سلامة الصالحي تفشي أسرار الروح
ايناس البدران
اذا كان الابداع ادبا فان مادته الاولى هي التعبير في اللغة ، من هنا جاءت حاجة المبدع الى توسيع نطاق المكتوب اي الى اكبر مساحة ممكنة من الحرية و جاءت الغربة التي يستشعرها الاديب وإن كان في بلده . هذا يفسر الصعوبات المضاعفة التي تواجه الاديبة الرافضة للوقوع في شرك الصورة النمطية المرسومة لها سلفا من قبل مجتمع ابوي بطريركي يمنحها الحماية ظاهريا وبالمقابل يطلب منها ان تبقي فمها مغلقا ، وواقع يسورها باللاءات والخطوط الحمر وتابوهات ارتبطت اصلا بنظرة قاصرة متحجرة لتجد نفسها في وضع المتربص به بانتظار زلة للانقضاض عليه .
وقد قيل قديما اذا اردت ان تتعلم الشعر فخذه عن المرأة لما تمتاز به برقة ورهافة المشاعر مع دقة الملاحظة واهتمامها بدقائق النفس وانثيالات الروح والفكر مع خيال لا يحده حد . هذا ما تجلى في ” ثيابها ماء ” المجموعة الشعرية الصادرة خلال العام الجاري للشاعرة سلامة الصالحي عبر ما نثرته على مساحة مئة صفحة ويزيد لنصوص شعرية ومضية عبّرت من خلالها عن لحظات الذات الانسانية واغترابها عن المكان وبدت فيها الضربة الرؤيوية واضحة في العديد من نصوص اكتفت بتصوير اللحظة الخاطفة الميالة للإدهاش والمفارقة .
في قصيدة ” ولادة ” تقول الروح قطرة ماء صغيرة … تلد البحر ” وإذ تتجلى النزعة الصوفية في بعض قصائدها كقصيدة ” عشبة ” وهي تقول :
ابدأ بعينيك اول المسافات
التي تؤدي الى رؤية الله
وعبر قصيدة ” اسرار ” حين تقول :
الشجرة الاولى تحمل اسرار الله
الجحيم بدأ حين افشت اسراره الينا
في مرحلة ما قد تكتمل دائرة الشاعر الابداعية فيظل الوطن حاضرا مسافرا في القرار البعيد من رحلته الشعرية ترى الصالحي تترجم وجع الوطن في اكثر من موضع كقصيدة ” ألم ” :
حين تفصّد وجه الوطن بقيح الغادرين
صرخ الله .. ويحكم
فصارت البلاد ندبة حزينة في وجه القمر
ومن خلال ” شهقة ” :
الخائنون يستريحون على قلب الوطن
عائمون على شهقة النزيف
اشتغل العديد من العلماء والفلاسفة كل في مجال تخصصه عمّا اسموه بمعضلة الفن وغموضها المحيّر فجاء اكثر من تعريف وتحليل مثير فمنهم من يرى ان الاعمال الابداعية انما هي مرآة لحياة المبدع اللاشعورية بما تشتمل عليه من ذكريات ورغبات مكبوتة كنوع من التنفيس او كعملية تطهّر كالتي تحدث عنها ارسطو . ولعلها محاولة للتوازن مع العالم الخارجي الملتبس المأزوم ، فيما يضع البعض ذلك المبدع بين حالة الحالم وحالة العصابي وكلها ليست سوى محاولات للهروب من الواقع بالعودة اليه عبر عملية الخلق أي هدم الواقع وإعادة بنائه على الورق على وفق رؤاه ومن منظوره هو . وفي كل الاحوال يجمع العلماء على ان المبدع في أي مجال لا يعد مخلوقا عاديا يبدع اعماله عن قصد بقدر ما هو اداة في يد قوة عليا لاشعورية هي اللاشعور الجمعي ذلك انه لسان حال المجموع وضميره ومرآته وإن كتب بذاتية خالصة .
والقصيدة الحديثة لا يمكن ان تخرج من مدارات اللقاء الفعلي داخل الذاكرة الجمعية ما بين قديم وحديث ، ما بين ازدواجية قائمة قد لا تجدها ثقافات اخرى بهذه الحيرة . فالشاعرة تنتمي الى ذلك الموروث اسلوبا واستشهادات واشارات اتفاق او تعارض ليظل هذا الانتماء متينا وبادي الوضوح في بعض قصائدها مثل ” جنوب “
جنوبية أنا .. انجبني الماء
وعمّدتني امي برحيق التمر والمواويل القديمة
افتح خزائني المحروسة بالموسيقى ومطر الحب
اسرّب احزاني الماضية واستعد لخوفي القادم
هكذا تنثال الالفاظ جزلة والمعاني شفيفة معاصرة لا تبحث عن قاموس في اغلب الاحيان كونها ميالة الى السهل الممتنع فتنتقي اكثر الالفاظ دلالة واوقعها تأثيرا ، مع اعتماد صور بلاغية خالية من التصنع المفتعل ، وحين تستخدم سلامة الصالحي الماء كرمز للنقاء والتطهر والتجدد والنماء تقول في ” ثياب الروح ” :
حين تفشي الروح اسرارها
وتمنح شفرة ولوجها البعيد
تبدو كل ثيابها من ماء
الماء ينتزع الماء
حتى لكأنها الماء ذاته























