتماماً قديماً لي , حيث أشرفت عام 1964 م على تحرير الصفحات الأدبية الأسبوعية ” الأنباء الجديدة ” ثم يومية ” الفجر الجديد ” فيومية ” الجمهورية ” وأنا أحب الصحافة جداً , وهنا في تونس بقيت عدة سنوات أكتب مرتين في الأسبوع في إحدى اليوميات قبل أن أتوقف عن ذلك , الكتابة في الصحافة هي ” عمل ” مقابل مكافأة رغم بساطتها فأنها تساعدني على تدبر بعض شؤوني اليومية , لقد أخذت مني الكتابة كل وقتي , حتى الأعمال التي مارستها لم تكن بعيدة عنها , ولكنني كنت أمارس الكتابة بمحبة نادرة فهي عشقي وتبتلي , أما أخذته مني فهو بصري الذي بدأ يضعف ونصحني الطبيب بأن أقلل من القراءة والكتابة , لكن كيف ؟ وماذا يتبقى لي إن فعلت ذلك ؟؟؟ .
المهم في كاتب القصّة القصيرة التميز والتفرّد
{ تكتب القصة القصيرة بمهارة , وأنت مؤسس لأسلوب في القصة القصيرة العراقية والعربية معاً , ومجموعتك ” السيف والسفينة ” تؤسس للحداثة وتفتح باب التجريب في القصة القصيرة , كيف استطعت اختراق التقليدي والسائد والمألوف في إبداعنا العراقي والعربي احك لي شيئاً عن صدى وفعل ” السيف والسفينة ” حين صدرت كأول مجموعة تعتمد التفجير التعبيري والأسلوبي واللغوي ؟؟؟ .
– قبل أن أكتب القصة القصيرة كنت قارئاً لها , ليس قارئاً يبحث عن متعة القراءة بل كانت قراءتي قراءة نقدية منطلقها قناعتي بأن أيّ كاتبٍ قصةٍ جديدٍ يريد إضافة اسمه إلى المدونة الواسعة عليه البحث عن تميزه و فرادة صوته , كنت معجباً بعدد من الكتاب الحاضرين في المشهد الأدبي مثل توفيق يوسف عواد ( لبنان ) وعبد السلام العجيلي ( سوريا ) ويوسف إدريس ويوسف الشاروني ( مصر ) ولكن إعجابي لم يوقعني في شراك تقليدهم بل دفعني للسؤال عن سر إعجابي بهم ولماذا حققوا الحضور الكبير في قصصهم , وقد كانت مجموعتي البكر ” السيف والسفينة ” 1966 ) ) تجربة مختبرية بحثت من خلالها عن صوتي ولي شهادة تفصيلية عنها وعن قصصها واحدة .. واحدة منشورة في كتابي ” الخروج من بيت الطاعة ” وقد قدمتها في إحدى الندوات العربية , وقد اشتغلت على تطوير بعض تجاربي فيها بقصص لاحقة مثل ” القصة الفانتازية ” في ” الكلب ” و ” الوفاء وتراب الكهف ” ولها امتداد في مجموعتي الصادرة هذا العام ” الشعارات تتبارى ” من خلال قصة ” رأس عوج ابن عنق المفقود ” وكذلك في نهاية قصة ” الفراشات طليقة ” وبعد صدور قصص ” السيف والسفينة ” في كتاب حركت الجوّ الراكد وسط جو أدبي تغلب عليه الذائقة المستقرة عند أسماء محددة ظلت تلمح بها وكرس هذا الأمر بعض النقاد و الباحثين الأكاديميين الذين يغريهم المستقر ويقاومون المتمرد والثائر من النصوص ويرونها لعباً , وقد سرني أن المجموعة قد أخذت مداها العراقي والعربي وفي عام 1996 م أصدرنا طبعة تونسية لها سميناها ” طبعة احتفائية ” بمناسبة مرور ثلاثين سنة على طبعتها الأولى متضمنة شهادات مما كتب عن هذه المجموعة , وكنتُ سعيداً جداً عندما زرت العراق في ديسمبر 2013 م وأن المتابعين والأصدقاء مازالت هذه المجموعة في ذاكرتهم ،ولأنها تاريخياً أول مجموعة تصدر لقاص من جيل سيطلق عليه الدارسون جيل الستينات , كان اختراق التقليدي كما ورد في سؤالك أمراً صعباً بل ومرفوض, ومع هذا صمد أبناء جيلي وأنا معهم في تحقيق ما أردناه و عنيناه , تجارب محمد خضير , أحمد خلف , جليل القيسي , موسى كريدي و عبد الستار ناصر وأسماء أخرى . كان تراكم السنوات وتعدد القراءات والمراجعات من أجيال جديدة النقاد والباحثين قد شكل فهما متطوراً لتجاربنا , ما كتبه د . نجم عبد الله كاظم و د . محمد صابر عبيد اضافة إلى نقاد تابعوا التجربة في كل مراحلها أمثال فاضل تامر و باسم عبد الحميد حمودي وسليمان البكري و عبد الرضا علي وباحثين شبان آخرين نحن مدينون لهم بصدق قراءاتهم المنصفة . هذا عدا عشرات الكتابات النقدية العربية من مغرب الوطن ومشرقه .
