مشقة آدم.. الرؤية النقدية وتمثلاتها في الشعر
علي متعب
1- كشف اولي
لا أريد مصادرة وجهة نظر قارئي لكني أرى النقد وهو مؤسس ” بالفتح والكسر ” على نص سابق , إما أن يقترح طريقة للقراءة والكشف أو انه يطور طريقة للقراءة والكشف أيضا , بهذا المعنى أعلن دخولي إلى ” نص ستار عبد الله ” مشقة ادم الصادر عام 2013 , مركزا الحديث على ” عتبته / عتباته الختامية ” غير اني سأسوق الحديث في مقدمة قصيرة عن نصوص المجموعة بملاحظات قد تضع علامات اولية للقراءة . تثير هذه المجموعة سؤالا / مدخلا قبل / عند القراءة , تنتجه فرضية العلاقة بين ” ذوات النص ” اعني الذات الحقيقية للمؤلف ثم ” الذات الشاعرة ثم الذات الناقدة ” وافتراضنا متأت من كون الشاعر د. ستار عبد الله هو ناقد بالوقت ذاته . هذه المعادلة تنتج نمطا من التصورات عن أنماط العلاقة / ات بين أطرافها , إلى أي مدى يمكن أن تتداخل الذات الشاعرة مع الأخرى الناقدة ؟ وكيف تهيء الارتباط بذات الشاعر ؟ . طبعا لا نريد هنا تحديد العلاقة ومنطقة الاشتغال فهو أمر سبق أن وقفنا عليه في دراستنا للشعر السبعيني لكن نريد بالضبط كيف تتسرب الرؤية النقدية للناقد وتتحول إلى رؤية في الكتابة الشعرية ؟ ويمكن أن نعكس السؤال اذ نفترض ان القناعات النقدية تولدت عن التجربة الشعرية . على هذا سنحدد ثلاث مناطق للكشف من خلالها عن رؤية الشاعر الناقد ستار عبد الله . الأولى , الإيقاع . يكرس د. ستار عبد الله مجموعة من دراساته وبحوثه لمناقشة إيقاع الشعر وأهميته بصفته ” بنية شعرية ” وليس مجرد مولد شعري , لذلك استنتجت من مجمل اطروحاته ومناقشته الرأي الآتي : ان الإيقاع وهو المظهر الأقوى لوجود الوزن , يشتغل في الطبقة التحتانية من اللغة ويتفجر عنها ” ويكون انبثاق موسيقى الشعر عندئذ انبثاقا تلقائيا ” ” إشكالية الحداثة 54 “. ما الذي يعنيه الشاعر هنا ؟ .من الطبيعي انه يومئ الى ان الإيقاع ” على تعدد مستوياته ” ليس شيئا طارئا يضاف الى الشعر لتحسينه او ترويجه لذا لا يمكن التخلي عنه او استبداله لأنه ببساطة ” بنية لغة ” وليس ” محسنا أسلوبيا . يقودنا هذا الاستنتاج إلى قضية أخرى لا تقل أهمية عن الأولى , ويشير إليها الناقد / الشاعر بوضوح تلك هي ليس الوزن ” التفعيلات ” قوالب ولو كانت كذلك لكان من اليسير ان تتناسخ القيم الإيقاعية عند الشاعر الواحد او الشعراء على امتداد عصورهم واختلاف وجهاتهم . وإنما لأنها قيم مندغمة في اللغة نفسها , فلغة الشعر كما يقول ” جان ماري ” هي ” التي تستهدف التعبير عن الانفعالات قبل كل شيء ترجع في أصلها هي نفسها الى الانفعال ” وبذلك تزداد تنظيما وتركيزا للذهن , ومن الطبيعي ان تختلف طبيعة الانفعال ونمطه من تجربة إلى أخرى ومن شاعر الى اخر , محققة ” إيقاعا بمستويين الأول ظاهر مسموع والآخر خفي محسوس . القضية الثانية التي نريد الاشارة اليها , هي اللغة والتواصل مع القارئ . اذ يثبت د.ستار عبدالله قناعته بما يفترض للشعر الحديث ان يكونه بقوله ” ان الإبداع الحقيقي يكمن في كيفية تمكن المبدع من ممارسة ابداعه من خلال التغلب على وطأة النظام القديم الذي تنافر من الحياة وتطوير نظام بديل عنه يعيد أدراج الحياة في التجربة الابداعية ولا يقصيها او يبتعد عنها جنبا الى جنب مع محاولة تطويع نظم التواصل مع الجمهور ؟؟” اشكالية الحداثة – 132 ” . هذا الرأي / القناعة ستقودنا إلى استنتاج ان الناقد يرى في الشعر ممرا مهما من ممرات التواصل مع الآخر , واقصر طريق للتواصل