رماد الممالك مفتتات نوعية مبرمجة لرؤى سردية 2-2
علائق العلياء وشفافية الشعر الأزلية
اسماعيل ابراهيم عبد
رابعا : الإستشعار الذهني
يقول فيصل دراج في مجلة الكرمل ، ينقله الدكتور فارس الرحاوي /
” كان جوهرالإنسان يقوم بمغامرة طليقة من مكان مألوف الى موقع لم يكن يتوقعه ، مغامرة قلقة يتمازج فيها النور والظلمة ، في إنتظار لحظة غير متوقعة تتلاشى فيها الظلمة حتى الإنحسار الأخير ” (4).
نريد هنا أن نقترح اسس فيصل دراج لتكون أطرافاً في منظومة الأستشعار الذهني كونه شعوراً مبكراً يسبق حدوث الحادثة .
بما أن كـل فكرة تولد أو ستولد هي خارجة أصلاً من مخفي (الظلمة الذهنية) ، لذا ستكون مغامرة في لامتوقع حدوث الذي لايحدث ، تدركه الظلمة الذهنية ـ الإستشعار ـ قبل ضياء المظهور .
لننظر /
[ بإمكان طائر القطرس الطيران عدة أيام بدون توقف .. حيث يغفو على جناحيه في أثناء تجواله من بحار استوائية الى أخرى قطبية خلال رحلة البحث عن الطعام والأمان والإخلاص لعالم البحر ..
الشعراء ملتصقون بالخيال والزهو كإلتصاق طائر القطرس وحنينه للبحر .. من يتأمل هـذه الطيور الدؤوبة والمستميتة يتعلم الكثير من التحمل والمكابدة التي يعانيها الكائن المتعالي وهو يحلّق عالياً تاركاً ماهو أرضي تحت جناحه وينظر دوماً من علياء ذاته الشفيفة كل شيء في طائر القطرس مغالى فيه ومتطرف
ـ رواية رماد الممالك ، ص46، ص47 ] لنتطرق أولاً الى منحوت صورة ما قبل الظهور ، كونها هي المغامرة الأولى .
تُرى أية صورة ، تلك التي ما تزال تحت مستوى ( محاق ) ماقبل الظهور ؟
ما الذي يدل عليها ؟
أرى أن المغامرة في الإزدواج الذي لم يظهر في المشهد مباشرة ، والذي تدل عليه علاقات:
ـ علاقة طائر القطرس بالطيران ، تؤشر مغامرة حب الفرد أن يقلد الطير ، وهي رغبة ومغامرة صارت من عجائب تأريخ العصـــور الوسطى .
ـ علاقة الطيران بالبحر ، والتي كثيراً ما تثير الغرابة والصور التخييلية ، وهي من أثارت وأنارت مدونات أثيرية ، عالمية ومحلية ، كبرى في التأريخ البشري كما هي حكايات ألف ليلة وليلة .
ـ علاقة طائر القطرس بالكائن المتعالي ، حيث هي مؤشر غير مباشر لمغامرة تكاد تُصاغ فنياً للتنبوء بما سيأتي من حوادث التأريخ البشري الذي سيسـم ، فيما بعد ، الصراع الحضاري بين قوى الأخلاق المثالية ، وقوى مؤلفات فعل الترويج السوقي .
ـ علائق العلياء الشفيفة وشـفافية الشعر ، المنظمة لمؤشرات المغامرة الأزلية للشعراء في محاولتهم لخلق عالم خال من عقد الإحتراب والخراب ، عالم منسجم مسالم لفظاً وسلوكاً .
ـ علائق المغالاة في التطرف بين سلوك طائر القطرس والشاعر ، وهي مغالاة في الحلم الأكبرللبشرية ، في وجود إنسان مثالي يدرك المسؤولية الكلية ولا يأخذ ما ليس بحقه ولا يسمح بأخذ ما له حق فيه .. يحفظ حقوق الجميع دون مِنّة ! – العلائق الخمس هي منحوتات لصورة لم تتشكل بعد ، لكن يمكن تصور هلامها ، في ما بعد ، كونها مغامرة العقل الأولى في خلق أرض زاهية بالعقول والأموال والشــــعر والسلام .
