أقمار محمد السيد جاسم تروّض مطر القصيدة

أقمار محمد السيد جاسم تروّض مطر القصيدة.. الشعر يتألق تحت ظلال الشموس الشقية

عبد اللطيف الموسوي

يحاول الشاعر محمد السيد جاسم في مجموعته الشعرية الاخيرة(شموس شقية-أقمار طازجة) ان يشدنا الى مجموعته بدءاً من الاهداء الذي تصدر المجموعة، عندما أهدى شهقته لروح أبيه بفردوسها المجيد اولاً ثم لصوت أمه الندي ولم ينس النائحات وقريته وعيناً نطرت خطوته حتى جثة النهر لكن والحق يقال ان الشاعر شدنا لمجموعته إنطلاقاً من عنوان المجموعة الذي جمع فيه الشموس والاقمار فيما اعتاد الشعراء على مناجاة القمر وقليلاً ما تذكروا الشمس وهي احد اسرار ديمومة الحياة.وليس هذا بغريب على الشاعر فهو يهتم كثيراً بعناوين مجاميعه وكذلك قصائده وحسبنا الاشارة الى عنواني مجموعتيه الاولى والثانية(أتيتك مثخناً بالحب) الصادرة عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ومجموعته الثانية (البرق يبتكر المفاجآت) الصادرة في 2012 عن الدار نفسها لنتأكد ان الشاعر يحاول ان يجرنا أولاً الى لعبة العنوان التي يتقنها جيداً. وقد كانت الدهشة التي هيمنت على اهدائه لمجموعته ، التي نحن بصددها، جزءاً رئيساً من عنوان اول قصائد المجموعة(وحدك لم يدهشك البحر) التي تميزت بصور شعرية عديدة وغاية في الجمال وهي تتحدث عن مغامر يتجه صوب الشهرزادات ليستل نبوءة الحجر ويفقأ عين التاريخ. هذا المغامر السعيد يروض الطعنات على كتفيه بقمصان ملونة. ويطالعنا بصورة شعرية جميلة اخرى بقوله:

تشعل آخر ايقونة في الجسد، الروح

تضيء بآخر جرح

يتهدج في عينيها

تقرأ في عينيها نصاً

 كوكبياً لايطاله الورق

وهي تتحفك بالنوافذ

وعناقيد الضوء

 وتمسك شفتيك الشعريتين

بفنجان القهوة

الشعر قضية

يطرح السيد جاسم عبر مجموعته قضية شعبه ولا ابالغ في ذلك فهو قد نسي نفسه في خضم عرضه لقضايا المعدمين والفقراء ليصح القول ان الشاعر ابن بيئته بل ولم يناج حبيبته الا في نهاية المجموعة من خلال قصيدة واحدة فيما خصص جل قصائده لقضيته ذلك لأن الشاعر المؤمن بقضية الشعر لايسعه مجافاة قضيته بل ولايسعه مجافاة المكانالذي ولد فيه وترعرع فيبقى اسيراً له وقد هيمن المكان على اغلب قصائد السيد جاسم وهي احدى حسناته في هذه المجموعة الغنية التي ادهشتني ثيمات قصائدها التي يشعر قارئها كإنه يقرأ قصيدة واحدة او قل قصيدة ملحمية تحمل اوجاع السطاء ولوعة الوطن وتعري زيف الاباطرة الطغاة. وجد شاعرنا ان القضية التي ينبغي ان ينوء بها الشاعر الملتزم تفرض عليه ألا يقف متفرجا علىاوجاع شعبه وجراحاته، ويجنح الى التغني بحيبته وعرض قدراته الشعرب ية بوصف الجميلات والحسناوات او المبالغة في بينما يعيش هو وصف جمال الطبيعة،  والجنوح الى رومانسية يفضلها الشعراء والمتلقون على حد سواء. اراد الشاعر ان يكون شعلة وسط مجتمع يعيش في ظلام القهر والعبودية والاضطهاد فأستل قلمه ليوظف قصائده في خدمة القضية التي يؤمن بها ليرفع صوت المظلومين عبر قصائده وصوره الشعرية الجميلة. وليس غريباً على شاعر مثل السيد جاسم ان يضطلع بهذه المهمة وهو يدرك انها مهمة عسيرة وسط هذا الواقع الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والامني الصعب ولكنه آثر أن يغادر رومانسيته ليدخل الى عوالم الضعفاء والمساكين فيصبح اكثر ارتباطا بأهله واصدقائه ووطنه.وتترى قصائد السيد جاسم بأيقونات المكان الذي يجد نفسه مأخوذاً اليه، فلايستطيع التحرر منه ليأخذ معه قراءه الى الغراف والنهر وضفاف النهر وذاكرة النهر  وقريته وصباحات طفولته عند شرفة القصب في قريته والى قارب معطوب رسا مرغماً على اليابسة. وقد تكررت مفردة النهر كثيراً في قصائده كما ذكر الغراف اكثر من مرة فهذا النهر الذي كان مرتع الطفولة والصبا والصباحات الجميلة والمساءات الندية اقترن ايضاً بالموت وهو يحتضن اجساد اليائسين الذي رأوا في موجاته ملاذاً للتخلص من العدم واليأس والاحباط, وليس غريباً ان يلجأ الشاعر الى الغراف فيبثه احزانه ولوعاته:

 الموت المألوف .. مرغنا بطينته الازلية

وما زلنا فيك كاليمام نقطن غربتنا

ونضيء بأشجاننا

بضفاف الغراف ضفاف الكون

نصرخ بإمرأة بادرت موتها غرقاً فيك

وتتوالى الصور الشعرية الأخاذة في قصائد اخرى فها هو يصف العراق بقصيدته(قصائد بنكهة الوطن) قائلاً:

(وحدك في الميدان

تنازعتك انيابهم

وحدك الا من قداستك كالحسين

وحدك قرفصك البرد

وحدك والجراح تتكيء على قلوبنا).