مئة عام من العزلة” أصابتني بالدهشة
{ شخصياً عندما قرأت الأعمال الكاملة للشاعر الفرنسي “رامبو” قلت .. وهذا رأي .. أننا لم نكتب شعراً وحين قرأت روائيي أمريكا اللاتينية من “ماركيز” إلى “ماريو فارغاس يوسا”تمنيت أن اقرأ رواية عربية بهذا السحر , وهذا ليس إدانة لإبداعنا الروائي من هذا النزيف الكوني الروائي الأمريكي اللاتيني , قل لي حين انتهيت من قراءة ” مائة عام من العزلة ” لماركيز أو ” الفردوس في الناصية الأخرى ” لماريو فارغاس يوسا ماذا قلت ؟ كيف شعرت ؟ وماذا اقترحت للكتابة رواية عربية جديدة؟؟؟
– إذا مضيتُ معك في تساؤلاتك وأقر ما ذهبتُ إليه بسهولة فأن الجواب المقنع لن يأتي , في الشعر مثلاً لا يمكن المقارنة بين رامبو وأي شاعر عربي لأن كل شاعر هو سليل ثقافته ولغته , وأنت قرأت رامبو مترجما إلى العربية , فالمترجم ساهم إلى حد كبير في تقديم رامبو للقارئ العربي رغم أن نصه أصلاً مكتوب بالفرنسية , ومن هنا تبدو المقارنة غير دقيقة إذ لدينا شعراء لو أن أعمالهم ترجمت إلى الفرنسية – وقد حصل هذا – فأنها ستحقق تأثيرها لدى قراء اللغة الفرنسية ومتابعي التجربة الشعرية الإنسانية , أنا شخصياً عندما اقرأ نصاً سواء كان شعرياً أو قصة قصيرة أو رواية مترجماً إلى لغتنا فأنه انتمى بشكل أو آخر للغتنا العربية، وهذا يعتمد على قدرة المترجم في تعريب النص , أما بالنسبة للرواية فيمكن أن نقول عنها ما قلناه عن الشعر رغم صعوبة ترجمة الشعر , على ذكر رامبو هناك عشرات التراجم لشعره إلى اللغة العربية ولكن أيهما الأهم ؟ لا أستطيع الإجابة ومن هم ملمون باللغة الفرنسية لديهم الجواب الدقيق . وأجيبك بشأن ” مئة عام من العزلة ” لماركيز التي كانت أول عمل له يترجم إلى اللغة العربية وأنجز الترجمة المرحوم سامي الجندي الأديب والسفير السوري الذي نقلها عن الفرنسية وليس عن الأسبانية رغم دقة الترجمات الفرنسية كما يقول العارفون , أكيد أن الرواية أصابتني بالدهشة لاختلافها عن السائد الروائي وسأتعرف على ماركيز أكثر بعد الترجمات الرائعة وعن اللغة الأسبانية التي أنجزها الصديق الأديب الفلسطيني صالح علماني, وقد رأينا عشرات الروايات التي كتبها مؤلفها وفي رؤوسهم ” مائة عام من العزلة ” ولكنها لم تحقق شيئاً من مجد وبهاء رواية ماركيز هذه ولا رواياته الأخرى . صدقني يا صديقي بأن دهشتي تبعتها سعادة كبيرة لأنني شعرت بأنها تحثني على كتابة روايتي أنا كروائي عربي , استوقفتني طويلاً لكي أصل إلى أسرار هذا ” النزيف الكوني ” الذي أحدثته كما وردني سؤالك , وكانت لي أجوبتي حول الكتابة الروائية بشكل عام دون أن انقاد إلى فخ التقليد , مرة قلتُ في أحد الحوارات .. ما أن طارت امرأة في رواية ماركيز حتى طارت عشرات النساء في روايات عربية , فالمنجز الروائي الإنساني يثري بعضه لنتأمل الرواية اليابانية والرواية الأفريقية، وكذلك الرواية الأوربية والأمريكية والرواية العربية أيضاً ففيها منارات مضيئة رائعة التي يكتبها جيل من الروائيين الجدد وتثير نصوصهم دهشتنا أيضاً أما رواية ماريو فارغاس يوسا هذه فلم تتسن لي قراءتها لكنني قرأت له أعمالاً أخرى .
