لوحة الأم.. دنيا السياب

 لوحة الأم دنيا السياب

على إمتداد شط العرب الى الجنوب الشرقي من البصرة تقع القرية التي اقتبس اسمها من عبارة فارسية ويعرف معناها بـ (الجدول الأعمى ) كماذكرت المصادر الأدبية انها قرية جيكور مسقط رأس شاعر الحزن والالم بدر شاكر السياب. ولد السياب عام  1927م وعاش سنين الطفولة الاولى بسعادة حالمة كان يحب أن يلعب في ماء بويب الذي كان يجري على مقربة من قريته وكان يحلو له أن يلتقط المحار منه ويجلس في ظل نخلة وفي المساء كان ينصت الى البويب وصليله على المحار كما جاء في كتاب المراة في شعر السياب وفي الشتاء كان يحب ان يستمع الى صوت المطر وهويسقط على النخيل وكان يراقب السفن أيضا والمراكب وهي تصعد شط العرب الى البصرة وكان يحلو له في الأمسيات أن يروي له جده قصة السندباد وأبي زيد الهلالي لكن هذه السعادة لم تدم فقد حطمها القدر وزرع بدلا منها الما امتدت جذوره الى كل لحظة في حياة السياب  فقد توفيت والدته وهو في السادسة من عمره ولم يكن ليفهم معنى الموت بعد  لكنه شعر بألم غامض كان يوقظه ليلا فيسأل عن عن أمه فيقال له (ستعود بعد غد).

كان السياب طفلاً شديد التعلق بأمه فلما خطفها الموت اثَر ذلك فيه تأثيرا كبيرا فتحولت هذه المأساة الى قضية احتلت قسما كبيرا من حياة السياب الشعرية والنفسية .،اذ ان فقدانه لامه عمق الحزن في قلبه وأصبح الدمع والالم عنوانا لحياته.

لقد كان بدر يعاني منذ طفولته من مرض (المرأة) اذ ان المرأة المثالية عند بدر هي المرأة الأم ,وامه بالذات ،فلم تتسع حياة بدر وأمه لأن يكبر وتكبر فلم تبق منها غير صورة الامومة الرمزية تحيط بها هالة مقدسة يقابلها عند الشاعر صوت الحبيبات وعند قراءتنا للنصوص الشعرية للسياب التي تناولت قضية الأم ,نجد الشاعر قد بالغ في عرض قضية وفاة والدته ومدى تعلقه بها وحرمانه منها حيث نرى من خلال الصورة الشعرية  التي رسخها لتلك القضية انه انسان خيالي يبحث عن الصور المثالية فالشاعر ظل يؤكد قضية حرمانه من أمه وانه لن يجد من يعوضه ذلك الحب والحنان فقضى حياته يبحث عن امراة مثالية تعوضه حنان امه . اذ يقول (فقدت امي ومازلت طفلا صغيرا فنشات محروما من عطف المراة وحنانها وكانت حياتي وماتزال كلها بحثا عمن تسد هذا الفراغ وكان عمري انتظارا للمراة المنشودة وكان حلمي في الحياة ان يكون لي بيت اجد فيه الراحة والطمانينة).

ويبقى الشاعر ينادي امه في شعره اذ لديه قصائد ينادي فيها أمه وهي في قبرها حيث يسهر الليل كله في انتظار الصوت الأليف لكن الباب ماقرعته غير الريح في الليل العميق حيث يصرح في قصيدته “الباب تقرع الريح”:

هي روح أٌمي هزها الحب العميق

حب الامومة فهي تبكي

“آه ياولدي البعيد عن الديار!

ويلاه كيف تعود وحدك لادليل ولارفيق اماه….. ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار

لاباب فيه لكي ادق ولانوافذ في الجدار!

كيف انطلقت على طريق لايعود السائرون

من ظلمة صفراء فيه كانها غسق البحار ؟

كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون

يتراكضون على الطريق ويفزعون فيرجعون

ويسألون الليل عنك وهو لعودتك في انتظار

الباب تقرعه الرياح لعل روحا منك زار

هذا الغريب !! هو ابنك السهران يحرقه الحنين

اماه ليتك ترجعين

لقد ظل صوت الأم وذكرياتها ومناجاتها ونداؤها هي الرفيق الوفي للشاعر طيلة فترة حياته فقد كانت هي الوطن والحبيبة والمرض فلم يكن للحياة لذة بعد فقدانها ولم تبرد نار فراقها ولم تستطع الأيام تضميد جرح وفاتها وبقي الشاعر يناديها في قصائده لاجدوى حتى رحل عن الحياة براعم

علي العكيدي – بغداد