يكمن في طرح قضايا تهم ذلك ” الآخر ” وتعنيه , لا من حيث ترويض لغة الشعر وبنياته النصية لتتوافق مع رؤية الآخر اذ ان ذلك يعني تسطيح التجربة , وانما عن طريق طرح ما يفترضه جزءا من تجربة الإنسان الحياتية . ان الشعر عنده لحظة تمر ولقطة تخلف اثرا ما , لقطة يستطيع الشاعر إعادة ترسيمها وضخها من جديد لتعود إلى الحياة مرة ثانية محملة بالإدهاش وتاركة اثرا جماليا في ذات القارئ , لنقل أيضا لقطة قد لا تكون لها دعة او إثارة وهي تمر في سلسلة من اللقطات المتوالية من زحام اللقطات لكنها عنده مهرب من الحياة ثم إليها او تاريخ يضع هامشه في متنها . ومن الطبيعي – بناء على هذا الاستنتاج , ان يظهر موقفه من ” لغة الشعر ” وهو موقف لا يبتعد كثيرا عنه فاللغة حين لا تحيل على ….وحين لا تتمثل في .. تتحول الى جدار يصد بدلا عن افق يتسع . وقوفنا عند هذين النقطتين سوف تنقلانا الى تصور عام للمجموعة ,وهي القضية الثالثة التي نريد الوقوف عليها , وربما سنرصد من خلالها اقتراب الناقد في رؤيته النقدية من رؤيته الشعرية او عكس ذلك قبل ان نتجه الى بنية الخاتمة .. ان متابعة نصوص المجموعة تعكس اهتمام الشاعر بالتقاط أفكار ورصد ثيمات , مما تشكل اطارا لتجاربه وملاحظاته ورصوداته الخاصة في الحياة الاجتماعية , وهي ما ولدت نمطا من البناء الفني للنصوص يندرج ضمن ” القصيدة القصيرة ” التي تعتمد رؤية مكثفة في الموضوع وتضخ فكرة واحدة ايضا . لا نجد الفكرة تتشعب وإنما تتركز لتكتمل في النهاية وكأنها تتأطر بإطار سردي يأخذ طريقه من الاستهلال الى العقدة فالنهاية , وهذه الطريقة في البناء تتناسب والرؤية التي يتبناها الشاعر في اطروحاته النقدية . فضلا عن هذا , يلحظ قارئ المجموعة ان ثمة رمزا يكاد يتكرر في معظم النصوص , هو رمز ” الرداء والعري ” وتمثلاته التي تصب في الثيمة نفسها . سنلاحظ على سبيل التمثيل ” دثر الثلج في صوته ومضى يلم بالغيوم “” وارتدى مطرا ” ” ترتدي رجلا ” ” ارتداء الفخاخ ” ” اورق في عريها ” ” اخلع ما يثقلني… وارتدي عباءة ” ” مشاعر محبوكة يرتديها الرجال ” ” تدفأت احلامنا بمعطف الكآبة ” ” وادب في امرأة ترتديها القناديل ” ” واقفا يرتدي الان بعض تبجحها ” ” يتناثر فوق موائدهم منها عري دبق ” ” الى غير ذلك مما يثير السؤال الاتي :لماذا هذا الرمز و ما الذي يشكله ؟ ثم اليس له علاقة واضحة بالتجربة التي تجسدها نصوص المجموعة ؟ . الواضح في نصوص المجموعة كلها انها ترصد حالة من انكسار الآخر أمام تفوق الذات , ويركز على ذلك الانكسار من خلال تقديمه بصورة المتخاذل او الخائن او المغري السلبي وما يقترب من هذه الصور , ويمكن ان نستنتج ثلاث ثيمات رئيسة انتظمت من خلالها تلك الصور , الأولى صورة ” الغادر ” وتعكس هذه الصورة من خلال تفوق المغدور كونه يعلم ويتعالى , كما يتضح ذلك في قصيدة ” الشاعر ” وقصيدة ” فاروق ” , والصورة الثانية , تظهر في وضع ” المرأة ” بصفتها الأقدر على المراوغة والخيانة , وبتعبير اخر الأظهر قوة على استدراج الرجل ” بصفة قيمته الذكورية ” وتمثل هذه الثيمة الاكثر انتشارا وظهورا في المجموعة كما في نص ” حلول ابليس ” او ” خيانات ” او ” من اوراق امرأة ما “. اما الصورة الثالثة فتميل الى تأمل الذات مظهرة إياها بتحدي قدرها المحتوم كما في ” رحلة ما ” او ” ليس الا حلما ” او ” مشقة ادم ” . هذا الاستنتاج ربما يقودنا الى تأكيد ما المحنا اليه من ان الشاعر يحول ملاحظاته بل وقراءته للواقع الى نصوص منتجة للتجربة .