نجيب محفوظ أبو الروايةِ ونعتز بأبوّته
{ في كتابك ” الخروج من بيت الطاعة ” أشدت بمكانة نجيب محفوظ الأدبية وبإبداعه الروائي وقلت أن محفوظ مدرسة متكاملة , هل تنجذب له إلى هذا الحد ؟ ما سرّ هذا الانجذاب ؟ هل تأثرت به ؟ الم يتميز محفوظ عن الروائيين العرب ؟ وما العمل الروائي الذي ميزه وهزك شخصياً ؟ هل التقيت محفوظ ؟ صف لي سحر هذا اللقاء ؟ ثم هل هو جدير لجائزة نوبل ؟ ذهب إليها أم ذهبت إليه ؟؟؟
– أسئلتك تمضي إلى أكثر من محور , هي عدة أسئلة في سؤال واحد , وها أنا أحاول أتقصاها بأناة ؟ وأقول أن نجيب محفوظ رمز كبير من رموز الأدب العربي الحديث هو أب الرواية العربية الذي يجعلنا نعتز بأبوته , ولم أترك فرصة للإشادة به إلا وقدمت فيها شهادتي عنه , هو فعلاً مدرسة روائية متكاملة , رجل وصف بأنه ” موظف عند الرواية ” لأنه أشتغل بدأب وأناة على امتداد سنوات عمره ليحقق هذا التراكم الذي من النادر أن يحققه روائي عربي بل وعالمي بدءاً من فرعونياته التي لم أنشد إليها كثيراً رغم أنها محملة بالدلالات والرموز , وصدوراً بعدد من أعماله في الخمسينيات مثل الثلاثية و ” السراب ” ووصولاً إلى رواياته القصيرة مثل ” الشحاذ ” و ” اللص والكلاب ” ولا ننسى ملحمته ” أولاد حارتنا ” وقصصه القصيرة جدا في ” أحلام فترة النقاهة ” هو تاريخ ممتد وحاضر نابض , لقد انجذبت إليه منذ أن أهداني معلمي المرحوم علي البشيبي إحدى رواياته الفرعونية في مدرسة الملك فيصل الأول الابتدائية في الناصرية لتفوقي باللغة العربية , وعندما زرت القاهرة للمرة الأولى أواسط السبعينات كان أول ما فكرت به رؤية نجيب محفوظ في جلسته الأسبوعية في مقهى ريش في وسط القاهرة حيث وجدته محاطاً بالأدباء والشباب , وكان يصغي لهم , أذكر أنني أهديته روايتي ” الوشم ” بطبعة دار العودة وفي الأسبوع التالي عندما حضرت مجلسه أخبرني أنه قرأها وقدم فيها شهادة ملأتني بالثقة بعملي الروائي الأول , وقد زرته في الأهرام ” بمكتبه الذي كان يشاركه فيه د . يوسف إدريس و د . بنت الشاطئ , وهنا أقول لك أن نجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل كنت أحد الأدباء العراقيين الذين وجهت لهم الدعوة لحضور حفل التكريم الذي أقامته له رئاسة الجمهورية المصرية وقد أخبرني الصديق الروائي يوسف القعيد أن الأسماء عرضت عليه وهو الذي أختار المدعوين .