لتتضح لنا قدرة الشاعر في توظيف المفردة في خدمة الهدف الشعري من خلال(قرفصك البرد) ليوج وصف الوطن المبتلى بمفردتين تظهر الوطن جالساً القرفصاء بلاحول ولاقوة واهله متكئون على الجراح فيما الانياب تنهشه لكنه يتسلح بالقداسة.وثمة صورة جميلة اخرى تصور حال الشاعر المحب التي قد تشابه حالات الكثير الذين لايمتلكون سوى القلب لكن قلب شاعرنا هنا يرفرف عالياً متمرداً على قيود القفص الصدري:

(ليست ثمة ذخيرة لديّ

سوى قلبي

يرفرف عالياً في سماواتك ايها الحب

وفي قصيدة (مقاطع اولى لملحمة الشجن السومري) نطالع هذه الصورة:

ويعود الشاعر لأقماره الطازجة فيجعلها حلماً لشوارع المدينة:

تتصابى شوارع المدينة

تثرثر بالاناشيد والشقاء

وتحلم كثيراً بأقمار طازجة

وفي قصيدته (مقاطع اولى لملحمة الشجن السومري) يعود بنا الشاعر الى سبعينيات القرن المنصرم لينقل لوعة ام مزعل تلك المرأة الجنوبية التي اضناها الفقر فيخاطبها:

يا أم مزعل ماشاخت ملاعبنا

يوماً على الماء وازرى بها غلس

يا أم مزعل والاعمار راكضة

ابداً يدق على عتباتها جرس

وأم مزعل التي تسكن ناحية النصر في الناصرية مسقط رأس الشاعر اضطرت اخيراً الى رمي نفسها في لجة نهر الغراف هذا النهر الذي طالما ناجاه الشاعر ولكأنه يعاتبه على قسوته وهو يستقبل اجساد اليائسين والمساكين من دون ان يتأنى قليلاً ريثما يقدم المنقذون ولكن من يدري فلعل النهر أرحم من قسوة تلك الحياة في زمن السبعينيات الذي نراه ذهبياً ويراه اولئك المعدمون مأساوياً. ويعود الشاعر مرة اخرى الى الفقراء فيناجيهم في قصيدته خذ أشرعتي لأسفارك الفارهة  لينقل صوراً صادمة من الشقاء والوجع المغموسة بآهات الفقر والاضطراب والحروب التي هيمنت على قصائد المجموعة:

مثل اسراب سنونو

تتقاطر احزانهم

أواه ايها الفقراء

كم يكفيني من احلام

لأهز عمود الليل

وتلك اشارات واضحة لإنصياع الفقراء الى اشعة الشمس الحارقة في سبيل الحصول على لقمة قوت لهم ولعيالهم فيما تذهب اكفهم ضحية لقسوة الحياة وهم يحاولون اقتناص اللقمة من بين الصخور وربما ترويض اراض جدب من اجل ثمار قد لاتأتي…ويحاول الشاعر في ومضاته ان لاتكون مقتصرة على صور شعرية فحسب كما اعتاد شعراء كثيرون وانما اراد ان يوظف ومضاته في خدمة هدف اسمى لينقل واقع حال الفقراء والموجوعين عبر كلمات بل هي دمعات وشهقات تنزلق عبر رؤى نفسية وفلسفية لايستطيع شاعرنا كبح جماحها فنقرأ:

طاروا حزانى الى المنفى وما اتفقوا

 مثل الطيور اذا ماجاسها قلق…

ويرى في ومضة اخرى ان الطيور هي من تتولى كتابة قصيدة الماء:

الطيور وحدها

من يكتب.. قصيدة الماء

ويلعن الامبراطور ليلعن جميع الاباطرة الطغاة في ومضة اخرى:

البئر اعمق

مما ترى

وحذاء الامبراطور

عفواً ، قبعته

لاتعي الصرخات…

وثمة ومضة اخرى تنم عن صورة فلسفية :

وهو يصعد صوب الحلم

وجد ان ايامه المجيدة

سقطت سهواً

في الطريق الى المدينة

لكنه يهاجم من اسماهم بالفلاسفة البلهاء في قصيدة حملت هذا العنوان فيقول انهم يناورون كما الثعالب وهم يرتدون ثوب الاصدقاء ليفتكوا بالتاريخ فيقوضوا العالم مثل فأرة تريد ان تقوض جبلاً.وفي خضم تلك الاوجاع والمآسي يفرد الشاعر مساحة صغيرة لعواطفه وسط قصائده وومضاته فهاهو يناجيها:

مذ لامس

عنقها الندى

 وفزز قلبها الضوء

راحت تحاور الاقحوان

بعطر الاسئلة

قالت للمطر نكهة الفراديس

حبيبي دع كل شموسك وامطرني بمجاز اخضر

امسك زوبعتي لأضيء

خذ كل تواريخ الخصر الناحل

خذها بأنامل هذا المطر الشاعر

بإيجاز شديد ،أقول ان أقمار السيد جاسم الطازجة وشموسه الشقية نجحت في ترويض مطر القصيدة لتحيله الى خير ونماء بما عمرت به المجموعة  من صور شعرية واحاسيس وعواطف وانثيالات يجده القاريء بين جنبات هذه المجموعة الجميلة.