2- الخاتمة .
جاء في لسان العرب ” مادة عتب ” ” وعتب من مكان الى مكان ومن قول الى قول اذا اجتاز من موضع الى موضع “. ومن المعروف ان الاهتمام بالعتبات , ودراستها اصبح معروفا متداولا مع شيوع دراسات رولان بارت عنها كونها من المتعاليات النصية , غير اني اريد طرح التساؤل الاتي , اذا كان للعمل الادبي ايا كان شكله وبصفته بنية كبرى تتألف من بنيات اصغر , فإننا لاشك سنلتفت الى الخاتمة بصفتها عتبة يتم الانتقال اليها من ” قول ” اخر , وعند هذا ستكون مفصلا نهائيا في النص تتركز فيه الفكرة التي يريد الشاعر . وتختلف بنيتها لا من نص الى اخر بالضرورة انما من نمط بنائي الى اخر . هنا اريد التركيز على ان بنية القصيدة الطويلة المختلفة ضرورة عن القصيرة , تختلف بها بنية الخاتمة , والامر يتعدى ذلك الى افتراض نمط البناء القصير وتعدده يقود الى خواتيم مختلفة و المهم في هذا كيف تتشكل هذه الخاتمة تبعا لبنية القصيدة وكيف تكون علاقتها بالمتن ؟ . لاحظنا في نصوص المجموعة انماطا مختلفة من البناء , غير اننا لن نصنفها بحسب التصنيفات المعروفة لبنية القصيدة القصيرة أي ” البناء اللولبي والدائري …” وانما سنصفها بحسب طريقة طرح المضمون والفكرة وهو ما يميز شعر د. ستار عبدالله وبالذات في هذه المجموعة , ولهذا سنحدد اهم ثلاثة انماط لهذا البناء وهي :
- . البناء الذاكراتي . وفيه يعتمد الشاعر الذاكرة في استرجاعها لموقف ما , وفي هذا النمط من البناء نلاحظ ان ثمة ترابطا واضحا بين استهلال القصيدة وخاتمتها , غير ان هذا الترابط منشؤه ليس لفظيا خارجيا وإنما عضوي داخلي يضم الفكرة الأخيرة إلى الأولى والى ابعد من ذاك حين تنتهي الفكرة بترسيخ ما في ذهن القارئ وذاكرته الجمعية كما في نص ” حلول ابليس “
تقوم فكرة القصيدة كلها على ” ضربة الخاتمة ” فالشاعر مستندا الى الذاكرة يعيد الى ذهن قارئه مسالة خروج ” ابليس ” عن طاعة الاله وتمرده وتعهده بإغواء البشر , وهو امر متعارف عليه في القران الكريم والأدبيات الإسلامية , غير ان الشاعر ينحرف بالذاكرة الى كون ابليس قد حل بالمرأة , مشكلا بذلك مفارقة حادة , لكنها تلتقي مع التصورات المثيولوجية للمجتمع العربي وبذلك تكون هذه الخاتمة متوافقة – رغم بنية المفارقة – مع ذاكرة المجتمع وهي ذاكرة هيمن عليها التفكير الذكوري .
” ثم اورق في عريها
قوسه ويدا عريه وعصاه “.