لقائي الأول بمحفوظ في مقهى ريش ولقاءاتي التالية به في هذا المقهى أو ذلك المقهى الصباحي المطل على ميدان التحرير لم أعد اذكر أسمه ربما ” علي بابا ” الذي كان يصله مشياً على قدميه وتحت أبطه حزمة الصحف اليومية ليقرأها وهو يحتسي قهوته قبل أن يستقل تاكسياً نحو جريدة ” الأهرام ” وكان آخر لقاء لي به قبل وفاته بأشهر عندما كنت في زيارة الصديق الروائي جمال الغيطاني في مكتبه بجريدة ” أخبار الأدب ” حيث سألني إن كنت أحب زيارة محفوظ مع عدد من أصدقائه فقلت له : يسعدني هذا جداً , وذهبت أنا والصديق الروائي والطبيب السوري خليل النعيمي بسيارة الغيطاني , كان محفوظ غير الذي عرفته إذ ضعف بصره وسمعه , وعندما همس له يوسف القعيد باسمي أنتبه وسألني ” منين ديارك يا عبد الرحمن ” ؟؟ قلت له : تونس . ردد : يا خبر !! لمعرفته بان العراقيين أخذتهم تغريبتهم إلى كل الجهات , هذا اللقاء موثق بصورة أعتز بها وأنا أمسك بيده وأهمس في أذنه كنت أحبّه جداً على كل المستويات الأدبية والإنسانية , أما جائزة نوبل فقد نالها بجدارة ولم يسع إليها بل هي التي سعت إليه إذ أنها ذهبت شرقاً وغرباً ’ شمالاً وجنوباً وقد منحت لمن هو جدير بها رغم أن هناك أسماء عربية من الأحياء أو من الذين غادروا الحياة كانوا جديرين بها من الشعراء خاصة الأحياء أدونيس ومن الذين توفاهم الله يوسف إدريس وعبد الوهاب البياتي ومحمود درويش ونزار قباني وأسماء أخرى , هناك مسألة يجب أن لا تغيب عن أذهاننا هي أن العرب قد منحوا هذه الجائزة بشخص نجيب محفوظ عام 1988 م وربما لا يتكرر الأمر بسهولة مع كاتب عربي آخر، رغم مشروعية الحلم بهذه الجائزة التي منحت لأسماء نسيت بعد ذلك ’ ولكن هناك من كبار الكتّاب في العالم من لم ينالوها أمثال جورج أمادو البرازيلي وناظم حكمت التركي ورسول حمزاتوف الداغستاني . لقد شدنا وأحببنا غارسيا ماركيز ومحبتنا له لا علاقة لها بنوبل لقد ” نوبلناه ” نحن بحبنا له
أنا مسكون بالشعر وقد تلبسَ نصوصي السردية كلّها
{ اجتاحت لغة الشعر الرواية والقصة القصيرة ’ وربما حتى النقد , هل للشعر كل هذا التأثير ؟؟ لماذا يبدو العمل القصصي والروائي جافاً مُملاً بلا لغة شعرية ؟؟ أنت كمبدع ماذا استفدت من الشعر ؟؟ ولمن تقرأ حتى هذه اللحظة من الشعراء ؟؟
– جل الأدباء العرب كانوا يحلمون في بداياتهم أن يكونوا شعراء ولم تخل أوراقهم الأولى من ” خربشات ” شعرية عن الوطن والأم والحبيبة والغربة , ولستُ استثناء , بل ظننت إنني سأكون شاعراً وكتبت كثيراً في محاولات للقصيدة العمودية , ولكن هذا توقف بعد أن تعرفت على قصيدة النثر التي نشرت سبع مجاميع فيها ظلت في تجربتي السردية أو على هامشها , لكن اللغة الشعرية ظلت حاضرة في كل قصصي ورواياتي فأنا لا أكتب نصي فقط بل أصغي إليه , أقرأه بصوت عال لأعدل في صياغاته , هنا آتيك بمثال يقرب لك المسألة متمثلاً بكتاب صديقنا الشاعر عبد القادر الجنابي ” انفرادات الشعر العراقي ” الذي ضم نصوصاً من قصيدة النثر لعدد من شعراء العراق ،وما فاجأني أنه أخذ مقاطع من قصتي ” السف والسفينة ” وأدرجها كقصيدة نثر , انني مسكون بالشعر الذي تلبس نصوصي السردية كلها . يبدو لي أنه لابد من الشعر في النص السردي ليبقى طرياً قريباً من قارئه , وهذه مسألة عنى بها عديد النقاد .