– هلامية الصورة ، كمرحلة ثانية للإنقلاب الموقعي للصورة ، من كونها منحوتة لم تتشكل بعد إلاّ من باب التخمين ، الى صورة غير واضحة ، قد تتغير أطرها
وأطرافها لكنها تنتمي الى ظلام الذهن المؤكد لتوليد ضياء الظهور ، كمستشعر به مسبق ، وهي ستحاول أن تتهيكل بدرجة وجـود تجريدية (فكرة) .
لسوف أحاول جس دلائل هذا الوجود في ملمس المسمــــيات الآتية/
الطيران ، التوقف ، التجوال ، البحث ، الإخلاص ، الزهو ، الحنين ، التحمل ، المعاناة ، التطرف .
هي مسميات ليس لها تجسيم مباشر ، ودلالاتها إكمالية ، لكنها تتمتع بوجود يشبه تراكن الأفكار الى بعضها للخروج من ظلمة الذهن الى ضياء الإستشعار الذهني ، ولو بتدابير “الذُهالية” !
– الواقعة التصورية قبيل الكتابية ،تلك تؤلب اللحظة لإنتظار ذاهل لقرارات لا رجعة فيها ، أهمها إختيار نوع وآليات التشكل الفضلى ، ثم إختيار جو الكتابة ، بعدها تأتي المرحلة المهمة ، مرحلة إنتقاء الحالة النفسية والجسدية في إستعدادها لتنفيذ شرعة الكتابة .
أرى المشهد السابق ضحى بتلك الإستعدادات بسبب دربة الكاتب المتعددة الإهتمامات فهو جمع معلومات وإحصاءات وقوانين كتابية وبيانية ليوجد لنفسه إستعداداً مبرمجاً مقصوداً ، يتوافق مع المظهورالذي سيولد، موقفاً إياه على قرار كتابة الرواية ، كتابة المشهد ، الإمتثال لنحوية الجملة الأدبية ، وهذه جزئيات كونت صورة مشهد مبرمج كلياً قبل تنفيذه .
أكاد أجزم على أن إختيارالمشهد لم يدخل حقل الإختبارالتجريبي،بل دخل قرار التنفيذ الكتابي وهو مكتمل الصورة والفكرة والنمط النوعي والإسلوب بدلائل الإستشعارات الذهنية للهلام بما صيّر الأسماء والعلائق والإنقلابات الذاهلة كجملة كاملة التبشير ، معنى وظلالاً .
* الواقعة الكتابية ، أجدها في المشهد المتقدم قد إستحكمت الى خمــسة قوانين هي /
ـ الإستحضار والتدرب على فعل الكتابة بمحاولة إعادة كتابة مسودات مخـــــــطوطة أو مخطط لها .
ـ الإحتفاظ بجدولة معلومات مساعدة عن حالة وطبيعة وسلوك طائر القطرس . ـ إيجاد ـ مكتوب أولي ـ للصفات المشتركة بين طائر القطرس والإنسان .
ـ إستحضار قضيتي عبدالله إبن المعتز ومنصورالشاعر التاجر ، بصورة منفـردة أولا ، ثم دمجهما لرغبة مسبقة مبيتة تماماً .
ـ إستحضار ثم إدخال حوادث تأريخية حقيقية وحياتية حقيقية ، الى مشغل تخيلي يلائم بين الأحداث والفجوات الزمنية والتهويلية وسبائك المغامرة الأخيرة ” مقتل عبد الله إبن المعتز ، وجنون سمية ، وإختطاف الهام ، ودخول منصور مصح الأمراض النفسية والعقلية ” . – نبوءة الإنتقال المتعدد والإنحسار الأخير للظلمة ، حيث أن كل فعل في الرواية هذه هو فعل إشاري . كل نبوءة للأفعال هي إشارة مسبقة .