وفي قصيدة ” الشاعر ” أيضا حيث يستعيد الشاعر مشهد اغتيال الشاعر الكبير محمود البريكان , معتمدا على الذاكرة , لا ليعيد إنتاجها وإنما ليستعيدها كما هي , تماما كما في النص السابق . والملاحظ ان اغتيال البريكان معروف بعد ان تناقلته الصحف والأوساط الثقافية ما يعني انه صار جزءا من الذاكرة يعرفه كل مهتم بالشأن الثقافي . لذلك سينتبه القارئ منذ اللحظة الأولى للقراءة الى ان الشاعر يعيد لحظة الاغتيال الى الذاكرة , وربما يكون الشاعر منتبها الى هذه اللحظة لذا يترك مسافات بيضاء يتملاها القارئ ويتأملها , وما على الشاعر الا مراقبة الخطوط العامة لسيرة الذاكرة بلغة شعرية عالية . وكذلك الحال في قصيدة العار وقصيدة ” سعادة ” مع ان الامر يختلف من حيث ان المشهد الذي يستعيده الشاعر هنا , ينتمي الى الذاكرة الشخصية , بمعنى ان الذات الشاعرة وحدها القادرة على استعادته وتوجيهه وسيكون القارئ متابعا لتلك الذكرى مستنتجا ما يريد الشاعر تقديمه , ومع ذاك تتسلل بعض الإشارات من استهلال القصيدة :
“لا اذكر
إني كنت سعيدا
في يوم ما
او اني طرت بعيدا
تحملني سحب الفرح ” .
هذا الاقرار الذي يستهل به الشاعر قصيدته , ويتبنى تعميقه من خلال سلسلة من الاستذكارات سيعمق عند القارئ الإحساس الأكيد في الخاتمة التي تأتي تتويجا :
هل كنت سعيدا
في يوم ما ؟
وسموم عاتية
لا تسام من طلبي
وخواء دمي !
هذا النمط من بناء القصيدة اذن يفضي الى خاتمة محتملة , هي الحلقة الأخيرة من سلسلة الاستذكار , لكنا لاحظنا نمطا آخر من البناء تختلف به وضع الخاتمة وهو ما أسميناه ب :
- القصيدة الاستشرافية .
هذه القصيدة تقوم أصلا على جملة من التساؤلات والتوقعات , وبالتالي فهي لا تقر فكرة بقدر ما تثير فكرة قابلة للنقاش .
نلحظ هذا في قصيدة ” امنية ” حيث يقدم الشاعر فكرة تغيير طبيعة المرأة , تصوراتها ونوازعها تجاه الرجل , امنية يقدمها الشاعر وفقا لتصور يبقى مثار جدل ورفض وقبول :
” ثم اخرج من مكرها مسرعا
لأصب الحميم على ما تبقى لها
من أمان مروضة
وأمزق أهواءها الآثمة “.
3 – القصيدة السردية ذات المشهد الواحد . يمكن ان نقول ان هذا النمط من البناء يطغى على معظم نصوص المجموعة , وهو يتركز في إظهار مشهد سردي تنقله لنا كاميرا الشاعر وكأنه تمثيل حي للقطة مر بها أو يجسدها كما هي , وعند ذلك نكون بمستوى متقارب بين زمني القصة والخطاب . وتكون الخاتمة في هذا النمط من البناء خاتمة تتناسب وطبيعة المشهد ,فإماان تركز الحدث من خلال تلخيص الفكرة واما ان تعيد السرد الى الجملة الاولى لتكون خاتمة مغلقة او تبقيه مفتوحا . في قصيدة ” رحلة ما ” , يترقب القارئ رواية حدث ما يديره راو عليم مشارك , حيث ” ” تتسحب الروح ” من عالمها المغلق لتدب في جسد امراة ثم تعود في اخر الليل الى ” جسدها ” متخفية “. من الطبيعي ان هذه القصيدة / المشهد تومئ رامزة الى عالم الروح المغلق في سجنه وربما أكثر من سجن فالجسد والقبر هما معادلان للبيت والدنيا فكل ذلك بلا شرفة بلا تطلع بلا أفق منتظر . في معاودة قراءة القصيدة سنلاحظ أن استهلالها الذي يبدأ من انسلاخ الروح من الجسد وهي في القبر , تنتهي بالنقطة نفسها حيث تعود بنفس الهيئة إلى جسدها , لتتشكل الخاتمة المغلقة متناسبة مع طبيعة رواية المشهد ذي الأبعاد المتساوية :
ضجرت من جثتي
فالقبور بلا جثة
كالبيوت
حين تطوى على صوتها
……….
أتسحب في أول الليل
من كفني
وأدب إلى امرأة
……..
ثم في آخر الليل
أو آخر الصحو أسعى إلى حفرتي
قطرة
قطرة
لأموت .
آخر ما نريد الإشارة إليه ان الشاعر وهو يعتني برسم خواتيم نصوصه , إنما يوافق برؤيته هذه , منظوره للشعر الذي أسلفنا القول فيه , وللقارئ وجهة نظر لاشك .
{ ناقد واكاديمي