أما لمن أقرأ ؟؟ فأنا اقرأ لعدد كبير من الشعراء ومن أجيال مختلفة , توقفنا طويلاً كعراقيين عند السياب والبياتي والبريكان وبلند الحيدري ونازك وعبد الواحد وشاذل طاقة وسعدي وفوزي كريم وعبد اللطيف اطيمش وصلاح نيازي وغيرهم . ثم مجموعة بداياته عندما كان طالباً في الجامعة ،وكذلك تفاعلنا مع تجارب لاحقة لشعراء أمثال خزعل الماجدي وكاظم الحجاج وبشرى البستاني وعدنان الصائغ وعبد الرزاق الربيعي و عذاب الركابي وجواد الحطاب ورعد عبد القادر ومنذر عبد الحر وعبد الزهرة زكي وأسماء أخرى وليعذرني من لم أذكر أسماءهم . حتى في سنواتي اللبنانية كنت صديقاً قريباً من تجارب الشعراء الفاعلين أمثال شوقي بزيع ومحمد علي وعباس بيضون وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج وغيرهم . وكانت لنا قراءاتنا المنبهرة بتجارب محمد الماغوط وعلي الجندي وممدوح عدوان هذا عدا الرواد أمثال نزار قباني وعمر أبو ريشة وفي تونس تعرفت على كل التجارب الشعرية من الشابي ،وصولاً إلى محمد الغزي وأولاد أحمد والمنصف الوهايبي والمنصف المزغني حتى الشعراء الأفتى أمثال محمد هادي الجزيري ومكي الهامي وآخرين . أنا قارئ للشعر وفي زاوية ” مكتبة الحياة الثقافية ” أقدم كل عدد تعارف ووجهات نظر بإصدارات شعرية عربية وتونسية , إصدارات تمتعت بقراءاتها فكأنني بما أكتبه عنها أدعو أصدقائي لقراءاتها . هنا أتذكر محمود درويش الشاعر ولكنه القارئ المحب للرواية , أنا كاتب الرواية والقصة المحب للشعر وغالبا ما أحبه ملقى من قبل الشاعر أو المقدم الجيد لقراءة الشعر .
مجموعتي”السيف والسفينة” تجريبية بامتياز
{ قلت في كتابك الرائع ” الخروج من بيت الطاعة ” ( إن الإبداع محاولة مستمرة .. تجريب يضاف إلى تجريب ) فلماذا يقف عدد من الكتاب والنقاد أصحاب الرؤى التقليدية ضد التجريب ؟ إلى متى يظلون هؤلاء يأملون برؤية فراشات ملونة فوق البرك الساكنة ؟؟ ألا يقرأ هؤلاء عن كبار الكتاب يتفاخرون بالتجريب في نصوصهم ؟؟ ألم يقل كونديرا ( أنا تجريبي ) ؟؟ و بورخيس ( أظلُ أجرب طوال حياتي ) ؟؟ قل لي أي لغة هذه التي يفرضها السائد والمألوف؟؟
– أتساءل هنا : كيف اهتديت منذ بداياتي الأولى وبعد أن قرأت ما كان متوفراً وقتذاك من نصوص سردية عربية وعراقية بشكل خاص كان النقاد يتغنون بها وفق القاعدة البائدة ( ليس بالإمكان أبدع مما كان ) ،إن عليّ كتابة قصة أخرى ورواية أخرى بمواصفات غير المواصفات التي تم تقيّم تلك الأعمال بها انطلاقاً من نظريات النقد السائدة , ولذا كانت مجموعتي ” السيف والسفينة ” تجريبية بامتياز , قابلها البعض بالرفض واحتفى بها البعض الآخر ولمن لم يكونوا على معرفة بنواياي فيها كتبت شهادة عنها . بل وعن كل قصة فيها وشبهتها بحقل نثرت فيه مجموعة من البذور لأرى أيها الأصلح للنمو في ذلك الحقل , وقد اشتغلت على تطوير بعض التجارب لأحقق الاختلاف مشبهاً الكاتب بأنه عندما يدخل مختبر الكتابة , عليه أن يجرب و يجرب حتى الوصول إلى نتائج مقنعة له , لكنه سرعان ما يعود ليجرب في التجريب , وهكذا .