لكن الذي يحدث في الكتابة ، أن كل ما قبلها لن يكون مرصوداً ، عليه فكل ما قبل الكتابة تخمينات في الإنتقال من ظرف الى ظرف ، ومن زمن الى آخر ، أو إنتقال من فكرة الى فكرة أخرى .
الكتابة المهمة هي ما ينوجد فيوجد اللامتوقع ، واللامحدود والمتمدد الحكائي والقولي ، وغير هذا كثير.. بمعنى أن الكتابة هي الخروج الأمثل والأخير من تكهنات الأفكار غير المدونة.
إذاً الكتابة صورة المتخيل ، وصورة المُسْتَشْعَر بِهِ ، ومن ثم هي صورة الضياء الذهني بتجلياته الكلية ..
ولأن الكتابة هي التجلي الأخير فأنها هنا مختزلة بالآتي /
(المشهد يريد أن يجعل النبوءة ، المستشعر بها ذهنياً ، ذُهالاً عن إنغماس الشعراء في وجدهم وأمانيهم دونما الأخذ بعوامل وفواعل الصد الضدي ، سياسياً إقتصادياً وإجتماعياً) .
خامسا : علامات تأطير الحدود
في مضمار هذا التأطير يُنظر الى أن توضع الصورة الكتابية (الجملة) في مصاف اللوحة الصافية البنى (الجمالية المترفعة) المتوافقة بنائياً في تركيب الدلالة ، من سـطح المدونة الى عمقها ، ثـم الى دلالته المتغيرة ، على وفق حدود متممة لنمط يخص تسوير ـ تجديد التمدد الدلالي ـ تكون الجملة بمقتضاه موهمة ، على الرغم من تسورها المعنوي ، بموجب إشارات لاحقة . مثل هذه الأُطُر تعتدُّ بتسويرات مساعدة تجعل من وعي القاريء مظلة لتغيير وتعدد صورة الواقعة الواحدة .
هذا التأطير،حين يُتِمُ ملء فرائض وجوده المادي سيغدو كأنه خارطة يتدرج بمتابعتها وعي القاريء للوصول الى الإدراك الأهم ..
وحين يكون المشهد الروائي هو الذي يقيم حدود التأطير ويشكل الجمل التسويرية (المحددة لتمدد المباغي) ضمن إطار حدود المباني الجملية . سيكون ذلك مهاداً لكل قراءة تداولية ، أوجمالية أو تهذيبية .
لنقسم مراحل الوعي بهذه الأطـــر الى /
أ ـ مرحلة الوعي الأولية : لننظر /
[ كانت سمية الكائن الوحيد الذي إحتوى بوادر الخــــراب الزاحف بعد أن إحتضنت ووجدت خلاصها بهشام أبن أنيسة الذي تحوّل الى إبن حقيقي لها وبدت مناداته لها بكلمة أمي غير مستعارة . ـ رواية رماد الممالك ، ص112 ]
الجملة الإبتدائية ، كانت سمية الكائن الوحيد الذي إحتوى بوادر الخراب .
الجملة اللاحقة ، إحتضنت هشام إبن أنيسة .
الجملة الثــــــــالثة ، بدت مناداته لها بكلمة أمي غير مستعارة . تلك هي جمل المشهد :
ـ ليس فيها أغلاط ولا أخطاء ، لا نحوية ولا بلاغية .
ـ الجملة الأولى والثانية سرديتان . ـ الجملة الثالثة إبلاغية .
يلاحظ ، كفهم أولي لمـنفذ الإطار ، أن الإطارهنا تحدد بشكل أساسي محيطاً للوضع النفسي لسمية ، التي عوضت بأمومتها تبني هـشـام إبـن أخـتـهـا أنيسة ، وأن كلمتي الخراب والإحتضان هما متصلتان من عمقهما ، الخراب ، الى سطحهما ، الإحتضان ، كلاهما لا يتسور بمعنى ثابت دونما تتمات أخرى ، وهما هكذا بلا تمدد ولا تغير ولا تبادل دلالي ، بغير روابط جديدة ..
