في مديح الموت

في مديح الموت

 كان عليَّ أن أبدأ حياتي بخطيئةٍ، وأعتقد أنها سوف تنتهي بأُخرى مثلها، بل لعلَّها تكون أقسى منها، أكثرُ شراسةً. ولعلَ ما أكتبهُ الآن خطيئةٌ أيضاً. يقولُ محمود درويش بأنَّ: كلُّ الَّذِينَ ماتوا نجو من الحياة بأعجوبةٍ. أذكرُ بأنني قرأتُ هذه العبارة للمرةِ الأولى في عام 2011  قبل بداية ما يحصُل اليوم في سوريا. كنتُ صغيراً حينها، ولذلك، سَخرتُ من العبارةِ، كنتُ أعتقد بأنَّ الَّذِينَ يموتون – بشكلٍ أو بآخر – يخسرون الكثير، وكنتُ أخاف من الموتِ، أخافُ أن أسير بجوارِ المقبرة الَّتي تجاور حيَّنا، وحين أنام، ينكمشُ قلبي إلى أن أصحو، خوفاً من الموتِ. طيلة عام 2012 لم أذكر أنَّ يوماً ما مضى دون أن يموت أحدُهم، ليسَ بالضرورةِ أن يكون شخص واحد، الموت أكرم ممَّا نظن، وليس بالضرورةِ أن يكون الَّذي مات إنسان، ثمة أشياء كثيرة كانت تموت، على سبيل المثال ” الحب، الإنسانية، الإخاء، الطمأنينة ” حتى المنازل كانت تتعبُ من الوقوف، فتسقط ميتة. وكلُ ماكان يحصل، وما حصل، كان يُثبِتُ لي بأن الأمواتَ ناجون من هولِ ما نَحنُ فيه. وحين قرأت قبل أيام عن كُتّابٍ ماتوا منتحرين، بطرقٍ بشعة، ليتخلصوا من الحياةِ، مثل الروائي إرنست همنغواي الَّذي إنتحر مطلقاً النار على نفسه عبر فمه ببندقيةٍ ذات رأس مزدوج، وسيليفيا بلاث الَّتي أنهت حياتها عبر وضع رأسها داخل الفرن لتموت إختناقاً بغاز أحادي أوكسيد الكربون. أعتقدُ أنهُ كان من الضروري أن نعيشُ ما عشناه في سوريا، وحتى خارجها، لنُدرِكَ بأن الموتُ ليسَ بتلكَ البشاعة الَّتي كَونّاها في مُخيلَتِنا سابقاً، ففي كل مرةٍ كان يموت بها أحدُهم في قريتنا الصغيرة بطريقةٍ بشعة، غير تلك الَّتي إِعتَدنا عليها قبل 2011  كنتُ أدرِكُ بأنهُ، بطريقةٍ أو بآخرى، قد نَجا من الحياةِ، نَجا من الخوف، نَجا من رؤيةِ من يحبُهم يموتون أمام عينيه، نَجا من أن يكونُ لاجئاً. نَجا من أشياءَ كثيرة، وحدهُ فقط، من سوف يُدرِكُها. وأذكُرُ بأنَّنا في البدايةِ، حينَ يموت أحدُهم، كنّا نبكي، ونحزن، ولكن الآن، ومع إقتراب بداية العام السادس من الحربِ، أصبحنا أكثر صلابةً من قبل، ليسَ الأمر إعتياداً على الموت الَّذي باتَ أمراً عادياً، بل لأننا أصبحنا نُدرِكُ بأنَّ الَّذِينَ يموتون قد نَجوا من هولِ ما نَحنُ فيه، ونَجوا ممّا قد يأتي. لأنَّ القادم أسوأ. ولأننا نُدرِكُ بأنَّ الَّذِينَ لم يموتون بعد، سوف يخسرون الكثير إن بَقوا أحياء. في النهاية، لم يعد الموت مخيفاً منذُ أصبحت الحياة بهذه القذارة.

مصطفى ديب – سوريا