سأتيك بمثاليين من آخر مجموعتين صدرتا لي وبينهما عشر سنوات بالضبط 2004 م أولاهما ” وجوه مرّت ” التي اشتغلت فيها على أدب البورتريه . بعد عشر سنوات أي في عام 2014م سأنشر مجموعتي ” الشعارات تتبارى ” وجلّ قصص المجموعة من إيقاع الشارع التونسي المتسارع بعد ثورة 2014 وقد اشتغلت في هذه القصص الشوارعية على ما سميتها ” القصة الأستقصائية ” رغم أن المصطلح يميل على الصحافة ،ألا أنه من الممكن الإفادة منه في كتابة ” قصة أخرى ” تحمل معها نكهتها وإضافتها وأنا منتبه للأصداء التي بدأت تصلني عنها خاصة من الأصدقاء العراقيين الذين وصلتهم . هي تجربة في مسار تجريبي لا يتوقف , تجريب يضيف إلى تجريب .
عندما أكتبُ أحسُّ بالأمان وكأنّني في حالةِ عشق
{ يقول غارسيا ماركيز ( أكتب لكي يحبني أصدقائي ) وتقول نوال السعداوي( أكتب لأن هذا العالم يغضبني ولا يرضيني ) وآخرون يكتبون لأن الكتابة المتعة الكبرى والقصوى , لماذا يكتب الربيعي؟؟
– ذات جواب رددت ما قاله “ماركيز” وإنني فعلاً معني بمحبة أصدقائي من النقاد والكتاب والمتابعين , وتسعدني انطباعاتهم التي يبوحون لي بها , ومع هذا فأن ما ذهبت إليه الدكتورة السعداوي صحيح أيضاً لأن حجم عدم الرضا في هذا العالم يؤجج نيران الغضب الكامنة فينا لذا تكون الكتابة أشبه بالمتنفس , فالإبداع في واحد من أبرز وجوهه صوت الرفض والاحتجاج , واستطراداً مع تساؤلك أقول إنني أكتب لأنني لا أعرف أي وسيلة أخلق بها توازني وأداري ارتباكي في عالم خلله كبير وقاس . عندما أكتب أحس بالأمان الوفير كأنني في حالة عشق .
مازلتُ أكتبُ على الورق الأبيض والحبر الأسود
{ كان همنغواي يكتب بقلم الرصاص , وماركيز يكتب على الآلة الكاتبة مباشرة, ونزار قباني يكتب بالحبر الأسود على ورق ملون , ما طقوس الكتابة لديك التي تدخل اللذة في عملك الإبداعي ؟؟
– لا أعرف كيف يكتب همنغواي بقلم رصاص !! ولكن هذا ما كان يفعله , وربما ماركيز ظل أميناً لعمله الصحفي المبكر، ولا أدري إن كان قد أستبدل الآلة الكاتبة بالكومبيوتر !! أما نزار فهو شاعر لا يحتاج إلى ركام الورق الذي يكتب به الناشرون لذا يختار الورق الجميل تواصلاً مع عالمه الشعري الأنيق . جل أصدقائي الآن صاروا يكتبون على الكومبيوتر مباشرة , أما أنا فمازلت أكتب على الورق الأبيض غير المخطط , وبقلم جاف أسود واضح الحروف لا أجدها بسهولة , وإن وجدتها أشتري كمية منها . غير هذا أن أجمل أوقات الكتابة عندي ساعات الصباح الأولى من التاسعة حتى الحادية عشرة’ وما تبقى من وقت أصرفه في القراءة ولقاء الأصدقاء وممارسة عملي اليومي , أما ساعات الليل الأولى فأمضيها مع التلفزيون ،وبعدها الإذاعة التي أبدأ نهاري بها ولا غنى لي عن النشرة الأولى لإذاعة لندن العربية .
هكذا أطوي يومي لأعبر إلى يوم آخر






