قد تكون الجمل الأخرى اللاحقة أكثر تأهلاً للوعي الجديد .
ب ـ مرحلة الوعي المتــــوسطة : لننظر /
[ كنتُ مطالباً بفعل ينهي الأزمة التي تكبر يوما بعد آخر فإن تظل تتفرج فأن الأزمة الصغيرة ستكبر مثل دوائر الماء حتى تصبح فتنة والفتنة من عادتها تلــــتهم الأخــضر واليابس ..
أرنو إليكَ وأنتَ تتمزق مثلي بين عشق النساء والتلذذ بالكبرياء . ـ رواية رماد الممالك ، ص[113
في هذه المرحلة تتوضح معالم قضايا جديدة تخص وعي الشخصية ، الوسيط المتوسط للفهم ، حيث أن الجمل كلها تقريباً موهمة على الرغم من تسورها بحدود منطق منصور وعبدالله ابن المعتز ، كما أنها ، تتساعد ، مع تسويرات أخرى لاحقة متصلة أو متواصلة مع غيرها .
ـ جملتا الأساس هما /
كنتُ مطالباً بفعل ينهي الأزمة .
إرنو إليكَ وأنتَ تتمزق مثلي .
– ان القولين لراوٍ واحد .
– ان الجملتين لفاعل واحد .
– ان الجملتين تهدفان الى مبغى مضمر واحد .
– ان الجملتين موهمتان على الرغم من قيدهما الدرامي والقولي (منصور) .
– هما جملتان تتحاوارن في ذات واحدة فاعلة ومفعول بها ، مقهورة وقادرة ، لتحريك السرد من خلال التركيب الموهم .
– يظهرأن القول يحتاج الى أن يبوح بجملة عادية تخص مشكلة منصور مع زوجته سناء ، ومن الطرف الآخر ، هناك المضمر الآخر ، وجود عبدالله ابن المعتز الشاعر العاشق المتكابر .
– التسوير اللاحق سيأخذ بالمعنى المضمر الـذي يحيل الى أن الإشارات ـ سوابق / لواحق ـ تحاول وضع المشهد بمصاف الصفاء البنائي لممدد قول حيرة الشاعرين المستدل عليها في مضـــــــــمر الوعي المتوسط للتأويل .
ج ـ مرحلة الوعي الثالثة : لننظر / [ سأهذي هذه الليلة يا منصور يا سليل تجار الأقمشة . من أين تأتينا الحضارة وشفافية الشعر ونحن ننحر بعضنا بسكاكين همجية .. أتعرف أن الإمام يحيى قد جمع يوماً مستشاريه بعـد أن تسلل الخراب والفقر والتخلف الى البلاد وقال كيف الخروج من زوبعة التراجع والتخلف فتفتقت ذهنية أحد مستشاريه عن فكرة وجيهة فقال :
ـ يامولاي لاأحد ينقذنا من التخلف سوى أن نحارب أكبر دولة في العالم نعم ..
فيا مولاي نحن سنخسر المعركة بكل تأكيد وبنجاح ساحق سنقاوم ساعات أقل بكثير من الساعات والأيام التي نقضيها في الجدل والتفلسف لكننا بعد أن نندحر ستجد الدولة الكبرى نفسها في ورطة تأريخية وتجد لزاماً عليها إصلاح شأن البلاد وإقامة أود العباد بهـذه الطريقة سنستورد الحضارة … على طبق من ذهب . ـ رواية رماد رماد الممالك ، ص155، ص[156
هذه المرحلة من الوعي محكومة بالعناصر الإنتاجية الأربعة ، المتعة والمنفعة والتـــداول والتهذب التأثري.
تلك جميعاً متصلة بنوع ونمط المُحال الأسـاس ، الشيفرة السياسية ..
هذه العناصر تعمل متضافرة متداخلة .
التضافر يتم بالتشكل الدلالي العمقي للفعل الجمالي ، وهو ما ينطوي عليه المشهد بصورته الشاملة .
التفاصيل الفعّالة ، وبطبيعتها المستقلة ـ كإفتراض دراسي ـ تعمل بالطريقة الآتية / * المتعة / تتسور بطرفي التمدد القولي للتأويل ، والتقلص والتحدد المعنوي للقول .
في الحالة الأولى تتم المتعة باللغة الساهية المنفلتة من عقال المحددات بالغور عميقاً في الذاتية والعدمية والأريحية والإضطراب وأمثالها مما يخص مشاعر الشعراء ، منصور ، وعبد الله إبن المعتز ، ومهدي ربيع .
كما أن المتن السابق يكاد يكون ملهماً للحكي لا القص ،ما يجعل بيانات المتعة تمدداً قولياً . أقصد أن الشاعر مهدي ربيع قد مدد القول الشعري ليصير قصاً ، من ثم حكمة ، من ثم جسرَ تواصلٍ للعبور الى المنفعة .
– المنفعة / أسهم في التثبت منها المؤولات لكل من (الحضارة ، شفافية الشعر ، التورط التأريخي ) .
– التداول / سيكون آخذاً بقصة القاضي يحيى ، ومصاغات فلسفته التي تتفرع الى علوم جديدة في السياسة من خلال الأدب .
جمالية المتعة والنفع والتداول يـستظلون بقيمة الإنتاج الفني من جوانبه المشهدية كقص أولاً ، ثم كروي ثانياً ، وثالثاً كعـمل بشري له مستقبلون سيشاركون في تعميمه أو قبره ، لأجل التوسل به لبناء نظام ثقافي خاص يجمع عصور التشتت الى بعضها ، ليُتَعَـرَّفَ على أسباب الخلل الحضاري البشري ، والتأريخي الروائي .
– التهذب / المشهد في تطوره الروائي ، إنتاجياً ، يجعل الراوي كعنصر للتأثير والتهذيب عن طريق المبادلة والحركة الإجتماعية والنصية ، أثراً وتأثيراً … إنه ليس الكاتب ، وليس إبن المعتز، وليس منصوراً ، إنما مهدي ربيع الذي يعدُّ من الهوامش الروائية المـُدخلة في أهم متون التأثير (قوانين وأحكام القراءة) .
سادساّ : بلاغة السرد
الرواية مشاهـد دلالية تواصلية بلغة خطاب متعدد العلاقات ، ليس لها داخل نقي (إلّا مجازاً) ، إذ ليس للغة بلاغة كاملة إنما بلاغة تتكامل بالتعاضد .
جوهرالرواية ، أية رواية ، بلاغة سرد ، وفي رواية رماد الممالك تتحقق رباعية الغايات بطريقة الأبعاد الروائية الأربعة على الوجه الآتي /
ـ الجهات : في شرق الرواية سامراء ، وفي غرب الرواية البصرة ، وفي شمالية الرواية منصور ، وفي جنوبية الرواية عبد الله إبن المعتز ، وفي دائرة المركز ، مهدي ربيع وسمية وسناء ، وفي ظهيرات الرواية العوائل
(عائلة منصور ، عائلة سناء ، عائلة مهدي ربيع ، أقارب مهدي ربيع ، حاشية إبن المعتز والخليفة العباسي ونساء الحكام ) .
ـ البلاغات :
يتضمنها العنوان والمتون .
حيث أن العنوان يوجّه الى مغزى يتناص مع فوضى الإنتقالات الحضارية مثل ، دويلات المدن قبل أوروك ، دويلات المدن الجرمانية ، دويلات الممالك قبل الحكم الفرعوني ، دويلات المدن لآسيا والهند قبل وبعد التترية ، دويلات مماليك مصر ، دويلات الجزيرة قبيل الأسلام ، دويلات قبيل سقوط الدولة العباسية ، دويلات رماد المملكة العثمانية ، ممالك العائلة قبل وبعد 2003 في العراق .
إما المتون فهي مدونات السرد التي أفاض بها القص الروائي في الصفحات (35 ، 36 ، 39 ، 47 59 ، 74 ، 113 ، 160 ، 174 ، .(182
– العيانات : إنها عيانات الملموس وشبه الملموس الذي يتحرك منها الى الجوهر اللغوي .
تلك ، في المشهد ، هي / الأقمشة ، السكاكين ، التخلف ، الحضارة إنها عيانات لرفد حركة الروي بمتوزعات عقلانية تضبط إيقاعية علاقات تداول الخطاب ضمن تواصل المشهد الروائي .
ـ الرقيمية : هذه المفردة لصيقة المعرفة الجديدة وروافدها ـ كما يراها سعيد يقطين في كتابه النص المترابط ، والتي عني بها :
إدخال فرائض الفهم التقني الألكتروني الى تصييغ العناصر المؤلفة للنص . أي إعادة الإعتبار الى الآلة (الأجهزة التقنية الالكترونية) كونها قناة الإتصال والتوصيل لجُل مكونات التخاطب البشري حالياً .
من المتوقع القريب أن تصيرآليات النت بلاغات وإبلاغات سردية تمسك بيدها ، فيما بعد ، زمام المبادرة المعرفية المشكِّلة لروحية القراءة وروائية المسرودات كلها . الروائية الجديدة ستجعل بلاغة السرد بلاغة خاصة في الإقناع والتأثير .
* الآن لنا أن ندعو القارئ ليحقق متعته الجمالية والنفعية والتداولية والتهذيبية ، بقراءة حرة للمشهد الآتي /
[ ركضتُ بإتجاه العودة وطرقتُ الباب .. مرَّالزمن ثقيلاً وأطل عليَّ من جديد وجه فضيلة المجدور وبادرتها كي أوقف لسانها البذيء :
ـ أين أُختي سميّة ؟
تطلعت في وجهي مستنكرة وإكتفت بعبارة واحدة ثم أغلقت الباب :
لقد رميناها بالشارع وتجدها في الزقاق القريب .
جن جنوني …. أطرق الأبواب باباً باباً بحثاً عنها … بعـد ساعتين من الجنون والدوران وجدتها في بيت أدخلوها وإعتنوا بها بحثاً عن الثواب كما أخبروني .. شكرتهم وأبلغتهم بأنها أُختي .. .. أدهشني منظرها وملابسها الممزقة وتغير شكلها فلقد ذهبت الرعاية الحانية التي كانت توليها إياها إلهام .
أخذتها معي الى الفندق وبصعوبة بالغة أقنعتُ صاحب الفندق بمبيتها معي بعد أن أخبرته بأنها شقيـــــــقتي وفي الصباح سأجد حلاً ..
لم أنم تلك الليلة حتى سمعتُ آذان الصباح فتهيأتُ للنهوض والسير في فضاء الغرفة وأنا أجتر أحزاني وقلقي وخوفي على عقلي وجسدي اللذان أصبحا يذوبان رويداً رويداً . في الساعة العاشرة صباحاً دخلتُ مستشفى الأمراض العقلية الذي كانت تقيم فيه سمية . أعادوها بسهولة وحين قررتُ الإبتعاد وجدتُ صعوبة في ذلك فما الذي ينتظرني خارج هذا المكان غير الجحيم الذي بدأ يتأجج بسعار وجنون لايناسب قدرتي على المواجهة من جديد . طلبتُ من الطبيب إجراء الفحص ودوّن إسمي في إستمارة وبدأ يلقي عليَّ الأسئلة … والأنظار تتجه إليَّ . ـ رماد الممالك ص.[ 195
هوامش
(1) لطيف ، رواية رمـاد الممالك ، .2006
(2) تورين ، نقد الحداثة ، ت. أنور مغيث ، 1997 ، ص.293
(3) عبد ،القصص نصيات تداولية ، 2012 ، ص.132
(4) الرحاوي فارس عبد الله بدر ، الحداثة في الخطاب النقدي عند أدونيس ، 201 ، ص.211























